عام

حكايات شروق 1

بعد شهر واحد ما خلّفت ابننا، عرفت إن جوزي اشترى سرّاً قصر فخم لمساعدته الشخصية وبنتها اللي عندها ست سنين. ما صرختش، ولا عيطت، ولا قعدت أستناه لحد ما يرجع البيت. نزلت على طول ودخلت المقر الرئيسي لشركته في وسط البلد ومعايا باقة ضخمة من الورد الأحمر، وقلت بصوت واضح: “مبروك.. جوزي لسه شاري لواحدة ست تانية قصر.”
اسمي فريدة الشاذلي، وجوزي آسر، كان واحد من أقوى وأغنى المليارديرات في مصر.
بالنسبة للكل، كان شخصية هابة، مسيطرة، ومحدش يقدر يقف قدامه. أما بالنسبة لشهد، مساعدته اللي عندها واحد وتلاتين سنة، فكان كريم معاها لدرجة إنه اشتراها فيلا بحالها.
في الصباح ده، كنت برضع ابننا اللي لسه مكملش شهر، وفجأة صاحبتي المقربة مريم بعتت لي صور على الموبايل.
الصورة الأولى كانت لفيلا فخمة جوة واحد من أرقى الكومبوندات في الشيخ زايد.
والصورة الثانية كانت عقد الشراء.
أما الصورة الثالثة، فخلتني أحس بغثيان فظيع.
المشتري: آسر الشاذلي.
مالكة العقار: شهد عبد الرحمن.
فضلت باصة في الشاشة وابني نايم على صدري.
آسر ما أجرش الفيلا.. ولا أداها فلوس سلف.. ده اشتراها كاش وسجلها باسم شهد.
بعت له رسالة في ساعتها:
“مبروك.. من إمتى بقيت تشتري قصور لستات تانية؟”
بعد تلات دقايق، جالي صوتيه منه:
“يا فريدة ما تبدئش مشاكل.. شهد شغالتي معايا من سنين، وبتربي بنتها لوحدها، وشقتهم القديمة ما كانتش نافعة، أنا ساعدتهم.. ده كل ما في الأمر.”
وبعدها جلت الجملة اللي خلتني أضحك بجد:
“دي مجرد فيلا، وأنا أقدر ثمنها.”
مجرد فيلا!
قصر فخم مسجل باسم واحدة تانية.
أديته عشرة دقايق عشان يفسر لي.
قرأ الرسالة.. بس ما ردش خالص.
علشان كده طلبت الورد.
بعد أربعين دقيقة، كنت واقفة قدام ريسبشن شركات الشاذلي ومعايا باقة ورد ضخمة وكارت تهنئة شيك.
موظفة الاستقبال بصت لي بتوتر وقالت:
“مدام فريدة.. أقدر أساعدك بحاجة؟”
رديت بكل ثقة: “طبعاً.”
وحطيت الورد على الكاونتر وقلت لها:
“من فضلك وصلي ده لشهد عبد الرحمن.”
رمشت بعينها وقالت باستغراب: “فيه مناسبة خاصة؟”
ابتسمت بهدوء: “أوه.. مناسبة خاصة جداً.”
كل الموظفين اللي كانوا قاعدين حوالينا لفوا وبصوا لي.
وعليت صوتي شوية عشان الكل يسمع:
“البوس بتاعكم لسه شاري لمساعدته الشخصية قصر فخم.. شهد وبنتها بقا عندهم بيت جديد جميل، وبصفتي مراته، حسيت إنها عيب في حقنا لو ما باركتش لها.”
الريسبشن كله سكت تماماً ومبقاش فيه أي صوت.
زقيت الكارت على الكاونتر، وكان مكتوب جواها:
“مبروك يا شهد على قصرك الجديد.. هدية عظيمة قوي من جوزي. أتمنى إنتي وبنتك تتهنوا بكل لحظة فيه.”
الهمسات بدأت تنتشر في المكان كله.
وما هي إلا دقايق، وباب الأسانسير اتفتح.
طلع آسر ووشه مكشر وماسك نفسه، وبدلة سوداء أنيقة.
وشهد كانت ماشية وراه بخطوات مترددة.
جه نحيتي وقال بعصبية: “فريدة.. إنتي بتعملي إيه هنا؟”
بصيت له بكل برود وقلت: “تفتكر باعمل إيه؟”
جه يتكلم: “بخصوص البيت اللي—”
قاطعته في نص كلامه:
“اطلع على البيت يا آسر.”
ملامحه اتغيرت وصدمته ظهرت على وشه.
وكملت كلامي بثبات:
“جدك وأبوك عرفوا باللي حصل.. ومستنيين إحنا الاتنين في بيت العائلة في الزمالك.”
ولأول مرة أشوفه واقف مكانه ومش عارف يتحرك.
آسر اللي كان بيخوف رؤساء مجالس الإدارة والمستثمرين وكل الناس اللي شغالة تحته..
كان عارف كويس قوي معنى إن أبوه وكبير العائلة يطلبوا اجتماع عائلي طارئ.
بعدها بصيت لشهد اللي ابتسامتها البريئة اختفت تماماً.
ابتسمت لها أنا وقلت:
“آه.. وما تنسيش تجيبي بنتك معاكي.”
شهد اتسمرت مكانها.
وآسر فضل باصص لي وعينه طالعة منها شرار.
ومحدش في الصالة كلها تجرأ ينطق بكلمة واحدة.
استدرت ومشيت للباب من غير ما أستنى أي مبرر تاني.
وسبب ورايا باقة الورد الضخمة اللي بتحتفل بالقصر اللي جوزي الملياردير اشتراه سراً لواحدة تانية.
ولأول مرة، فهم آسر كويس قوي إن الموضوع ده مابقاش مجرد خناقة شخصية يقدر يلمها بكلمتين زي “دي مجرد فيلا”.
لأن كل موظفينه عرفوا..
وعيلته كلها عرفت..
وفي خلال ساعات قليلة، إحنا التلاتة هنكون قاعدين في أوضة واحدة عشان نشرح للكل إيه اللي خلّي جوزي يشتري قصر لمساعدته بينما مراته قاعدة في البيت بتربي ابنه الرضيع.

طوال طريق السفر من وسط البلد إلى بيت العائلة العريق في الزمالك، كان الصمت في السيارة قاطعاً كحد السيف. آسر كان قاعد في مقعد القيادة، أعصابه مشدودة لدرجة أن عروق رقبته كانت باردة وبارزة، وموبايله ما بطلش اهتزاز من اتصالات المحامين ورؤساء الأقسام في الشركة اللي الخبر انتشر فيها كالنار في الهشيم.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى