
فضل سيف ماسك التليفون، عينه على اسم تقى، ومش عارف يتصل ولا يتراجع. كان جواه كلام كتير عايز يقوله، وأسئلة مش سايباه يرتاح، لكنه في الآخر ضغط على زر الاتصال، وفضل مستني لحد ما الخط فصل من غير ما تقى ترد.
اتصل تاني، وبرضه مردتش. بعتلها رسالة: «تقى، أنا عايز أكلمك ضروري، ردي عليا. لكن الرسالة اتقرت، ومجاش بعدها أي ردفضل طول الليل يفكر فيها، ويفتكر أيام ما كان بيرجع من شغله يلاقيها مستنياه، والأكل جاهز، والبيت مرتب، وولاده بيجروا عليه، وهي بتسأله عن يومه وتسمع له مهما كانت مشغولة أو تعبانة.
افتكر قد إيه كانت بتعدي له حاجات كتير، وقد إيه كان متأكد إنها عمرها ما هتسيبه، وإنه مهما عمل هيفضل ليه مكان عندها. بس هو ما فهمش إن الصبر له نهاية، وإن الإنسان اللي بيفضل يستحمل عشان بيحب، ممكن ييجي عليه يوم يختار فيه نفسه.
تاني يوم، حاول يتصل بيها تاني، والمرة دي ردت بعد إلحاح طويل.\- أيوه يا سيف، خير؟اتنفس براحة أول ما سمع صوتها، وقال بسرعة:\- أخيرًا رديتي عليا يا تقى! أنا بقالي يومين بحاول أكلمك وإنتِ مش بتردي، هو أنا بقيت غريب للدرجة ديردت بهدوء\- إنت مش غريب يا سيف، إنت أبو ولادي، لكن علاقتي بيك انتهت من يوم ما طلقتني، ومش شايفة إن فيه كلام بينا محتاج يتقال.
اتضايق من برودها، وقال:\- يعني إيه انتهت؟ إحنا عشرة عمر يا تقى، وعندنا ولاد، ومش معقول كل اللي بينا يخلص بالشكل ده!سكتت لحظة، وبعدها قالت:\- إنت اللي اخترت تنهي كل اللي بينا، وأنا وقتها احترمت اختيارك، ومطلبتش منك تفضل معايا غصب عنك.
لما حبيت منه، أنا ما وقفتش في طريقك، ولما قررت تتجوزها، باركت لك، ولما جيت تطلب مني أساعدك في تجهيز شقتك، ساعدتك، مع إن كل حاجة كنت بعملها كانت بتوجعني. ولما قررت تمشي في حياتك من غيري، أنا كمان قررت أمشي في حياتي.
رد بعصبية:\- بس إنتِ اتجوزتي أخويا يا تقى! إزاي قدرتي تعملي كده؟ إزاي قدرتي تنسي كل اللي كان بينا وتتجوزي يونس؟ضحكت ضحكة قصيرة خالية من الفرح، وقالت:\- أنساك؟ هو أنا اتجوزت يونس عشان أنتقم منك؟
أنا اتجوزته بعد ما بقيت مطلقة، وبعد ما قعدت فترة طويلة أحاول أتعافى من اللي حصل لي بسببك. يونس جه لي من الباب، وطلبني بالحلال، واحترم قراري وكرامتي، وما حاولش يستغل ضعفي ولا يهددني بولادي.
هو ما خدش منك حاجة يا سيف، إنت اللي سيبتني بإيدك، ولما لقيتني بدأت أعيش، افتكرت إن ليك حق ترجعني وقت ما تحب!سكت سيف، لأنه ما لقاش رد يقدر يدافع بيه عن نفسه. هو فعلًا كان عايز إيه منها؟
كان عايزها تفضل مستنياه؟ كان فاكر إنها هتفضل طول عمرها الست اللي بتجري عليه وتسامحه مهما عمل؟ يمكن كان عايز يطمن إنها لسه بتحبه، وإنه لسه يقدر يرجع لها في أي وقت لو حياته مع منه ما نجحتش.
لكن تقى كملت كلامها، وصوتها المرة دي كان حاسم:\- اسمعني كويس يا سيف، أنا مش عايزة منك حاجة غير إنك تكون أب كويس لولادك. لما تحب تشوف ولادك، كلم يونس واتفق معاه على معاد يناسبهم، وهو مش هيمنعك عنهم، لأن دول ولادك ومن حقك تشوفهم وتفضل موجود في حياتهم.
لكن أنا مش هتكلم معاك تاني في أي حاجة تخصني أنا، ومش عايزة مكالمات منك تسألني فيها أنا اتجوزت ليه، أو بحب يونس قد إيه، أو حياتي معاه ماشية إزاي. حياتي بقت تخصني أنا وهو، وإنت حياتك بقت تخصك إنت ومنه. أتمنى تحترم ده. قال بصوت مكسور:\- تقى، أنا ندمان.
..ردت من غير تردد:\- يمكن تكون ندمان، ويمكن تكون غيران، ويمكن تكون اكتشفت إن اللي كنت فاكره مضمون مش موجود في حياتك تاني. بس ندمك ده مش مسؤوليتي، وأنا مش مطالبة أصلح لك نتيجة قرار إنت خدته بإرادتك. ربنا يوفقك في حياتك يا سيف.
وقبل ما يقدر يقول كلمة تانية، أنهت المكالمة. فضل باصص للتليفون، مستني إنها تتصل تاني أو حتى تبعت رسالة، لكنه ما جاش له منها أي حاجة. وبعد وقت، اكتشف إنها عملت له حظر من المكالمات والرسائل، وما سابتش بينهما غير الطريق اللي يقدر من خلاله يتواصل مع أخوه يونس بخصوص الأولاد.
حس وقتها إن بابًا اتقفل فعلًا، باب كان متخيل إنه هيفضل مفتوح مهما طال غيابه عنه. مرت الأيام، وسيف حاول يتعامل مع حياته كأن مفيش حاجة حصلت، لكنه ما قدرش يمنع نفسه من مقارنة كل تصرف بتعمله منه باللي كانت بتعمله تقى.
لما يرجع من الشغل ويلاقي البيت مش مترتب، يفتكر تقى وهي بتستقبله بابتسامة وتسأله لو أكل في الشغل ولا لأ. ولما يطلب من منه تهتم بحاجة تخص أمه، فترد إنها مش ملزمة تخدم حد، يفتكر تقى وهي بتروح لحماتها من نفسها، وتقف معاها في المطبخ، وتعمل لها اللي بتحبه من غير ما تستنى كلمة شكر.
ولما يختلف مع منه على المصاريف أو طلباتها الكتير، يفتكر إنه وافق على كل شروط أهلها من غير ما يفكر، بينما تقى عمرها ما حملته فوق طاقته، ولا حسسته يومًا إنه مقصر معاها، حتى في أصعب الظروف.
لكن الذكريات ما كانتش بتغير منه، ولا كانت بتخليه يعترف إنه ظلم تقى بوضوح. كان ساعات يلوم نفسه، وساعات يرجع يلومها هي، ويقول إنها لو كانت بتحبه بجد ما كانتش اتجوزت أخوه. وفي كل مرة كان بيقول الكلام ده، كانت أمه ترد عليه بنفس الجملة:


