منوعات

حكايات شيمو 2

اتفتح الباب ووقف “محمود” أبو الولد قدامي، وكان واضح على وجهه شحوب السنين وكسرة الهيبة المزعومة، ومراته واقفة وراه عينيها بتتحرك في رعب خفي كأنها حاسة إن الأرض بتتحرك تحت رجليها وإن اللعبة اللي لعبوها زمان اتقلببببت على دماغهم.
قبل ما واحد فيهم ينطق بحرف، طلع ابني من أوضته بخطوات ثابتة وواثقة، كان لابس بالطوه الأبيض الناصع، وماسك في إيده الملف البني اللي فيه ورقة البيع والشرا القديمة. وقف قدامهم في الطرقة، وبص لأبوه نظرة واحدة خلت الراجل يرجع خطوة لورا وكأنه شاف شبح أخوه المرحوم “سليم”.
* إيه يا عمي.. قصدي يا أبوي؟ جايبين شنطكم وجايين ليه؟.. أهلاً بيكوا في بيت أمي الحقيقية! صوت الدكتور كان هادي بس نبرته كانت حادة زي السكينة اللي بتشق الهوا.

محمود بلع ريقه بصعوبة وابتسم ابتسامة صفراء باهتة وقال بصوت مكسور:
* يا ابني.. اسمعني بس.. العصبية مش هي اللي بتحل الأمور.. وأنا أبوك في الآخر، والورقة دي.. الورقة دي كانت ظروف وقتها، كنت غلبان ومش عارف أربيك و…
قاطعه ابني بحركة سيدة بصوابعه وقال ببرود قاتل:
* ظروف؟! ظروف إنك تبيع ابنك عشان حتة أرض وميراث قديم؟ ظروف إنك تسلمني لعمي سليم ومراته عشان تصفى لك الحسبة وتخلص من همي؟ لو كانت ظروف، كنت جيت سألت عليا وأنا عيان، كنت سألت عليا وأنا في أول ابتدائي، كنت منعت مراتك العسولة دي وهي بتطردني من على باب بيتكم زي الكلب الجرعان! جاي دلوقتي تفتكر إنك أبويا عشان بقيت دكتور؟ عشان الناس هتعرف إن ابنك دكتور قد الدنيا والكل بيتكلم عن أخلاقه وشطارته، فقلت تاخد اللقطة وتيجي تركب على تعبي وتعب أمي الحقيقية؟!
مراته ما قدرتكتش تسكت، وطلعت لسانها الطويل وقالت بصوت حاد:
* إنت قليل الأدب وبتكلم ابوك بالطريقة دي ليه؟ ماضي إيه اللي بتقلب فيه؟ ما يولع الماضي! إحنا جايين نقولك إن خطوبتك دي ماتلزمناش، وإحنا هنروح نخطبلك بنت ناس تليق بعيلتك الحقيقية، مش بواحدة…

* اخرسي خالص! صوتي طلع لأول مرة بقوة خلت البيت كله يهتز، وطلعت من المطبخ وعيني طايرة شرار، وقفت جنب ابني وحطيت إيدي على كتفه كأني بدرع بشري:
* إنتي إيه يا ست إنتي؟ إنتي أصلًا ليكي صوت في البيت ده؟ إنتي اللي عمرك ما حسستيه بيوم حنان ولا عطف، إنتي اللي كنتِ تقفلي الباب في وش طفل عنده شهور عشان عيالك ياكلوا ويشربوا لوحدهم! جاية دلوقتي تتكلمي عن الأصول والعائلات؟ إنتِ ولا عيلة ولا أصل، إنتِ مجرد ست سودا القلب خربت بيت جوزك وخلته يبيع لحمه ودمه عشان طمع دنيوي رخيص!
محمود بصلي بعيون مليانة توسل وذل وقال:

* والنبي يا أم أحمد.. اهدي.. أنا عارف إننا غلطنا، وعارف إنكِ ربيتي أحسن تربية، والولد بقى دكتور بفضلك وبفضل سليم الله يرحمه.. بس اسمعيني، إحنا أهل، والناس هتقول إيه لو أبويا ماحضرش خطوبته؟ الناس هتاكل وشنا في البلد!
ضحكت بتهكم وقولت:
* دلوقتي خايف من كلام الناس؟! دلوقتي افتكرت إنك أبو وعليك مسؤولية؟ لما كنت نايم على سريرك دافي وبتعد الميراث، ولما كنت بشيل الولد وهو بيجيب درجات حرارة عالية وكنت ببيع ذهبي عشان أدفع له مصاريف الدروس والجامعة، كنت فين يا سي محمود؟ كنت فين لما كنت بصحى بالليل أقرأ جنبه لحد ما الشمس تطلع؟
ابني بص لأبوه نظرة أخيرة وقال له بكل برود:
* كلام الناس؟ متخافش.. أنا هكتب في كروت الخطوبة والفرح اسم المرحوم عمي سليم اللي رباني وأعطاني اسمه وروحه، واسم أمي الغالية اللي قعدت عمري كله أناديها ماما وهي اللي استحملت كل ده. أما عنك.. فاعتبرني متت يوم ما اتولدت زي ما أمي الحقيقية ماتت، واعتبر الورقة دي شهادة وفاة  اللي بيني وبينكم. اتفضلو.. الباب يفوت جبل.
الراجل ومراته حسوا إن الأرض اتدكدكت تحت رجليهم، وخرجوا مطاطين راسهم، مكسورين، مش عارفين يبصوا في عين جيران ولا شارع.

بعد ما مشيوا، قعدت على الكرسي وأنا حاسة بتعب رهيب هجم على جسمي مرة واحدة، السنين دي كلها كأنها مرت قدام عيني في شريط سينما سريع. بصتلي ابني وقعد قدامي على ركبه، ومسك إيدي وباسها بحرارة ونزل دموعه على صوابعي:
* سامحيني يا ماما.. سامحي إنك تعبتي معايا العمر كله وفي الآخر اتشوهت فرحتنا بالناس دي.
رفعت إيدي ومسحت دموعه بحنان وقلت بصوت دافئ:
* متقولش كده يا دكتور.. أنا فرحتي الحقيقية هي إني شايفك قدامي راجل.. راجل بمعنى الكلمة، مبيبيعش أصله ولا بينكر اللي سهر عشانه. يلا قوم.. اعدل بالطوك، ورايا وراك مشوار مهم.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى