منوعات

حكايات رشا 2

الجزء الثالث: بداية الحساب الحقيقي
في قسم الشرطة، كانت الأجواء مشحونة تمامًا. ريحة القهوة القديمة الممزوجة بتوتر المكان كانت مالية الغرفة، وعلى المكتب الخشبي الكبير قدام رئيس التحقيقات، كانت أوراق المحضر بتزيد صفحة ورا صفحة، وكل ورقة كانت بتثبت تفاصيل  اللي عملتها سارة.
سارة كانت قاعدة على كرسي في جنب الغرفة، ملامح التحدي والغرور اللي كانت على وشها ساعة اقتحام الشقة اختفت تمامًا، وحلت محلها نظرة كلها رعب وارتباك وهي سامعة العساكر بتردد تفاصيل التهمة: «إتلاف عمد لملكية خاصة، اقتحام مسكن دون إذن، وتخريب متعمد بمساعدة آخرين».
أم أحمد كانت قاعدة جنبها بتعيط بصوت عالي وبتلطم على خدودها، وكل شوية تبصلي بنظرات كلها غضب وعتاب، كأنها هي اللي مظلومة ومش أنا صاحبة البيت اللي اتقلب كومة ركام.
أما أحمد، فكان واقف قدام مكتبي مصدوم، حائر بين أمه وأخته وبين موقفي الحاسم اللي كان زي الصخر. قرب مني وبصوت مكسور ومليان رجاء قال:
«يا مريم، ارجعي بعقلك شوية! سارة طايشة وما تعرفش عواقب اللي عملته، وأنا… أنا مستعد أتنازل عن شغلي وأشتغل شغلانتين وأدفعلك كل مليم، بس والنبي بلاش فضايح في النيابة وبلاش حبس لأختي الوحيدة!»
بصيت لأحمد بثبات، وصوتي كان هادي وبارد لدرجة خلت الكل يسكت ويسمع:
«تدفعلي؟ منين يا أحمد؟ مرتبك كله على بعضه يا دوب يكفي أقساطك الشخصية. وبعدين، هي مشكلة فلوس وبس؟ دي مشكلة كرامة وأمان. أختك دخلت بيتي اللي تعبت فيه ست سنين من عمري عشان تهدّه عليا، وعايزني أعديها بالساهل عشان خاطر عيون العيلة؟»
دخل أمين الشرطة ومعاه ورقة المعاينة الرسمية اللي تمت بمعرفة المهندس الفني من الحي، وحطها على مكتب الظابط وقال:
«يا باشا، تقرير المعاينة الفنية أكد إن باب الشقة المصفح تم خلعه بأدوات حادة قوية، وإن حجم التلفيات والأضرار في الأثاث والجدران والتشطيبات متوافق بالظبط مع القائمة اللي قدمتها المهندسة مريم، وإجمالي التقدير الهندسي المبدئي وصل فعلاً لـ 4 مليون و530 ألف جنيه، ده غير مصاريف إعادة التأهيل.»
سارة أول ما سمعت الرقم صرخت بصوت عالي وقالت وهي مترعشة:
«دي نصابة! أكيد الحاجات دي ما تكلفش النص! دي بالغة في الأسعار عشان تنتقم مني!»
بصيت لها بابتسامة خفيفة وواثقة، وطلعت من شنطتي حافظة بلاستيكية فيها كل فواتير الشراء الأصلية، وعقود التشطيب الموثقة، وإيصالات الأجهزة الكهربائية بأسعارها الحقيقية، وحطيتها قدام الظابط وانا بقول:
«كل قطعة خشب، وكل مسمار، وكل جهاز، له فاتورة ضريبية رسمية باسمي وبأريخ الشراء. القانون هو اللي هيحسب، مش أنا.»
الظابط فتح الملف، وبص لسارة وقال بجدية وحزم:
«الآنسة سارة، الأوراق الثبوتية كاملة، وتقرير المعاينة طابق أقوال المجني عليها بدقة. التهمة وجهت ليكي رسميًا، وهتتحولي حالا للنيابة العامة مع شهادة الشهود وتسجيلات الكاميرات.»
في اللحظة دي، أم أحمد وقعت على الكرسي مغشي عليها تقريباً من الصدمة، وبدأت تصوت وتدعي عليا، بينما أحمد مسك راسه بإيديه وقعد على الأرض من كثرة ، وهو عارف كويس إن اللعبة خلصت وإن الغرور الطائش لأخته دمّر كل شيء كان ممكن يكون بيننا.
وقفت، وعدلت ياقة بليذري، وخدت شنطتي واللابتوب، وبصيت للظابط وقلت:
«أنا مستعدة لأي إجراء قانوني تانِي، ومكملة في القضية لحد آخر جنيه.»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى