
وأنا؟ أنا بطلت شغل في المستشفيات أخيرًا، بس مش لأني عاجزة، بل لأن بنتي العظيمة وفت بوعدها.. وقعدتني في البيت “ملكة”، زي ما قالت وهي لسه طفلة صغيرة بتشاهد رسومات التشريح على ترابيزتنا البسيطة.
الجزء الرابع
بعد مرور سنتين كاملين على يوم الحفل الصاخب ده، كانت الحياة في بيتنا قد اتغيرت تمامًا، لكن جوهرنا وبساطتنا فضلوا زي ما هما. فاطمة، حفيدتي الغالية، كبرت وبقت تنور البيت بضحكتها، وكانت كلما تنطق بكلمة جديدة، تملى قلبي بالرضا والسعادة. مريم خلصت سنة الامتياز بتقدير امتياز مع مرتبة الشرف، وتعيّنت فورًا معيدة في قسم جراحة الأطفال بكلية طب جامعة القاهرة، الحلم اللي ضحت عشانه بعمرها وسهرت لياليه.
التسوية القانونية مع عائلة الشهاوي تمت تحت إشراف قاضي التحقيق وبناءً على شروط مريم الصارمة. لمريم وفاطمة تم تخصيص صندوق ائتماني ضخم يضمن للطفلة كل حقوقها المالية ومستقبلها التعليمي والصحي، بعيدًا عن أي تحكم أو طعن من عيلة الشهاوي اللي فقدت هيبتها وسيطرتها في السوق الطبي. أما آدم، فكان يقضي عقوبته داخل السجن بعد ما أدلته المحكمة بتهم التزوير وإهدار أموال الشركة، ورفضت محاكم الاستئناف كل طهوك ومحاولات أهله لتقليل العقوبة.
لكن القصة الحقيقية مكنتش في الفلوس ولا في الأسهم اللي اتكتبت باسم فاطمة، القصة كانت في اللحظة اللي دخلت فيها مريم البيت وهي شايلة ملف ضخم في إيديها وابتسامة واسعة شاقة وشها.
قعدت جنبي على الكنبة، ومدت الملف وقالت بصوت متهدج من الفرحة:
— ماما.. تعبتي معايا سنين طويلة، وكنتِ بتقوليلي دايماً إن نفسك تشوفي حلمك وحلمي بيتحقق على أرض الواقع. اقري الورقة دي.. دي رخصة أول مركز طبي مجاني لخدمة الأهالي غير القادرين والأطفال المرضى، وتحت إشرافي المباشر وبتمويل كامل من الصندوق الخاص ببنتا فاطمة وبالشراكة مع أساتذة الجامعة الأحرار!
دموعي نزلت من عيني بغزارة وأنا بقلب الورقة، وبقرا اسم المركز: “مستشفى الأمل الخيري – د. مريم وشامتها”. حسيت إن كل عرق وكل قطرة عرق نزلت مني على أرض المستشفيات السابقة، ربنا حولها لنور يداوي بيه قلوب الغلابة اللي شبهنا.
يوم افتتاح المركز كان يوم تاريخي بكل ما تحمله الكلمة من معنى. الطوابير كانت مترصة من بدري قدام الباب، ناس جاية تبارك، وناس تعبانة لاقية اللي يسمعها ويدويها من غير ما تدفع مليم واحد. وأنا كنت واقفة بعبايتي النظيف البسيطة على باب المركز، بستقبل الضيوف والناس البسيطة بابتسامة، وكل ما حد يقول لي “مبروك يا أم الدكتورة”، كنت برد وقلبي بينبض بالفخر: “البركة في علمها وأخلاقها ودعوات الناس الطيبة”.
وسط زحمة الافتتاح، وفي لحظة هدوء نسبية، لقيت عربية فارهة سوداء وقفت قدام باب المستشفى، ونزل منها شخص عمرنا ما توقعنا نشوفه تاني: شريف الشهاوي.
شكله كان متغير كتير، ملامحه مهزومة، وشعره شاب منه جزء كبير بعد الخسائر الفادحة اللي تعرضت لها إمبراطورية عيلتهم. وقف قدام الباب وبص لمريم اللي كانت واقفة جوه بتكشف على طفل صغير.
مريم خرجت على صوت الهمسات، ووقفت قدام باب العيادة بكل ثبات، وبصت له بهدوء وقالت بصوت واثق:
— أهلاً يا بشمهندس شريف.. خير؟ جاي تراجع أوراق التسوية ولا عندك استفسار قانوني جديد؟
شريف بلع ريقه بصعوبة، ونزل عينيه للأرض قبل ما يبص لها بنظرة مكسورة وقال:
— جاي أقولك كلمة واحدة يا دكتورة مريم.. أمي.. نادية هانم.. في العناية المركزة. صحتها انهارت تمامًا بعد الحكم النهائي على آدم، ومنتظرة النهاية. وقبل ما تفارق الحياة، طلبت مني طلب واحد.. إنها تشوف حفيدتها فاطمة ولو لثانية واحدة، وإنها.. وإنها تطلب منك الصفح.
القاعة حوالينا سكتت تمامًا. الكل كان مترقب رد فعل مريم. العزة والكرامة اللي شافت منهم الظلم والاهانة، والوجع اللي حفر في قلبها وفي قلبي سنين طويلة، كانوا محطوطين على كفة مطروحة قدامها.
مريم فضلت ساكتة دقايق طويلة، بصت خلالها من شباك المستشفى على المرضى الغلابة اللي قاعدين بره بيستنوا العلاج، وبصت ليا وأنا واقفة بتابعها بصمت، وبعدين رجعت ببصرها لشريف وقالت بصوت هادئ وقاطع كالماس:
— أنا مش قاضية يا بشمهندس شريف، وعمري ما كنت إنسانة قاسية تفرح في وجع حد، ومهما عملت والدتك، فاطمة ملهاش ذنب تشيل كره الكبار. قول لها.. إن بنت ابنها مصانة وبتكبر في عز وكرامة، وإني سامحتها لوجه الله.. بس لو مفكرة إن زيارة ولا كلمتين هيقدروا يمحوا القهر اللي شافته أمي وأنا.. فهي رايحة للي أحسن منا كلنا يحاسبها.
شريف دمعت عيونه، وانحنى براسه باحترام لأول مرة في حياته، وركب عربيته ومشي بهدوء من غير ما ينطق بحرف تاني.
في المساء، رجعنا البيت أنا ومريم وفاطمة. البيت اللي كان زمان بيجمعنا على قلق وخوف بكرة، بقى دلوقتي واحة أمان وسعادة لا توصف. قعدت على كرسيّ المفضل، ومريم حطت راسها في حضني زي زمان وهي بتقولي:
— تعبتي معايا كتير يا ست الكل.. مرتاحة دلوقتي ولا لسه؟
مسحت على شعرها بحنان وقلب مليان رضا، وقلت لها:
— أنا ملكة يا بنتي.. ملكة بعزك، وبشرفك، وبقلبك اللي أنقذ ناس كتير.. ربنا يديمك ليا يا دكتورة قلبي.




