منوعات

حكايات اسما 3

قمت جري عليها وخدتها في حضني، وسألتها بقلق:
— طمنينا يا بنتي.. العملية نجحت؟ آدم جراله إيه؟
مريم تنفست بعمق وقالت بصوت متهدج:
— الحمد لله يا ماما.. العملية كانت دقيقة وصعبة جداً، خصوصاً إن النزيف في المخ كان في منطقة خطيرة، بس بفضل ربنا وبمساعدة فريق التخدير والجراحة قدرت أوقف النزيف وأصلح التلف. هو دلوقتي اتنقل للعناية المركزة، وعدى مرحلة الخطر الحقيقية، بس لسه فاقد الوعي ومنتظرين يسترد إدراكه خلال الساعات الجاية.
مسحت على وشها بحنان وقلت لها:
— طول عمرك أصيلة يا ضب عيني.. ما خلتيش الحقد ولا الماضي يعموا بصيرتك عن واجبك الإنساني. ربنا يعوض تعبك خير.
تاني يوم الصبح، دخلت مريم تطمن على حالته في العناية المركزة. آدم كان نايم على السرير الأبيض، الأجهزة حواليه بتصدر أصوات منتظمة، وملاحه المتغيرة من التعب والسجن والشارع كانت تحكي قصة انهيار إمبراطورية كاملة في لحظات. لما فتح عينه ببطء شديد، النور الضبابي كان ملازم بصره، لحد ما ثبتت عينه على البالطو الأبيض وعلى الوش الواقف قدامه بهدوء وثبات.
آدم حاول يحرك شفايفه الناشفة، وصوته طلع بحجم الهمس، مكسور ومنكسر:
— مريم..؟! أنا.. أنا بحلم ولا دي حقيقة؟
مريم قربت منه خطوة، وقالت بصوت هادئ وخالي من أي شماتة:
— مش حلم يا آدم.. إنت في مستشفى الأمل الخيري. جيت هنا كحالة طوارئ بعد حادثة، وأنا والدكاترة عملنا الواجب وأنقذنا حياتك.
دموع حارة نزلت من عيون آدم، وبدأ يترعش وهو بيحاول يرفع إيده الضعيفة:
— سامحيني.. سامحينا كلنا.. أنا كنت ظالم وغبي.. فلوس أهلي وجبروتهم عموني، ودلوقتي ما بقاش ليا حد.. عيلتي كلها راحت، وأنا بقيت شارد في الشارع.. جزائي.. جزائي أهون بكتير من اللي يستحقه واحد زكي.. بس بالله عليكي.. فاطمة.. بنتي عاملة إيه؟ هي لسه بتكرهني؟
مريم بصت له نظرة طويلة، وقالت ببرود مصحوب برحمة:
— فاطمة ما تعرفش أصلاً مين اللي نايم هنا.. فاطمة بتكبر وهي متعلمة وعارفة إن أبوها اختار طريقه، وإحنا ما ربيناهاش على الكره يا آدم.. ربيناها على العزة. بس أحب أطمنك، بنتك في أحسن حال، ومستقبلها مضمون.
آدم غمض عيونه وانهار في البكاء بصوت مرير، وقال بانهيار:
— أنا خسرت كل حاجة.. خسرت كرامتي وبنتي ونفسي..
مريم سابت الأدوية والملفات جنبه، وقالت وهي ماشية وتفتح الباب:
— ارتاح دلوقتي يا آدم، صحتك هي الأهم. لما تقوم بالسلامة، هيكون لكل حادث حديث، ومش أنا اللي هحاسبك.. حياتك الجديدة دي فرصة تانية تفكر فيها كويس إيه هو الصح وإيه هو الغلط.
خرجت مريم من الغرفة، ووقفت جنبي في الممر، وهي بتاخد نفس طويل، كأنها بتنفض من على كتافها سنين طويلة من الوجع والذكريات المرة. وبصت لي وقالت بصوت دافئ:
— خلصت الحكاية يا ماما.. أو بمعنى صح، الجزء الصعب منها انتهى للأبد، وبقينا نقدر نكمل حياتنا من غير أي ظلال قديمة تضايقنا.
ابتسمت لها، وحضنت إيديها بإيدي الخشنة اللي شافت تعب السنين وقلت لها:
— طول ما إحنا مع بعض، وبقلوب نظيفة، هنفضل دايماً في النور يا دكتورة قلبي.

الجزء الأخير
بعد مرور شهر كامل على حادثة آدم، كانت الأمور في مستشفى الأمل الخيري قد رجعت لطبيعتها، لكن صفحة آدم الشهاوي في حياتنا كانت قد طويت إلى الأبد بدون أي رجعة. آدم خرج من المستشفى بعد ما استرد جزءاً كبيراً من صحته، لكنه اختفى تماماً من حياتنا، وسافر لبلد تاني يبدأ فيها من الصفر، بعد ما باع آخر ما يملكه لتسوية ديونه الكثيرة، وطلب من مريم في رسالة قصيرة أخيرة إنها تسامحه وإن يسامحه الزمن على كل اللي ارتكبه في حقنا.
أما احنا، فكنا بنعيش أحلى أيام حياتنا. البيت الصغير اللي كان مليان قلق وضيق زمان، بقى مليان بركة وسعادة وفرح لا ينقطع.
في يوم جمعة مشمس وهادي، كنت قاعدة في جنينة مستشفى الأمل، شاربة كوباية الشاي بتاعتي، وبتفرج على الأطفال الغلابة وهم بيلعبوا في ساحة المستشفى ومبسوطين بالخدمات والعلاج المجاني اللي بيقدمه المكان.
قربت مني مريم، وهي ماسكة إيد بنتها فاطمة اللي كبرت وبقت شطورة وجميلة، ولابسة هدوم مرتبة وانيقة، وفي إيدها كتاب علوم صغير بتقلب صفحاته بكل شغف.
مريم قعدت جنبي على الدكة الخشبية، وحطت راسها على كتفي وقالت بصوت هادئ ومطمئن:
— ماما.. النهاردة مرّت سنين طويلة من التعب والشقى، ومن اللحظة اللي وقفتِ فيها لوحدك تمسحي أرض المستشفيات لحد ما بقيتي قاعدة هنا ملكة مكرمة.. حاسّة بايه النهاردة؟
بصيت لعيون مريم اللي كانت بتلمع بالنجاح والحب، وبصيت لحفيدتي فاطمة وهي بتضحك بصوت عالي، وبعدين بصيت لإيديا الخشنة اللي شافت المرار والشقاء، لكنها في نفس الوقت زرعت أجمل وردة في الدنيا.. وابتسمت بدموع الفرح وقلت:
— حاسة إن ربنا كريم قوي يا بنتي.. وعمره ما بيضيع تعب حد، ولا بينسى دمعة أم صابرة. أنا لا خسرت ولا تعبي راح هدر، أنا كسبت الدنيا كلها فيكي وفي ضحكة بنتك. الفلوس بتروح وتيجي يا مريم، والجاه بيزول، لكن الكرامة والعلم والعطاء هما الحاجات الوحيدة اللي بتفضل باقية للدنيا.
مريم حضنتني جامد، وفاطمة جرت نطت في حضننا إحنا الاتنين وهي بتقول:
— وأنا بحبكم أنتوا الاتنين أكتر ناس في الدنيا، ولما أكبر هبقى دكتورة عظيمة زيك يا ماما، وزي تيتا اللي ربتنا وعلمتنا معنى الصبر!
ضحكنا كلنا بصوت عالي، وضربت ضحكاتنا جدران المستشفى اللي بقت سكن لكل مكسور، وحصن لكل محتاج. انتهت حكايتنا القديمة بحلوها ومرها، وبدأت حكاية جديدة عنوانها النور، والكرامة، والوفاء.. حكاية عاملة النظافة اللي بقت أسطورة، وبنتها اللي روت أرض الشرف بدموعها فعاشت بين الناس “ملكة”.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى