
مدّت الممرضة إيديها بالورقة، وقالت بصوت هادئ:
— المدام اللي كانت بتدور على أدستر المريضة، الورقة دي سقطت من شنطتها وهي في الطوارئ.
مسكت الورقة من إيد الممرضة وإيدي بتترعش. قلبي كان بيدق بعنف، وحسيت إن الأنفاس بتقف في صدري. بصيت للأم الحقيقية ومريم اللي كانت لسه تعبانة بس بتبص لي باهتمام. فرديت الورقة المصفّرة اللي خط يد وسام كان مالكها، وقرأت الكلمات المكتوبة بخط متقطع ومرتجف:
> “لو بتلتقي الورقة دي يا مريم، يبقى أنا خلاص سبت الدنيا وعرفتِ الحقيقة. اعذريني يا بنتي، وعذريني يا هدى. أنا مكنتش سارقكِ عشان أنانية مني وبس يا مريم.. أنا كنت خايف من حاجة أكبر بكتير لسه محدش عرفها. المرض اللي ظهر في قلبك ده.. مش مجرد صدفة وراثية عادية. الشخص اللي أمك اتجوزته زمان غصب عنها.. عمك بالتعميد.. كان بيعاني من نفس المرض الوراثي الخبيث، وكان بيستخدم دواء معين بيدمر عضلة القلب بالتدريج للجيل الجديد.. وأنا كنت خايف لوسائل البط بطرق شيطانية توصلك وتأذيكي. أنا مش بقول كده عشان أبرر خطيئتي، بس عشان تعرفي إن روحي رخصت رخيص جداً قصاد نبضة واحدة من قلبك.. سامحوني.”
>
الورقة وقعت من إيدي على أرضية المستشفى البيضاء وكأنها رصاصة اخترقت صدري.
كل حكاية الكذب، وكل السنين اللي عشناها في الوهم، اتكشفت قدامنا بصورة أوضح وأقسى. وسام مكنش مجرد خطف طفلة عشان حبه القديم للأم، ده كان بيحاول يحميها من شبح ماضي مرعب كان ممكن يقضي عليها تمامًا وهي لسه رضيعة! وبسبب الخوف والسرية، ساب المرض يستشري في جسمها من غير ما نعرف، وفي نفس الوقت ربَّاها بقلب أب حقيقي دفع حياته تمنًا لسلامتها.
مريم بصلت للورقة وهي مش مع استيعابها للكلمات، ودموعها نزلت بصمت، وقالت بصوت واهن ومجروح:
— بابا… كان بيخاف عليا للدرجة دي؟ كان بيحمينا من شر مكنش ظاهر أصلاً؟!
الأم الحقيقية غطت وشها بإيديها وبدات تعيط بنحيب عالي، وقالت وهي مكسورة:
— ياه يا وسام.. ظنيتك زمان مجرد شاب أناني طايش، وطلعت ضحية لشبح كبير مكنش حد يقدر يواجهه غيرك! سامحني يا وسام.. أنا كمان سامحتك على كل قطرة دم نزفتها من قلبي زمان!
أنا فضلت واقفة مكانها، عيوني مسمّرة على الورقة. حسيت إن كل الغضب القديم اتدوب جوه بحر كبير من الشفقة والوجع والفقدان. وسام غلط، وجريمته كانت كبيرة، بس نهايته كانت طاهرة ومفزعة في نفس الوقت. بصيت لمريم، ومديت إيدي ضمّيتها لصدري بقوة، وكأنني بخاف حد يخطفها مني تاني، وهمست في ودنها:
— متخافيش يا نور عيني.. وسام حماكي حياته كلها، ودلوقتي دورنا إحنا الاتنين — أنا ومامتك — نكمله ونحارب المرض ده عشان تعيشي وتفضي تنوري دنيتنا.
الأم الحقيقية قربت وحطت إيديها فوق إيدينا، وبقت التلاتة في حضن بعض، بنمسح دموع بعض وبنواجه مستقبل مجهول لكنه بيبتدي بصدق مش كذب.
لكن المفاجأة الحقيقية اللي مكنش حد متوقعها خالص، حصلت لما دخل الدكتور مرة تاني للغرفة، وفي إيده ملف التحاليل النهائية لمريم، وبص لنا بابتسامة غريبة وقال:
— مدام.. فيه حاجة في التقرير الطبي لازم تفهموها حالًا، لأنها هتقلب كل الموازين تاني!
رفع الدكتور ملف التحاليل بيد ثابتة، وظهرت على وجهه ابتسامة هادئة خفيفة وسط هذا الجو المشحون بالتوتر والخوف، وقال بصوت مطمئن:
— أنا عارف إن الكلام اللي فات كان صدمة كبيرة، وإن قصة المرض الوراثي ده كانت هددت أعصابكم، بس اسمعوني للنهاية لأن فيه مفاجأة طبية إيجابية تمامًا لم تكن في الحسبان.
بصينا له أنا ومريم والأم الحقيقية بترقب شديد، وكأن أنفاسنا وقفت في صدرونا، وقالت مريم بصوت واهن:
— قول يا دكتور.. طمني، فيه إيه تاني؟
فتح الدكتور الملف وطلع ورقة جديدة، وبص لنا وقال:
— لما دخلت الحالة وعملنا الفحوصات الأولية، كنا خايفين جداً إن المرض يكون في مراحل متقدمة وصعبة العلاج زي ما كان مكتوب في الورقة القديمة بتاعت الأب الله يرحمه. بس بعد ما عدنا التحاليل بعناية فائقة، وعملنا أشعات متقدمة على عضلة القلب، اكتشفنا حاجة مذهلة.. الحالة اللي عند مريم مش هي نفس الحالة الجينية الخبيثة والمستعصية اللي كانت في الماضي! نعم، فيه ضعف في عضلة القلب، وده حقيقي، ونتيجة لإرهاق شديد أو توتر عصبى تراكم على مدار السنين، بس العيب ده مش وراثي مدمر بالطريقة المرعبة اللي كان مفكرها وسام، وده معناه حاجة واحدة بس!
قاطعتُه بلهفة وقلبي بيدق بجنون:
— معناه ايه يا دكتور؟ ارجوك اتكلم!
ابتسم الدكتور وقال:
— معناه إن القلب يقدر يستجيب للعلاج بشكل كامل وسريع جداً! مش محتاجين جراحات خطيرة ولا زراعة ولا أي شيء من الكوابيس دي. كل الحكاية إنها محتاجة لفترة نقاهة، ونظام غذائي صحي، وأدوية تقوي عضلة القلب بانتظام لمدة شهور قليلة، وهترجع طبيعية تمامًا كأن لم يكن شيء!



