منوعات

حكايات اسما 2

الجزء الثالث
الصحفيين والمصورين تجمهروا حوالين سلم المسرح في ثواني معدودة، الفلاشات كانت بتضرب في كل اتجاه، وأصوات الأسئلة اختلطت ببعضها:
— يا دكتورة مريم، تفاصيل أكتر عن قضية آدم الشهاوي!
— هل فيه قضايا تانية مرفوعة ضد مجموعة المستشفيات؟
— نادية هانم، تعليقك إيه على كلام الدكتورة مريم؟!
نادية هانم كانت قاعدة في الصف الأول، وشها أبيض كالثلج، وعينيها بتبرق بغضب وعجز في نفس الوقت. حاولت تقف، لكن رجليها ما كانتش شايلاتها، فتمسكت بذراع ابنها التاني “شريف” -عضو مجلس الإدارة والمدير التنفيذي لمجموعة الشركات- اللي جه ججري من وراء القاعة بعد ما سمع الضجة.
شريف بص لمريم بنظرة كلها تهديد ووعيد، وقال بصوت عالي وحاد وسط الزحمة:
— الكلام ده كله هراء وافتراء! مراتي.. قصدي البنت دي هتدفع ثمن الكدب والتشهير ده غالي جداً. والمحامين بتوعنا هيقفلوا عليها وعلى اللي وراها القضية في ثواني! وإياكم، يا صحافة، تنشروا حرف واحد من المهزلة دي، وإلا…
مريم ما استنتش شريف يكمل كلامه. بصت له بثقة تامة، وقالت بصوت هادئ وقوي قطع صوته:
— افتراء يا بشمهندس شريف؟! غريبة أوي! أومال المستندات اللي باعتها مكتب المستشار القانوني بتاعكم بنفسه على إيميل عميد الكلية من نص ساعة إيه؟ ولا التنازل الرسمي اللي آدم أمضى عليه بإرادته الحرة وهو في محبسه علشان يضمن مستقبل بنته ويحمي نفسه من بلاغات تانية أثقل؟ لو تحب، أنا ممكن أنشر النسخة الأصلية هنا قدام الكاميرات فوراً!
شريف بلع ريقه بصعوبة، ووجهه كشر بغضب مكتوم. أدرك تماماً إن مريم مش بتهدد، وإنها معاها كل الأوراق اللي تكسر شوكة العيلة وتحطاطهم في مأزق قانوني وإعلامي مالوش خروج.
عميد الكلية، اللي كان واقف جنب المنصة ووشه مخطوف من المفاجأة، تدخل بحزم وقال:
— لو سمحتوا يا جماعة.. الاحتفال ده أكاديمي وعلمي، ومقرهش أبدًا تحويله لساحات محاكم. الدكتورة مريم أثبتت جدارتها واستحقت التقدير والتفوق بجدارة تامة، وكلمتها كأولى الدفعة كانت حق مشروع ليها. وباقي المشاكل الشخصية والقانونية ليها جهات تختص بيها بعيد عن قاعة التخرج. تفضلي يا دكتورة مريم، استلمي درع التكريم الخاص بكي.
القاعة رجعت هادية تدريجياً، وسط تصفيق حار ومهيب من أساتذة الكلية والطلاب اللي حسوا بالفخر والعدالة وهي بتتحقق قدام عيونهم. مريم طلعت على المسرح للمرة التانية، بس المرة دي لوحدها، وهي شايلة الطفلة فاطمة على صدرها بكل حنان وقوة. استلمت الدرع من عميد الكلية، وبصت ناحتي في آخر القاعة، وابتسمت لي ابتسامة عمر ما هأنساها ابدًا.. ابتسامة بتقول: “قدرت يا ماما.. أخيرًا جبنا حقنا ورجعنا كرامتنا!”.
بعد انتهاء الحفل، هربت عيلة الشهاوي من الباب الخلفي للقاعة، ونادية هانم خرجت وهي محاطة بالحراس وبمنظر منكسر غير مسبوق في تاريخ العيلة. أما الصحف ومواقع التواصل الاجتماعي، فاشتعلت بالخبر في دقايق معدودة. مانشيتات الصحف في اليوم التاني كانت كلها بتتكلم عن: “ابنة عاملة النظافة الأولى على طب القاهرة تكشف فساد إمبراطورية الشهاوي وتنتزع حق ابنتها!”، و”سقوط إمبراطورية الاستثمار الطبي بعد فضيحة النجل الأكبر”.
في البيت، كنت قاعدة مع مريم على الترابيزة الصغيرة اللي قضت عليها سنين عمرها بتذاكر. فاطمة كانت نايمة بهدوء على السرير جنبنا. مريم حطت راسها على كتفي، ودموع الفرح نزلت على إيدي.
قلت لها وأنا بمسح على شعرها بحنان:
— كنتِ شجاعة قوى يا بنتي.. بس قلبي كان واقف من الخوف عليكي.
مريم رفعت راسها وقالت بصوت دافئ:
— متخافيش يا ماما.. طول ما إنتِ ضهرك ليا، ودعواتك دي معايا، أنا أقدر أواجه العالم كله. الفلوس بتشتري حاجات كتير يا ماما، بس عمرها ما تقدر تشتري الشرف، ولا العلم، ولا قلب أم ربتني بلقمة حلال.
وبعد مرور أسابيع، بدأت مريم مرحلة الامتياز في أكبر مستشفيات الجامعة، وتلقت عروض من كبرى المراكز الطبية العالمية اللي سمعت بقصتها وشجاعتها. أما عائلة الشهاوي، فاضطرت للدخول في تسوية قانونية كاملة مع مريم، تنازلت فيها عن جزء كبير من حصة آدم لصالح الطفلة فاطمة، وتم توثيق كل حقوقها بالكامل تحت إشراف القضاء، علشان تضمن فاطمة مستقبلها.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى