منوعات

حكايات اسما 2

## الجزء الثالث: صفعة الواقع وعودة الحق
الشارع برة كان هادي، بس ججوّيا كان البركانايه شغال. مشيت بخطوات ثابتة، ودماغي بيلف بكل اللي حصل. سنين التعب، والسهر، والدموع، والمرارة اللي دقتها في البيت ده.. كله اتكشف في دقيقة واحدة.
تليفوني رن في إيدي.. كانت إدارة المستشفى الكبيرة في العاصمة.
رديت بصوت هادئ، رغم دقات قلبي السريعة:
— “أيوة يا فندم..”
— “دكتورة حورية؟ إحنا في انتظارك بكرة الصبح بدري. لجنة التعيينات والمدير العام بنفسهم هيكونوا موجودين عشان نمضي العقد النهائي لرئاسة قسم الجراحة، والملف بتاعك اتوافق عليه بالإجماع من وزارة الصحة كمان.”
قلت بثقة: “تمام يا فندم، بكرة أكون في الإدارة.”
قفلت التليفون، وابتسمت لنفسي. عاصم اللي كان فاكر نفسه وصل لأعلى القمم، ماعرفش إن السلم اللي كان طالع عليه.. أنا كنت واقفة في آخره وبشرف على كل كبيرة وصغيرة فيه!
في الناحية التانية، جوة البيت.. الوضع كان كارثي.
مرات عمه كانت قاعدة على الكرسي بتلطم على وشها من الصدمة والذهول:
— “يعني إيه يا راجل؟! يعني البت اللي كنت بتجوعها.. قصدي بتصرف عليها من ورانا.. طلعت أحسن من ابني؟ وابني اللي دافعين حوش العمر على تعليمه، مرفوض في نفس المستشفى وهي رئيسة قسم؟! أنت هجننتنا ولا إيه؟!”
عاصم كان واقف في نص الصالة، عيونه حمرا زي الدم، ووشه باهت كأنه شاف عفريت. الكبرياء اللي كان ملو بيه البيت كله انكسر في ثواني.
— “مستحيل.. مستحيل دي تكون حورية! البت دي كانت قاعدة في المندرة بتأكل الفراخ! دي.. دي أكيد بتلعب لعبة.. بابا، فهمني، إزاي ده حصل؟!”
عمي قام من مكانه ببطء، وبص لابنه بنظرة كلها خيبة أمل وعتاب:
— “اللعبة الوحيدة اللي اتلعبت هنا.. هي اللعبة اللي أنت لعبتها على نفسك يا عاصم. الغرور عماك. نسيت أصلك، ونسيت إن الرزق بييجي بالتعب والأخلاق مش بالمنظرة والكبرياء. كنت باصص لحورية باستهزاء، وهي كانت بتتعلم وتبني نفسها بصمت، لحد ما بقت اسم كبير في البلد، في الوقت اللي أنت لسه واقف مكاني بتتسول وظيفة وهي اللي بتمضي على قبولها أو رفضها!”
عاصم جنون الهزيمة سيطر عليه. صرخ بصوت عالي:
— “أنا مش هسكت! أنا هروح بكرة المستشفى وأعرفهم مين عاصم.. وأنا هقدم شكوى، وهقول إن فيه تلاعب!”
عمي ضحك بتهكم وقال له:
— “روح.. روح يا دكتور عاصم، واقف قدام اللجنة وقولهم إن الدكتورة حورية اللي طالبينها بالاسم هي بنت عمك اللي كنت مكسوف تسلم عليها.. وساعتها شوف مين هيضحك عليك.”
تاني يوم الصبح، دخلت مستشفى العاصمة الكبيرة. البوابات الكبيرة، وحركة الأطباء والتمريض، وهيبة المكان.. كله كان بيعكس حجم النجاح اللي وصلت له لوحدي. دخلت مكتب المدير العام، وكان قاعد جنبه اتنين من كبار الاستشاريين.
أول ما دخلت، وقف المدير العام باحترام وابتسم:
— “أهلاً بأشطر جراحة فيكي يا مصر.. دكتورة حورية، منورة مكانك الطبيعي.”
قعدت بهدوء، ولسه هنبدأ نراجع ورق التعاقد، وفجأة.. باب المكتب اتفتح بعنف.
دخل عاصم ومنظره يثبت إنه ما نامش الليل كله. شعره مش مرتب، وهدومه متبهدلة، وأول ما شافني قاعد على الكرسي المخصص لرئيس القسم.. اتجمد في مكانه كأن صاعقة ضربته.
مدير المستشفى بص لعاصم بغضب واستنكار:
— “أنت إزي تدخل كده يا دكتور عاصم من غير إذن؟ وأنت أصلاً مرفوض من الوظيفة من أسبوع، إيه جابك هنا؟!”
عاصم مد إيده وهو بيترتجف، وشاور عليا وقال بصوت مكسور ومليان صدمة:
— “هي.. هي دي! ازاي دي تمسك قسم الجراحة هنا؟! دي.. دي معرفش إيه.. دي جاهلة!”
الكل في المكتب سكت. المدير بص لعاصم ببرود تام، وقال:
— “جاهلة؟! دكتورة حورية هي صاحبة أعلى نسبة نجاح في عمليات جراحية دقيقة على مستوى الجمهورية السنة دي، واسمها مطلوب في مؤتمرات دولية.. وحضرتك اللي جاي تتقدّم على وظيفة أقل بكتير من مستواها، جاي تتهجم على مكتبها وتقول جاهلة؟!”
بصيت لعاصم بهدوء، وحطيت أوراقي على المكتب، وقفت وبصيت له وجهاً لوجه:
— “كنت مفكر إن الجهل هو إن الواحد يعيش وسط الطبيعة ويعرف أصول الأرض والخير يا دكتور عاصم؟ الحقيقي إن الجهل الحقيقي.. هو جهل القلب والعقل، اللي بيخلي الإنسان يشوف الشموخ في نفسه والضعف في غيره وهو مش شايف حقيقته.”
عاصم نزل راسه الأرض، الدموع تجمعت في عيونه من قسوة الصدمة والندم. حس إن كل غروره اتبخر في لحظة واحدة قدام الإنسانة اللي استصغرها سنين طويلة.
المدير بص لأمن المستشفى بهدوء:
— “خرجوا الأستاذ بره لو سمحتوا.. واضح إنه محتاج يرتاح.”
**
## الجزء الرابع والأخير: نهاية الغرور وبداية الحقيقة
الأمن دخلوا بهدوء وطلبوا من عاصم يطلع برة. حاول ينطق بكلمة واحدة، بس حلقه نشف، وصوته اختفى. بص لي بنظرة كلها رجاء وكسرة، نظرة كانت بتقول: *”سامحيني، أنا ضيعت نفسي بايدي”*.. لكن الوقت كان متأخر قوي. الحروف والكلمات ما عادتش ليها أي معنى قدام الواقع اللي فرضه نجاحي.
خرج مكسور الجناح، وراحت أوهامه وغروره أد الريح.
أما أنا، فرجعت لمكاني قدام المدير واللجنة، وكملت إمضاء عقود تولي رئاسة قسم الجراحة بكل ثقة وهدوء. حسيت إن كل دمعة نزلت، وكل ليلة سهرتها تحت لمبة مكتب قديمة وأنا بدعي ربنا يعوض تعبي، بيتم حصادها في اللحظة دي.
بعد أسبوع من اليوم ده، البيت الكبير في البلد كان غارق في صمت رهيب.
مرات عمه كانت قاعدة في الصالة، وشها باهت، والكبرياء اللي كانت معيشة بيه الكل اتهد على دماغها. ابنها عاصم قعد في أوضته أيام مبيطلعش منها، لا بيكلم حد ولا بفتح تليفونه، بعد ما اتقدم لأكتر من مستشفى واترفض بسبب السمعة اللي عملها لنفسه في لحظة طيش وغرور.
في الوقت ده، كنت قاعدة في الصالة الكبيرة مع عمي.. الإنسان الوحيد اللي آمن بيّ من أول يوم، واللي شال أمانة أخوه بصدق وأمانة لحد آخر لحظة.
ابتسم لي بحنان، ومد إيده وطلع ظرف قديم أصفر اللون، وقال:
— “تعرفي يا حورية.. أبوكي الله يرحمه وهو بيموت، ما سابش ليكي بس وصية تتجوزي عاصم.. هو سابلي ده.”
بصيت للظرف باستغراب:
— “إيه ده يا عمي؟”
فتح الظرف بهدوء وطلع منه ورق ملكية أرض واسعة وأسهم في شركات طبية كبيرة، باسمي لوحدي!
— “أبوكي كان حاسس إن مراتي ممكن تظلمك بعد مותו، وإن عاصم ممكن يتغير.. عشان كده كتب نص ثروته وأرضه ليكي، وكتب في الوصية: (لو عاصم طلع راجل وصان الأمانة، يبقى المال والرزق كله ليه ولحورية.. ولو عاصم خان الأمانة واتكبر، فالحلال كله يروح لحورية، وهي حرة فيه تعمل بيه اللي تعوزه).”
دموعي نزلت، بس المرة دي دموع فرح وامتنان لأبويا اللي كان حاسس بيا وهو في سكرات الموت، ولعمي اللي مصانش الوصية بس، ده حمانی وعلمني وبنالي حياتي.
— “وأنت ناوي تعمل إيه يا عمي بالوصية دي؟” سألته بصوت مرتبك.
ضحك عمي وقال:
— “الوصية اتنفذت خلاص يا بنتي. عاصم أثبت أنه ما يستاهلش الأمانة، بس أنا هسيب له جزء يعيش منه مستور، والباقي كله.. اسمك اتكتب عليه رسمي من امبارح. والأرض اللي كنتِ بتحلمي تعملي عليها مستشفى خيرية لأهل البلد الغلابة.. بقت بتاعتك، ابنيها زي ما تحبي.”
عدت الشهور، وبقى اسم الدكتورة حورية يملى البلد كلها. المستشفى الخيرية اللي بنيتها على أرض أبويا بقت شغال، وبعالج فيها كل فقير ومحتاج، من غير ما أستنى جزاء من حد.
وعاصم؟.. اضطر يسافر برة تاني، بس مش في بعثة فخمة ولا راكب عربية فارهة.. سافر يشتغل طبيب مقيم في مستشفى صغيرة على قد حاله، بعد ما فهم أخيراً إن الغرور ما بيبنيش بني آدم، وإن النجاح الحقيقي بيجي من التعب، والتربية الطيبة، واحترام الناس.
أما مرات عمه.. فبقت تقابلني في الصالة وتنزل راسها في الأرض، كأنها بتعتذر لي من غير ما تنطق بحرف.
أنا حورية.. اللي بدأت حكايتي من جنب الجاموسة والفراخ في نظرهم، وبقيت الدكتورة اللي بتمضي على أقدار الناس الطيبة وتداوي قلوبهم المكسورة.. لأن اللي يبدأ بالحق.. عمره ما ينتهي إلا بالنور.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى