
الجملة نزلت على قلوبنا زي قطرات المطر الباردة في عز الصيف. حسيت بدموع الفرحة بتفر من عيوني غصب عني، والأم الحقيقية طلعت صرخة حمد وشكر لله، وحضنت مريم بقوة وهي بتعيط من شدة التأثر والراحة. مريم نفسها ابتسمت بضعف ودموعها نازلة على خدودها، وقالت بصوت مكسور بالفرحة:
— يعني.. يعني أنا هعيش يا ماما؟ مش هموت زي ما كان بابا خايف عليا؟
حضنتها لصدري بكل قوة، وبست راسها وهمست في ودنها بصوت مليان يقين:
— هتطول عمري يا نور عيني، وهتعيشي أحسن سنين عمرك معانا إحنا الاتنين. وسام الله يرحمه كان بيحبك لدرجة إنه شاف شبح وهمي وحارب عشانه، بس ربنا كتب لك النجاة والحياة من جديد عشان تفضلي منورة دنيتنا.
الأم الحقيقية مدت إيديها مسحت دموع مريم، وقالت بنبرة حنونة:
— الحمد لله.. ربنا رحمك برحمته الواسعة، وعوض صبرنا خير كبير. باباكي وسام الله يرحمه أدى رسالته، ودلوقتي جه دورنا إحنا عشان نبني حياتنا على أساس نضيف ومن غير أسرار ولا كدب.
مرت الأيام بعد اللحظة دي، وبدأت مريم تتعافى تدريجياً. رجعت للبيت معانا، وبقت الأم الحقيقية — اللي بقينا نناديها باسمها الحقيقي “صفاء” — مقيمة معانا أو زايفتنا بشكل دائم. البيت مبقاش كئيب زي الأول، بل بالعكس، بقى يملأه نوع من التسامح والسلام النفسي العجيب. الجروح القديمة اللي سببتها كدبة وسام وسرقة الماضي، بدأت تلتئم ببطء تحت سماء الحب الحقيقي والاهتمام المشترك.
مريم بقت تدرس بجد أكبر، وصحتها اتحسنت بشكل ملحوظ لدرجة إن الأطباء نفسهم استغربوا سرعة استجابتها للعلاج. في كل مرة كنت ببص فيها لعينها الغامقة، كنت بشوف فيها ملامح وسام الله يرحمه، وكمان رقة صفاء، وكنت بحس بالامتنان رغم كل العذاب والوجع اللي مرينا بيه. وسام مكنش ملاك منزل، ولا كان شيطان مجرم، كان إنسان ضعيف، حب بجنون، وخاف بجنون، وارتكب أخطاء لا تُحمل، لكنه في النهاية ضحى بحياته عشان يحمي البنت دي، وتركنا نعيش الحقيقة بكل ما فيها من مرارة وعذوبة.
لكن، وقبل ما نقفل الصفحة الأخيرة من حياتنا وندخل في صفحة جديدة تمامًا، حصلت حاجة في يوم من الأيام، واحنا قاعدين في الصالة بنحتفل بتخرج مريم وقرب شفائها التام. جرس الباب رن…
فتحت الباب، ولقيت قدامي شخص غريب، راجل في العقد السادس من عمره، بملامح حادة وعيونه فيها نظرة غريبة ومريبة، وبص لي وقال بصوت جاف وخشن:
— هو ده بيت المرحوم وسام؟ أنا أخو صفاء.. وجاي أخد بنتي اللي ضاعت مني من عشرين سنة، وعارف كل الحقيقة!
تجمدت في مكاني ووقف الدم في عروقي. الراجل ده… عم صفاء الحقيقي، أو جوزها الأولاني اللي كان متوحش زمان وحاول يقتل الطفلة وهي لسه رضيعة؟! نظراته كانت بتلمع بالشر والخبث، وبص لي بنظرة متعالية وقال بصوت خشن ومرعب:
— إيه يا مدام؟ بلعتي لسانك ولا إيه؟ افتكرتي إن الحكاية خلصت وموت وسام بيقفل السكة؟ أنا كنت مراقبكم وعارف كل كبيرة وصغيرة، وجاي أخد بنتي اللي ضاعت مني ومن زمان أوي وهي في ذمتي!
قبل ما أعرف انطق بحرف واحد، ظهرت صفاء من جوه الصالة، أول ما عينها وقعت على الراجل ده، وجهها اصفر تمامًا، وطلعت صرخة رعب من قلبها وقالت بصوت مرتجف:
— أنت؟! إنت إيه اللي جابك هنا تاني بعد كل السنين دي؟! عايز إيه تاني مننا يا مجرم؟!
الراجل ضحك ضحكة صفراء مستفزة، وخطا خطوة لجوة الشقة وقال:
— جاي أخد بنتي.. بنتي اللي تربيتي ودمي، واللي وسام سرقها وضحك عليكم بيها سنين. ويلا، جهزوا شنطتها عشان هتيجي معايا حالًا، ومحدش يقدر يمنعني، وإلا هقلب الدنيا محاضر وقضايا على الكل!
مريم طلعت ورانا بسرعة، وأول ما سمعت كلامه وخافت، رجعت لورا وهي مرعوبة، لكن في اللحظة دي، نزلت عليها الشجاعة فجأة، وقالت بصوت قوي وثابت رغم رعبها:
— أنا مش بنت حد تاني غير أبويا وسام! إنت كنت فين طول العشرين سنة دي؟! كنت فين لما كنت بتعذب أمي وبتدور تقتلني وأنا لسه رضيعة؟! إنت بالنسبة لي ولا حاجة، ومش هتحرك خطوة واحدة معاك!
الراجل اتعصب واتجنن من ردها، ورفع إيده بغضب عشان يمدها عليها، وقال بصوت عالي:
— قليلة الأدب! أنا هربيكي من جديد!
لكن قبل ما إيده تلمسها، كنت أنا وصفاء وقفنا قدامه زي الاسدين. صفاء صرخت في وشه بقوة عمرها ما اتكلمت بيها قبل كده:
— ابعد إيدك عنها يا حقير! إنت مالكش أي حق عندنا! المحاكم والشرطة هي اللي هتقول كلمتها معاك، ومش هتقرب من بنتي طول ما فيا عرق بينبض!
الراجل حاول يزقنا ويدخل غصب، بس في اللحظة دي، سمعنا صوت صفارة شرطة قريبة جداً وبرة الشارع، وشباب المنطقة وجيراننا اللي سمعوا الصوت والزعيق اتلموا بسرعة ووقفوا قدام باب الشقة، وكلهم بصوا له بنظرات حادة ومليانة وعيد. حس بالخوف والخطر، وبص حواليه بلا حيلة، وتراجع لورا وهو بيتوعدنا بصوت واطي:
— ماشي.. هتشوفوا هعمل فيكم إيه، والقانون هيكون معايا!
وإتدارك نفسه وجري على السلم بخطوات سريعة وهرب خايف من الفضيحة والمحاضر اللي كانت جاهزة.
قفلنا الباب في وشّه، ورجعنا لجوة الصالة. مريم وقعت على الأرض وهي بتعيط من شدة الانفعال والضغط، بس المرة دي مكنش عياط خوف، كان عياط انتصار وارتياح. جريت أنا وصفاء عليها، وضميناها الاتنين لحضننا بكل قوتنا، وحسيت ساعتها إن الكابوس الأخير انكسر للابد.
مرت الأيام والشهور، ورفعت صفاء دعاوى قضائية بتمكنها من الولاية الكاملة وحماية بنتها بالقانون، وانهار كل تهديد للراجل ده واختفى من حياتنا نهائيًا بعد ما اتفتح عليه ملفات قديمة تخص قضايا تانية.
بيتنا رجع له الهدوء والستر والأمان. مريم كملت دراستها وتخرجت بتفوق، وبقت دايماً تروح تزور ضريح وسام الله يرحمه، وتفتكره بكل خير، وتقول: “بابا وسام هو الأب الحقيقي اللي ضحى بحياته عشان أنا أعيش، وده الجميل اللي مش هقدر أنساه طول عمري”.
وأنا وصفاء بقينا أخوات وأصحاب وأمات حقيقيين لنفس البنت اللي جمعتنا الأقدار بعد عشرين سنة من العذاب والخداع. اتعلمنا إن الحياة مهما كانت مليانة كذب وأسرار ووجع، فالحق والحرية والحب الحقيقي هما دايماً اللي بينتصروا في النهاية، وإن القلوب اللي بتحب بصدق بتعرف دايماً تلاقي طريقها للنور.



