منوعات

حكايات شيمو 2

* مشوار فين يا ماما؟
* هنروح لأهل العروسة.. بنفسنا، ونحكي لهم كل حاجة من غير كدب ولا لف ودوران.. عشان اللي يبني بيته على الصدق، مفيش ريح في الدنيا تهزه.
وفعلاً، تاني يوم، رحنا بيت العروسة.
قعدت مع أمها وأبوها، وحكيت لهم الحكاية من أولها لآخرها، من غير ما أخبي كلمة واحدة، حكيت عن سليم، وعن الورقة، وعن تربيتي للولد، وعن جبروت مرات أبوه وأبوها اللي باعوا. كنت بتكلم وأنا راس مرفوعة، وابني قاعد جنبي ماسك إيدي كأنه بيديني القوة.
أم العروسة بصلت لبنتها، وبصتلنا، وبعدين قامت قربت مني وحضنتني وقالت بصوت متهدج من العياط:
* البنت اللي تتربى على إيد ست زيك، وتبقا من ريحة راجل عظيم زي المرحوم سليم، تبقى أصلها ذهب.. ومبروك يا حماتي، بنتنا وابنا الدكتور بقى في عيوننا من النهاردة.
عدت الأيام، وجه يوم الخطوبة..

الشقة كانت منورة بالأنوار والفرح، وكل حتة فيها كانت بتنطق بذكريات سليم الله يرحمه. كنت لابس أقيم عباية عندي، وكنت واقفة في صدر المضيفة، والزغاريد مالية البيت والشارع.
ابني دخل عليا وهو لابس بدلة الخطوبة، وقف قدامي، وباس راسي قدام كل المعازيم، وقال بصوت عالي سمعه الكل:
* دي أمي.. اللي ربتني، اللي عاشت عشاني، واللي ماليش في الدنيا دي كلها غيرها.. مبروك علياكي أنا يا ماما.
نزلت دمعة من عيني، بس المرة دي كانت دمعة فرح صافي، دمعة بتقول إن ربنا فعلاً بيعوض الصابرين خير.. وإن الأمومة مش بالبطاقة ولا بالدم، الأمومة بالقلب اللي بينبض بالحب والتضحية.

* ماما… كلمة قالها وهو بيمسك إيدي، وعينيه لمعت بدموع الفرح اللي كانت mixed بنظرة وفاء وعشق لأمي الحبيبة اللي عمرها ما فرطت فيه.
الفرحة في الشقة كانت ماليانا كلنا، والمعازيم من أهالي الصحاب والجيران وأهل العروسة كانوا قاعدين حوالينا، والبيت اللي كان دايماً جدرانه شايلة ذكريات سليم الله يرحمه، رجع ينبض بالحياة والضحكات العالية كأنه بيرقص معانا.
العروسة كانت زي القمر، قاعدة جنب ابني في الكوشة اللي عملناها بحب وسط صالة البيت الواسعة، وكل شوية تبصلي وتبتسم كأنها بتطمني إنها هتشيله في عيونها. وأنا كنت قاعدة على الكرسي الكبير في صدر المضيفة، لابسة عبايتي الغالية اللي كنت محتفظة بيها للمناسبات الكبيرة، وحاسة إن ملك الدنيا كله بين إيدي.
في وسط الزغاريد والزفة اللي كانت ملا مالية المكان، وفجأة… جرس الباب رن.
الكل سكت لحظة، والصوت انخفض شوية. بصيت للباب باستغراب، مين ممكن يجي في ليلة زي دي؟ وخاصة بعد اللي حصل..
ابني قام من جنبه العروسة بخطوات سريعة، وراح فتح الباب.
وهنا، الكل اتجمد مكانه.
اللي كان واقف على الباب مش غريب… كان “محمود” أبو الواد، ووراه مراته. بس المرة دي، مكنش جاي بطريقة المتعجرف ولا صاحب الحق، كان مطاطي راسه، ووشه مليان كسرة وندم حقيقي، وفي إيد مراته بوكيه ورد كبير، وعلبة هدية شكلها قيم جداً.
الكل في الشقة بصلهم بصمت تام. المعازيم بطلوا كلام، وأهل العروسة بصوا لبعض بنظرات استغراب.
محمود بلع ريقه، وبص لابنه بصة مكسورة وقال بصوت واطي يادوب واصل:
* مبروك يا دكتور… أنا… أنا عارف إني جيت في وقت مش مناسب، وعارف إني ماليش مكان بينكم، بس… بس ماقدرش أبقى قاعد في بيتي وعارفيين إن ابني الوحيد بيفرح وأنا مش واقف جنبه.
ابني وقف في وش أبوه، وكتفه كان مرفوع وعزيمته فولاذية، وبص له بنظرة هادية خالية من أي غضب، وقال بصوت حازم وثابت سمعه الكل:

* حضرتك جاي تبارك لمين يا أبوي؟.. جاي تقول إيه للناس؟ ما خلاص، الورقة اللي بينكم وبين نفسي حرقت كل حاجة. إنت جيت النهاردة عشان شكلك قدام الناس، مش عشان فرحان بي.
مراته دخلت في الكلام بسرعة وقالت بدموع كدابة وعين بتترعش:
* يا ابني.. إحنا أهلك، وغلطنا، والشيطان شاطر… سامحونا عشان خاطر أبوك وعشان خاطر ربنا!
في اللحظة دي، حسيت إن روحي قالتلي قومي. مسبتش ابني يشيل الهم لوحده، قمت من مكاني، ومشيت بخطوات ثابتة لحد ما وقفت جنب ابني بالظبط، وبصيت لمحمود ومراته بعيون قوية، عيون ست شافت الويل وطلعت منتصرة في الآخر.
قلت بصوت هادي وعميق خلى الكل ينصت:
* أهلاً بيك يا محمود.. أهلاً بيك في بيت ابني، البيت اللي إنت بعته زمان برقة وقرطاس، البيت اللي جوزي سليم الله يرحمه بناه بدمه وعرقه وأنا شقيت فيه لحد ما بقى راجل يرفع الراس.
محمود بص لي وعينيه نزلت دموع حقيقية وقال:
* سامحيني يا أم أحمد.. أنا كنت أعمى، كنت تايه ورا طمع دنيوي، وضيعت مني ابن كان هيشيل اسمي بعز وكرامة.. أنا جاي أعتذر لك إنتي الأول، لأنك كنتي الأب والأم والظهر ليه.
بصيت لابني، ولقيت في عيونه سؤال: “يا ماما، أعمل إيه؟”
حطيت إيدي على كتفه، وبصيت لمحمود وقلت الكلمة اللي قفلت بيها صفحة السنين السودا دي كلها:
* أنا سامحتك يا محمود… مش عشانك، ولا عشان الورق والفلوس، ولا عشان كلام الناس اللي خايف منه.. أنا سامحتك عشان ابني يبدأ حياته الجديدة وقلبه مرتاح، من غير حقد ولا ضغينة. بس اسمعها مني للأبد… العز والابن الحقيقي مش بالدم ولا بالبطاقة، الابن الحقيقي هو اللي بيعرف مين اللي سهر عشانه ومين اللي باعه.
الكل في الشقة صفق بحرارة، والمعازيم حسوا إن الموقف ده مش مجرد خطوبة عادية، دي نهاية قصة كفاح طويلة انتصرت فيها الأم الحقيقية اللي ربت من قلبها.
ابني حضنني قدام الكل، ودموعه نزلت على كتفي، وقال بصوت عالي:
* ربنا يخليكي ليا يا أمي.. إنتي عمري كله، والنهاردة وبكرة وبعده، مفيش في قلبي غير اسمك واسم عمي سليم!
رجعت الموسيقى اشتغلت، والزغاريد علت أكتر وأكتر، وخدت العروسة وابني في حضني، وحسيت إن ربنا فعلاً عوضني عن كل دمعة نزلت من عيني سنين طويلة فاتت.

* ماما… تعالي اقعدي هنا جنبي.. الكرسي ده مش لأي حد، ده ملك أم العريس وصاحبة الفرح كله.
صوت ابني وهو بينادي عليّا كان مالي البيت كله فرحة وبهجة، ووسط الزغاريد والضحكات اللي ملت أركان الشقة، حسيت إن سنين التعب والشقا والسهر بتتحول قدام عيني لأنوار وورد. العروسة قربت مني وبدأت تعدل لي طرحتي بحب وتقول:
* مبروك علياكي يا أمي.. أنا حاسه إني كسبت أم تانية أكتر ما كسبت زوج.
بصيت لعيونهم، ولقيت فيهم طمأنينة الدنيا كلها. “محمود” ومراته قعدوا في جنب هادي من الصالة، مطاطين راسهم، بيكتشفوا إن الفلوس والورق مبيشتروش القلوب، وإن التربية الطيبة والأصل هما الباقيين.
المعازيم حوالينا بيباركوا، وكل واحد بيدعي لنا. في اللحظة دي، بصيت للسما من الشباك المفتوح، وكأني كنت بشوف جوزي الله يرحمه “سليم” واقف بيبتسم لي وبيقولي: “شفتي يا أم أحمد؟ تعبنا مراحش هدر.. ربّيتي راجل”.
عدت السنين كأنها وميض بصر.

البيت مببقاش يساع الفرحة، بعد ما ربنا رزق ابني وبنته بطفل زي القمر، أول ما نطق، ما ناداش غير بكلمة واحدة: “ستو.. ماما الكبيرة”.
كنت بشيله على إيدي، وأحس إن ريحة ابني وهي صغيرة رجعت تتولد من تاني.
أنا دلوقتي قاعدة على نفس الكرسي، بصتلي مرايتي وشفت شعري الأبيض اللي بيلمع كأنه وسام على صدري. عمري ما حسيت إني محرومة من حاجة، لأن ربنا رزقني بابن ما خلفتهوش بطني، بس خلفته روحي وقلبي وسنين عمري.
الورق والفلوس والميراث كله يروح، بس الحُب الصادق، والكتف اللي بجد وقت الشدة، والكلمة الطيبة.. هما دول اللي بيعيشوا.
ودلوقتي.. وأنا قاعدة في وسط عيلتي الصغيرة اللي بقت كبيرة وملت الدنيا ضحك، بقول لكل أم بتزرع خير ومش مستنية مقابل:
اطمني.. ربنا ما بيضيعش تعب قلب أبداً، والحضن الصادق دايماً بينتصر في النهاية.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى