منوعات

حكايات اسما 3

الجزء الخامس
بعد مرور خمس سنين كمان، كانت الحياة ماشية بينا بشكل هادئ وجميل، كأن ربنا بيعوضنا عن كل دمعة وكل وجع دوقناه زمان. “مستشفى الأمل الخيري” بقت صرح طبى كبير ومعروف في مصر كلها، مش بس بسبب الخدمات العظيمة اللي بتتقدم فيه للغلابة، ولكن كمان بسبب الكفاءة العالية والسمعة الطيبة اللي بقت لكلية الطب وجامعة القاهرة تحت إشراف د. مريم، اللي بقت أصغر رئيسة قسم لجراحة الأطفال في تاريخ الجامعة.
فاطمة حفيدتي بقت عنده سبع سنين، شطية وذكية وبتشبه أمها في كل تفصيلة، خصوصاً في حبها للعلم وقعدتها الهادية وسط الكتب. كانت دايماً تقعد جنبي وتقولي: “يا تيتا، أنا لما أكبر هبقى دكتورة شاطرة زى ماما، وهعالج معاكي في المستشفى!”. وكنت أبتسم وأحضنها وأقول: “يا رب يا حببتي أشوفك أحسن دكتورة في الدنيا”.
أما عن عيلة الشهاوي، فالزمن ما رحمش جبروتهم. بعد وفاة نادية هانم في نفس الأسبوع اللي زرنا فيه شريف، وانهيار إمبراطورية المستشفيات الخاصة والشركات بتاعتهم بسبب الديون والقضايا، شريف سافر بره مصر مع باقي عيلته اللي فضلت مفلسة، وانتهى اسم “الشهاوي” اللي كان بيخيف السوق المصري كله، وكأن الفلوس الحرام اللي اتجمعت بالظلم والقهر طارت في الهوا زي الغبار.
لكن الأحداث الحقيقية بدأت يوم ما كنا قاعدين في البيت بالليل، ومريم رجعت من المستشفى متأخر، وشكلها مجهد جداً، بس عينيها كانت بتلمع بنظرة غريبة مش متعودة عليها.. نظرة فيها مزيج من التوتر والتردد.
قعدت قدامي على الكنبة، وفتحت شنطتها، وطلعت منها ملف قديم ومهترئ، أوراقه صفرا من طابع الزمن، ومدته ليا وقالت بصوت خافت:
— ماما.. عارضة أزياء أو صحفية أو أي حد.. ممكن ينسي ماضيه، بس فيه حاجات الطب بيكشفها ومش ممكن تتنسي أبدًا. الملف ده وصلني النهاردة الصبح من المستشفى الجامعي، عن طريق حالة قديمة تم تحويلها لينا من إحدى مستشفيات العباسية.
بصيت لها بتساؤل وقلق، وسألتها:
— إيه الملف ده يا مريم؟ وحالة إيه دي اللي تخليكي قلقانة كده؟
مريم بلعت ريقها وقالت:
— العيان ده.. مريض فاقد الوعي، جيه في حادثة طريق ومن غير أي إثبات شخصية، بس لما جيت أعمل له فحص شامل وأراجع السجلات الطبية القديمة بتاعته المرتبطة بقضية نادرة، لقيت حاجة مستحيلة.. الوش تغير، والملامح اتغيرت بفعل السن والإهمال، لكن علامة الشامة النادرة اللي تحت عينه الشمال، والملف الطبي القديم اللي كان محتفظ بيه في جيبه، بيثبتوا حاجة واحدة..
سكتت ثواني، وكملت بصوت متهدج:
— ده مش مريض عادي يا ماما.. ده آدم الشهاوي!
وقعت الكلمة على وداني زي الصاعقة. آدم؟! بعد كل السنين دي، وبعد ما سجنوه وبعد ما عيلته اتدمرت وسافرت، يرجع تاني لطريقنا وفي المستشفى المجاني اللي احنا بنبنيه على أنقاض جبروتهم؟!
مريم كملت كلامها وهي ماسكة إيدي:
— آدم بعد ما خرج من السجن من مدة، بعفو صحي بسبب تدهور حالته النفسية والعصبية، عاش متخفي في الشارع، من غير فلوس ولا أهل ولا حتى قدرة على الكلام، لحد ما خبطته عربية واتحول عندنا وهو بين الحياة والموت.. والدكاترة تحت إشرافي هما اللي بيجروا له العملية الجراحية الدقيقة دلوقتي علشان ينقذوا حياته.
سكتنا إحنا الاتنين، والصمت ملا المكان. بصيت لملف بابا فاطمة، الأب اللي رمى بنته وحاول يدمر أمها، واللى دلوقتي بيموت على ترابيزة العمليات تحت إيد الدكتورة اللي حاول يكسرها زمان.
قلت لمريم بصوت هادئ:
— والدنيا لفت يا بنتي.. وسبحان الله، اللي ظلم وداس على الناس، جيه اليوم اللي بقى فيه محتاج رحمة الضحية عشان يعيش. هتعملي إيه يا مريم؟
مريم وقفت بثبات، ولبست البالطو الأبيض بتاعها، وبصتلي وقالت بكلمات راسخة:
— هعمل واجبي يا ماما.. أنا دكتورة، والقسم اللي أقسمته بيلزمني أنقذ أي حياة تقع تحت إيدي، بغض النظر عن هو مين وعمل فينا إيه. شرف المهنة والإنسانية هما اللي بيفرقونا عن الناس دي.
دخلت مريم غرفة العمليات، وأنا قعدت في الاستراحة بره أدعي ربنا يكتب لها النجاح، وأفكر في عظمة ربنا وعدله اللي بيوريني كل يوم إن العزة بالكرامة والعلم، مش بالفلوس والظلم.
الجزء قبل الأخير
داخل غرفة العمليات المجهزة بأحدث الأجهزة في مستشفى الأمل الخيري، كانت الساعات بتمر كأنها سنين. الدقائق كانت بطيئة جداً، وأنا قاعدة بره على الكرسي، ماسكة سبحتي في إيدي، وقلبي بيدق بعنف. تساؤلات كتير كانت بتدور في دماغي: يا ترى آدم هيقوم بالسلامة؟ ولو قام، هيفضل تايه في دنيته كده؟ وإيه رد فعل بنته فاطمة لو عرفت إن أبوها اللي سابها زمان هو دلوقتي نايم على ترابيزة العمليات تحت إيد مامتها؟
بعد خمس ساعات متواصلة من التوتر والقلق، اتفتح باب غرفة العمليات، وطلعت مريم. وشها كان متبوع بتعب شديد وعرق طالع من جبينها، لكن عينيها كانت مليانة براحة الضمير.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى