منوعات

انا واخواتى حكايات رومانى مكرم 1

قال لي وهو بيشد على إيده: ‘يا أمي، أنا من أول يوم طردوكي فيه، عملت اللي ميعرفهوش حد.. عينت محامي شاطر ورفعت قضية حجر وفسخ بيع البيت، لأن البيت أصلاً كان مسجل بنص باسمك وباسم أبوكي الله يرحمه، وإخواتك باعوا بالورق المزور وبصمات مغشوشة وهم فاكرين إننا ناس على باب الله ومش هنعرف نلجأ للقانون ولا لينا ضهر. القضية فضلت تدور في المحاكم ست سنين، وكنت باكلها في سكتي عشان ما أشغلش بالك ولا أخلي هدى تنام قلقانة.. وكنت مستني الكلمة الأخيرة تطلع من القاضي.’
قلت له وأنا قلبي بيدق بجنون: ‘يعني إيه يا إبراهيم؟’
قال لي بابتسامة واسعة، وعيونه بتلمع: ‘يعني النهارده يا ست الكل.. صدر الحكم النهائي. البيت القديم رجع كُله باسمك، وكل قرش انباع بيه رجع في الخزنة وبفائدة القانون.. وإخواتك.. النيابة أصدرت قرارات بضبطهم وتحويلهم للتحقيق في تزوير الأوراق واستيلاء على مال قاصر وميراث شرعي.’
لما سمعت كده.. الدم وقف في عروقي. حسيت الحيطان بتلف بيا. إخواتي؟ الولاد اللي ربيتهم وسهرت على لياليهم، اللي باعوني عشان شوية ورق وفلوس حرام.. وصلوا لكده؟ وبكيت مش عشانهم، لأ.. بكيت من قسوة الدنيا، وبكيت عشان الراجل ده.. الراجل اللي ربنا بعته لي سند وستر في زمن قل فيه الرجالة.”
سمعت كلام أمي وأنا واقفة مكانى كأني مسحورة. عروقي نشفت، ودموعي نزلت شلالات مش مصدقة وداني. إبراهيم.. جوزي السند، اللي كنت كل يوم أوسوس وأقول بكرة يزهق ويطردنا، طلع بيحارب في ساحات المحاكم لوحده ست سنين كاملة، ساكت ما نطقش بحرف، شايل همنا وهم المشاكل والمحامين والمصاريف، وفي الآخر جاي يرمي في حجر أمي ملكها وحقها ورجوع كرامتها اللي اتمرغت في التراب.
طلعت من الأوضة وأنا تايهة، لقيت إبراهيم واقف في البلكونة، مدّي ضهره للبيت، وماسك سيجارة بيطفّيها وبيمسح دموعه بكمّ قميصه عشان ما أشوفوش منكسر ولا مدمع.
جريت عليه، مرمتش نفسي في حضنه وبس.. أنا وقعت على ركبتي قدامه، مسكت إيزه وبستها بغزارة ودموعي بتغرق كف إيده، وصوتي بيترعش ويطلع منشج: “ليه يا إبراهيم؟ ليه خبيت عليا؟ ليه شلت الهم لوحدك؟ كنت مفكرة.. كنت وسوس وبتعوذ بالله من الشيطان إنك زهقت، كنت خايفة تطردنا.. سامحني يا إبراهيم، سامح نظرات الشك اللي كانت في عيني طول السنين دي!”
نزل إبراهيم لمستوايا على الأرض، مسك وشي بإيديه الاتنين، ورفع عيني ليه، وقالي بصوت دافي يمسح جروح السنين كلها: “أطردكم؟! إنتِ وأمك تطردوا منين؟ هو أنا عندي أغلى منكم في الدنيا دي كلها؟ أنا كنت ساكت عشان مكنش ينفع أتكلم غير والنتيجة في إيدي. مكنش ينفع أوعدك بحاجة وأطلع كذاب. كنت عايز لما أجيب حق أمك، أجيبه على مِكحلة، مش كلام وخلاص.. البيت رجع يا هدى، والعفش الليتباع هيجي أحسن منه، والفلوس اللي اتنهبت هترجع في جيب أمك غصب عن عين أطهر واحد فيهم.”
حضنته بكل قوة في جسمي، حسيت إن حضنه ده هو الحصن المنيع اللي أبدًا ما هيتدركني فيه عاصفة. فضلنا قاعدين في الأرض دقايق طويلة، كأن الزمن وقف بينا، لحد ما طلعت أمي من الأوضة، ماشية على عكازها بخطوات بطيئة بس ثابتة، وقفت قدامنا، وحطت إيدها النضيفة على راس إبراهيم، وقالت بصوت طالع من الجنة: “ربنا يجازيك خير يا ابني، ويرفع قدرك في الدنيا والآخرة، زي ما رفعت راسي وسترت بنتي.. بكره القهر هيطول اللي ظلمونا، وحقنا رجع بفضل رجولتك.”
تاني يوم الصبح، الدنيا قامت مقامتش. تليفونات إخواتي اللي مكنتش بتدق غير للقطيعة، بقت ترن ورا بعضها بشكل جنوني. التليفون بيرن بجنون والشاشات منورة بأسماء “أخويا الكبير” و”أخويا الوسطاني”، والرنة مابتفصلش كأنها جرس إنذار لحياة جديدة بتترسم.
بصيت لإبراهيم وأنا مرعوبة شوية، مسك التليفون من إيدي، فتحه وحطه قدام أمي وهو بيقول ببرود هادئ: “افتحي يا ست الكل، خليهم يسمعوا صوتك إنتي، مش صوتي أنا.”
فتحت أمي السيرفر وبصت للتليفون وسكوتها كان أثقل من أي صراخ. سمعنا صوت أخويا الكبير “محمود” بيكلمها بانهيار وتوسل مخزي: “يا أمي.. الحقيني! البوليس جه الشغل.. المحكمة أصدرت قرار حبس وضبط وإحضار ليا ولأخويا عشان قضية البيت والتزوير! ابوس إيدك روحي مع إبراهيم اسحبوا البلاغ والقضايا دي، إحنا أخواتك.. هترضي إن ولادك يتربطوا بالكلابشات ويترمو في السجون؟!”
أمي تنحت دقيقة، بصت للحيطان القديمة، للبيت اللي ربتنا فيه، للذكريات اللي اتحرقت بدموعها، وبعدين رجعت بصت لإبراهيم اللي كان قاعد بيلعب في فنجان قهوته بكل هدوء وثقة، وقالت بصوت ثابت وقوي لأول مرة أشوفه في حياتها:
“البيت اللي طردتوني منه، والقرش اللي اكلتوه بظلم وكسرة نفس، والقبر اللي حفرتوه ليا وأنا حية.. مفكرينه هيعدي بالساهل؟ إبراهيم جاب حقي بالشرع والقانون، ومش أنا اللي هتنازل عن حق ربنا.. روحوا قولوا للي عاونكم واداكم الجرأة تبيعوا أمكم إن اللعب مع رجالة الحق ليه ثمن.. وثمنكم غالي أوي يا ولاد بطني!”
قفلت السكة في وشه.. ومسكت إيد إبراهيم وقالت بابتسامة صافيه: “يلا يا ابني.. وديني أعيش في بيتي اللي رجع لي، وخليني أشبع بريحة أبوك، وبضحكتك إنت وبنتي في مكاني اللي محدش يقدر يطردني منه تاني أبداً.”
بصيت لإبراهيم، ولقيت دمعة فرحة حقيقية بتلمع في عينه، وحسيت إن كل سنين الخوف والوساوس طارت في الهوا، وإن ربنا أبدل ضيقنا فرج، وعوضنا براجل يسوى الدنيا وما فيها.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى