
“حماتي عدّت مرتبي الأول قدام جوزي، وحطت الفلوس كلها في شنطتها وسابت لي كام جنيه وقالت لي: دول عشان مصاريفك الخاصة! ما جادلتش معاها، أخدت الفلوس وسكتت، بس تاني يوم لما صرخت في وشي وعايزة تعرف منين جبت المعطف الجديد، ما كانتش تعرف مين اللي سلمني الظرف ده في السر!
تاني يوم الصبح صحيت بدري، زي كل يوم، مع إن عيني كانت وارمة من العياط طول الليل. قعدت على طرف السرير وبصيت لنفسي في المراية الصغيرة اللي على التسريحة، وحاولت أبتسم، بس الابتسامة طلعت مكسورة. أنا نورهان، عندي خمسة وعشرين سنة، ومتجوزة أحمد بقالنا شهر واحد بس.
شهر واحد كان كفاية إنه يعلمني إن فيه فرق كبير بين إنك تدخلي بيت على أمل إنه يبقى بيتك، وبين إنك تدخليه تكتشفي إنك مجرد واحدة جاية تخدم الكل وتسكت. بصيت للظرف الأبيض اللي عم حسين اداهولي امبارح، واللي كنت مخبياه جوه شنطتي تحت هدومي.
طول الليل وأنا بفكر أفتحه ولا لأ، بس عم حسين كان قال لي بوضوح وهو بيديهولي: “خليه معاكي يا بنتي، ومحدش يعرف عنه حاجة. اعتبريه أمانة عندك، ولما تحتاجي حاجة لنفسك، متحسيش إنك بتعملي جريمة.” الكلام ده كان غريب عليا.
أنا متعودة إني لما أحتاج حاجة أستأذن، ولما أشتري حاجة أحسب حساب زعل اللي قدامي قبل ما أحسب حساب فرحتي. حتى المعطف اللي كنت بحلم أجيبه من أول ما الجو بدأ يبرد، كنت كل ما أشوفه في المحلات أقول لنفسي إن تمنه ممكن يتصرف في حاجة أهم.
لكن المرة دي قررت أسمع كلام عم حسين. فتحت الظرف بهدوء، ولقيت جواه مبلغ كبير بالنسبة ليا، ومعاه ورقة صغيرة مكتوب فيها بخط إيده: “يا نورهان، الفلوس اللي بتتعبي فيها من حقك، واللي حد بيديهالك من قلبه مش من حق حد ثاني ياخده منك.
اشتري اللي نفسك فيه، وخلي بالك من نفسك. مش كل سكوت معناه إن الإنسان ضعيف، ساعات بيكون مستني الوقت المناسب عشان يعرف الحقيقة.” قريت الورقة مرتين، وحسيت إن فيه حد أخيرًا شايفني. مش بس شايفني، ده كمان حاسس بيا.
حطيت الفلوس في شنطتي، وغسلت وشي، ولبست هدومي، ونزلت أعمل الفطار. فوزية كانت قاعدة في الصالة بتشرب الشاي، ولما شافتني قالت من غير ما تبصلي: “الفطار لسه مخلصش؟ الساعة قربت على تسعة!” قلت بهدوء: “حاضر يا طنط، خمس دقايق ويكون جاهز.”
ردت بسخرية: “خمس دقايق! أمال لما كنتِ قاعدة في بيت أبوكي كنتِ بتعملي إيه؟ واضح إنكم ما علموكيش يعني إيه بيت وجواز.” بلعت الكلام اللي كان على لساني، ودخلت المطبخ. بعد الفطار، أحمد قال لي إنه نازل يدور على شغل، وفوزية طلبت منه يجيب لها شوية حاجات من الصيدلية، وبعد ما خرجوا، لبست إسدالي ونزلت.
كنت حاسة إني بعمل حاجة كبيرة، مع إن كل اللي كنت رايحة أعمله إني أشتري معطف لنفسي. وصلت للمحل اللي كنت واقفة قدامه من أسبوع، ودخلت وأنا قلبي بيدق بسرعة. البنت اللي في المحل ابتسمت وقالت: “أهلًا يا فندم، أقدر أساعد حضرتك إزاي؟”
شاورِت على المعطف اللي كان معروض في الواجهة. “ممكن أشوف ده؟” طلعتهولي، وكان لونه جملي، طويل وشيك، ومبطن من جوه. أول ما لبسته، حسيت إني بقيت شخص تاني. مش عشان المعطف غالي أو شكله حلو، لكن عشان دي أول مرة من وقت جوازي أعمل حاجة عشان نفسي من غير ما أحس إني مذنبة.
وقفت قدام المراية، وعدلت الياقة، وابتسمت. البنت قالت: “بصراحة لايق عليكي جدًا.” ضحكت وقلت: “هو ده اللي كنت بدور عليه.” اشتريته، وجبت كمان جزمة بسيطة كنت محتاجها للشغل، ودفعت الحساب من الفلوس اللي عم حسين اداهالي.
وأنا خارجة من المحل، حسيت إن الدنيا لسه فيها حاجات حلوة، وإن مش لازم أعيش طول عمري مستنية حد يسمح لي أفرح. رجعت البيت قبل الظهر، وكنت لسه بفتح الباب لما سمعت صوت فوزية جاي من الصالة: “إيه ده؟!”
رفعت عيني لقيتها واقفة قدامي، وعينيها بتلف من فوق لتحت على المعطف الجديد. “إنتِ جبتي المعطف ده منين؟” قلت بهدوء: “اشتريته يا طنط.” قربت مني وهي بتبص للشنطة اللي في إيدي. “اشتريتيه بإيه؟ وإنتِ مش قولتي إن مرتبك كله أخدته منك امبارح؟” ما رديتش فورًا، فرفعت صوتها: “أنا بكلمك! الفلوس دي جبتيها منين؟” قلت: “فلوس تخصني.” اتغير وشها فجأة.
“فلوس تخصك؟! إنتِ لسه داخلة البيت من شهر، وبتقولي فلوس تخصك؟ هو فيه حاجة اسمها فلوس تخصك وإنتِ متجوزة ابني؟” حطيت الشنطة على الكرسي وقلت: “أيوه يا طنط، فيه. دي فلوس أنا تعبت فيها، والفلوس اللي اشتريت بيها المعطف مش من المرتب اللي حضرتك أخدتيه.”
فوزية قربت مني أكتر، ومدت إيدها ناحية شنطتي. “افتحي الشنطة دي!” رجعت خطوة لورا. “ليه؟” صرخت: “عشان أشوف إنتِ مخبية إيه! هو أنا هعيش في بيتي مع واحدة بتخبي عني الفلوس؟” قلت لأول مرة بنبرة ثابتة: “دي شنطتي يا طنط، ومش من حق حد يفتش فيها.”
اتجمدت مكانها للحظة، كأنها مش مصدقة إني رديت عليها. وبعدين قالت بصوت عالي: “يا أحمد! يا أحمد! تعالى شوف مراتك بتكلمني إزاي!” أحمد كان لسه راجع من بره، دخل الصالة وهو بيفك ساعة إيده. “فيه إيه يا أمي؟”
فوزية أشارت عليا بغضب. “مراتك اشترت معطف جديد وجزمة، ومش عايزة تقول جابت الفلوس منين! وأنا مش عارفة هي مخبية إيه كمان!” أحمد بصلي، وبعدين بص للمعطف. “نورهان، إنتِ جبتي الحاجات دي منين؟” قلت: “من فلوس عم حسين اداهالي.”
أول ما قلت اسم أبوه، سكت أحمد، وفوزية اتلون وشها، لكنها حاولت تداري ده بسرعة. “عم حسين؟! وإمتى إن شاء الله بقى بيدي فلوس لمرات ابنه من ورا أمه؟” رديت: “لما عرف إني مش معايا فلوس حتى أجيب حاجة ألبسها للشغل.”
أحمد اتنحنح وقال: “طب ما كان ممكن تستنيني ونتكلم بدل ما تاخدي فلوس من أبويا.” بصيت له وقلت: “أتكلم معاك في إيه يا أحمد؟ لما قلت لك إن أمك أخدت فلوسي امبارح، قلت لي ما تعمليش مشاكل. ولما طلبت منك تسيب لي مصاريف المواصلات، قلت لي اسمعي كلام أمي. كنت مستنية إيه منك؟”
أحمد سكت، وفوزية دخلت في الكلام بسرعة: “أنا أخدت الفلوس عشان البيت! هو فيه واحدة متجوزة بتخبي فلوسها عن جوزها وأهل بيته؟” قلت: “أنا ما خبيتوش عن جوزي، أنا كنت لسه هشرح لك إن جزء من الفلوس كان من أمي، وإنتِ خطفتي المحفظة من إيدي.”
ردت بعصبية: “خطفتي إيه؟! إنتِ بتتهميني؟!” وقبل ما أكمل، ظهر عم حسين عند باب الصالة. كان سامع الكلام كله. قال بصوت هادي، لكنه كان مليان غضب مكبوت: “أيوه يا فوزية، هي بتتهمك، وأنا كمان عندي نفس الاتهام.”
فوزية اتلفتت له بسرعة. “إنت بتقول إيه يا حسين؟” دخل الصالة وقعد على الكرسي، وبص لأحمد. “تعالى يا ابني، اقعد. أنا عايز أفهمك حاجة.” أحمد قرب منه وهو متضايق. “خير يا بابا؟”
عم حسين شاور له يقعد، وبعدين قال: “إنت فاكر إن نورهان لما اشتكت لي امبارح، كانت بتتكلم عن فلوس وبس؟” أحمد ما ردش. عم حسين كمل: “دي كانت بتتكلم عن كرامتها. عن واحدة نزلت اشتغلت وتعبت عشان تساعد جوزها، ولما قبضت أول مرتب ليها، بدل ما جوزها يفرح بيها، أمه خدت الفلوس كلها، وهو قاعد بيتفرج.”
أحمد نزل عينه للأرض. فوزية قالت بانفعال: “إنت كبرت الموضوع ليه؟ أنا أمك، وبحافظ على فلوس البيت!” عم حسين بص لها طويلًا. “فلوس البيت؟ طيب خلينا نتكلم عن فلوس البيت بجد.”
قام ودخل أوضته، وبعد دقيقة رجع ومعاه دفتر قديم، وملف بني، وحطهُم على الترابيزة. فوزية أول ما شافتهم، قامت من مكانها بسرعة. “إنت جبت الحاجات دي منين؟” بصلها عم حسين باستغراب: “من دولابي. دول حاجاتي يا فوزية.”
فتح الدفتر، وقلب صفحاته، وبعدين بص لأحمد: “من أول ما اتجوزت أمك، وأنا بشتغل وأصرف على البيت. ولما كبرتوا، بدأت أدي لكل واحد فيكم مسؤولياته. لكن من حوالي سنة، بقيت ألاحظ إن فلوس البيت بتخلص أسرع من الطبيعي، وإن فيه مصاريف بتتسجل أكتر من مرة.”
فوزية حاولت تقاطعه: “إنت هتفتح حساب قديم دلوقتي؟” رد عليها: “أيوه، هفتحه. لأن الظلم لما بيتكرر، لازم حد يقف عنده.” أحمد بص لأبوه بقلق: “تقصد إيه يا بابا؟”
عم حسين فتح الملف وطلع منه شوية إيصالات، وحطهم قدام ابنه: “أنا مش بتهم حد من غير دليل. لكن دي إيصالات مشتريات، وتحويلات، ومبالغ اتسحبت من الحساب اللي كنت بحط فيه فلوس مصاريف البيت. وفيه حاجات كتير مش فاهم سببها.”
فوزية مدت إيدها تجمع الورق، لكنه سحب الملف ناحيته. “سيبيه يا فوزية.” قالت بصوت مهزوز: “إنت مش واثق فيا؟ بعد العمر ده كله؟” رد عليها: “الثقة مش معناها إني أغمض عيني عن كل حاجة.”
أحمد كان بيتنقل بنظره بين أمه وأبوه، لأول مرة يشوف الخلاف بينهم بالشكل ده. أما أنا، فكنت واقفة على جنب، مش فاهمة كل اللي بيحصل، لكن بدأت أحس إن حكاية الفلوس اللي اتاخدت مني مش هي المشكلة الوحيدة في البيت ده.
عم حسين قفل الملف وقال: “مش هتكلم في تفاصيل أكتر دلوقتي. لكن من النهارده، كل واحد مسؤول عن فلوسه، ومصاريف البيت هتكون واضحة ومعروفة. ومحدش هياخد فلوس من حد من غير إذنه.” فوزية ضحكت ضحكة قصيرة، مليانة عصبية: “يعني إنت هتصدق مرات ابنك وتكذبني أنا؟”
رد عليها: “أنا مش مصدق حد على حساب حد. أنا عايز الحقيقة تظهر.” وبعدين بص لأحمد وقال: “وإنت يا ابني، لازم تعرف إن الجواز مش معناه إن مراتك تيجي تخدمنا كلنا، وتشتغل وتصرف، وفي الآخر ما يبقاش معاها تمن حاجة لنفسها. إنت اتجوزت شريكة حياة، مش حد يشيل عنك مسؤولياتك كلها.”
أحمد وشه احمر، لكنه ما ردش. فوزية سابت الصالة ودخلت أوضتها، وقفلت الباب بعنف. وأنا فضلت واقفة مكاني، مش عارفة أفرح إن حد دافع عني، ولا أخاف من اللي ممكن يحصل بعد كده.
بالليل، وأنا في الأوضة، أحمد دخل وقفل الباب وراه. قعد على طرف السرير، وسكت شوية، وبعدين قال: “إنتِ زعلانة مني أوي؟” بصيت له وقلت: “إنت شايف إيه؟” حرك إيده بتوتر. “أنا عارف إنك غلطت لما سبت أمي تاخد فلوسك، بس إنتِ عارفة إنها عصبية، ولو كنت دخلت معاها في خناقة، الدنيا كانت هتكبر.”
قلت له: “وأنا؟ لما كنت واقفة قدامها وهي بتاخد تعبي، ما فكرتش إن الدنيا كبرت عليا؟ لما بصيت لك وطلبت منك تساعدني، وشوفتك بتكمل أكلك، ما فكرتش أنا حسيت بإيه؟” سكت. كملت وأنا بحاول أسيطر على دموعي: “يا أحمد، أنا مش طالبة منك تعادي أمك، ولا تطردها، ولا تزعّلها. أنا طالبة منك بس تحسسني إني مراتك، وإن ليا حق في البيت اللي أنا عايشة فيه. مش كل ما أطلب حاجة تقولي اسمعي كلام أمي.”
أحمد حط إيده على وشه. “أنا متعود إن أمي هي اللي بتقرر كل حاجة.” قلت بهدوء: “وده مش ذنبي.” رفع عينه ليا، وبدا عليه إنه عايز يقول حاجة، لكنه سكت. بعد لحظات قال: “طب والفلوس اللي أبويا اداها لك؟ فاضل منها حاجة؟”
السؤال وجعني أكتر من كل اللي قاله. كنت فاكرة إنه داخل يعتذر، لكنه أول حاجة فكر فيها كانت الفلوس. قلت: “أيوه، فاضل منها.” قال بسرعة: “طيب، ممكن تديني جزء منها؟ أنا محتاج أخلص كام حاجة.” بصيت له بعدم تصديق: “إنت محتاج فلوس ليه؟”
اتضايق من السؤال: “يعني لازم أشرح لك كل حاجة؟ أنا جوزك يا نورهان.” قلت: “وأنا مراتك، مش ماكينة فلوس. لما أحتاج فلوس من حقي، مش بلاقيها. ولما يبقى معايا مبلغ بسيط، تفتكر إني لازم أديهولك من غير ما أعرف ليه؟”
قام من مكانه بعصبية: “إنتِ اتغيرتي في يوم وليلة!” رديت وأنا ببص له في عينه: “لأ يا أحمد، أنا ما اتغيرتش. أنا بس بطلت أقول حاضر على كل حاجة.” خرج من أوضته وسابني لوحدي. نمت الليلة دي وأنا بفكر في كلامه، وفي كلام عم حسين، وفي حياتي اللي كنت متخيلة إنها هتبقى مختلفة تمامًا. لكن اللي ما كنتش أعرفه إن اليوم اللي بعده هيكشف لي حقيقة أكبر بكتير من موضوع مرتبي.
الصبح، كنت بجهز نفسي للشغل، ولبست المعطف الجديد، ووقفت قدام المراية أظبطه. دخلت فوزية من غير ما تخبط، وأول ما شافتني، وقفت مكانها: “إنتِ لسه لابسة المعطف ده؟” قلت: “أيوه يا طنط، الجو برد.”
قربت مني وقالت بحدة: “أنا سألتك جبتيه منين، ولسه ما جاوبتنيش إجابة تعجبني.” قلت: “جاوبتك امبارح. عم حسين اداني فلوس، وأنا اشتريت بيها حاجاتي.” قالت: “وهو بيديكي فلوس من ورايا؟!” قلت: “هو مش محتاج إذن من حد عشان يساعدني، زي ما أنا مش محتاجة إذن من حد عشان أصرف فلوسي.”
رفع إيدها وأشارت ناحيتي: “إنتِ شكلك نسيتي نفسك. واضح إن المعطف ده نفخك علينا.” خدت شنطتي وكنت هخرج، لكنها وقفت قدام الباب: “استني هنا. أنا عايزة أعرف حاجة واحدة. عم حسين اداكي كام؟” قلت: “ده موضوع بيني وبينه.”
صرخت: “موضوع بينك وبينه إزاي؟ ده جوزي، وده ابني، وده بيتي!” رديت: “بس أنا مش ملك حد.” فضلت باصة لي، وكأنها لأول مرة تسمع الجملة دي. وفي اللحظة دي، أحمد خرج من الأوضة، وكان واضح إنه سمع آخر كلام.
قال: “إيه اللي بيحصل من الصبح؟” فوزية ردت بسرعة: “مراتك بتكلمني بقلة أدب، وبتقول إنها مش ملك حد، وبتمنعني أعرف أبوك اداها كام!” أحمد بصلي، وبعدها قال: “نورهان، إنتِ رايحة الشغل، روحي دلوقتي. ولما ترجعي نبقى نتكلم.”
عديت من جنبه وخرجت، من غير ما أرد. طول الطريق للشغل كنت بفكر في اللي بيحصل. كنت خايفة من رجوعي للبيت، لكن في نفس الوقت كان جوايا إحساس جديد، إحساس إني مش مضطرة أتحمل كل حاجة لمجرد إني عايزة الجواز ينجح.
وصلت المركز الثقافي، وبدأت يومي كالمعتاد. كنت مسؤولة عن تنظيم الأنشطة للأطفال، وتجهيز الفعاليات، ومساعدة المشرفين في البرامج التعليمية. في نص اليوم، مديرة المركز، الأستاذة منى، طلبتني في مكتبها. دخلت وأنا قلبي مقبوض.
قالت بابتسامة: “اقعدي يا نورهان. أنا كنت عايزة أتكلم معاكي بخصوص شغلك.” قعدت وقلت: “خير يا فندم؟” قالت: “إنتِ شاطرة، وملتزمة، والأطفال بيحبوكي. وفيه فرصة إنك تتنقلي لمسؤولية أكبر في المركز، بس محتاجة تدريب إضافي لمدة شهر.”
فرحت جدًا، وحسيت إن أخيرًا فيه حاجة حلوة بتحصل لي. قلت: “بجد يا فندم؟ أنا مستعدة أتعلم أي حاجة.” ابتسمت وقالت: “كنت متوقعة ردك ده. هتستلمي التفاصيل بكرة.”
خرجت من مكتبها وأنا مش قادرة أخبي فرحتي. لأول مرة من فترة طويلة أحس إن تعبي ممكن يجيب نتيجة، وإن فيه مستقبل أقدر أبنيه بنفسي. وفي طريق رجوعي، اشتريت شوية حلويات صغيرة لعم حسين، وقلت في نفسي إنه يستاهل كلمة شكر على الأقل.
لكن لما وصلت البيت، لقيت الجو مختلف. أحمد كان قاعد في الصالة، وأمه جنبه، والاتنين ساكتين بطريقة مقلقة. حطيت الحلويات على الترابيزة وقلت: “مساء الخير.” فوزية ما ردت. أحمد قال: “تعالي يا نورهان، اقعدي. فيه موضوع لازم نتكلم فيه.”
قعدت وأنا مستعدة لأي كلام جديد عن الفلوس. لكنه فاجأني لما قال: “أمي بتقول إنك بتخبي فلوس عننا، وإنك ناوية تسيبي البيت أول ما تلاقي فرصة أحسن.” بصيت له باستغراب: “مين قال إني ناوية أسيب البيت؟”
فوزية ردت: “أهو إنتِ بنفسك بتقولي إنك مش ملك حد، وإن فلوسك تخصك، وإنك مش هتسمعي كلام حد. يعني إيه الكلام ده غير إنك مش ناوية تكملي معانا؟” قلت: “أنا عمري ما قلت إني هسيب البيت. أنا قلت إن ليا حق في فلوسي وكرامتي.”
أحمد قال: “طيب، خلينا نتفق من دلوقتي. أي مرتب تقبضيه بعد كده، جزء منه للبيت، وجزء منه لينا، والباقي تحتفظي بيه.” سألته: “وجزء البيت ده هيتحدد إزاي؟” قال: “أمي هتحدد المصاريف، وإحنا هنشوف.”
هزيت رأسي: “لأ يا أحمد، لو هشارك في مصاريف البيت، لازم أعرف المصاريف دي إيه، ونتفق عليها سوا. إنما مش هسلم مرتبي كله لحد تاني.” فوزية قامت واقفة: “يعني إنتِ بتتهميني إني باخد فلوسك لنفسي؟” قلت: “أنا بتكلم عن حقي، مش بتهم حد.”
صرخت: “أمال كل الكلام ده معناه إيه؟!” في اللحظة دي، عم حسين دخل الصالة، وكان راجع من بره، وسمع آخر جملة. قال: “معناه إن البنت بتتكلم بعقل، وإنتوا مش عايزين تسمعوها.” فوزية التفتت له: “إنت تاني يا حسين؟ هو مفيش غير نورهان في البيت ده؟”
رد بهدوء: “فيه كلنا، وعشان كده لازم كل واحد يعرف حدوده.” وبعدين بص لأحمد: “إنت اشتغلت فين الشهر ده يا ابني؟” أحمد اتلخبط: “كنت بدور على شغل يا بابا.” “ولقيت؟” “لسه.”
عم حسين هز رأسه بأسى: “طيب، بقالك قد إيه من غير شغل ثابت؟” أحمد ما ردش. فوزية دخلت بسرعة: “هو إنت هتحاسبه هو كمان؟ ده ابني، وأنا عارفة ظروفه!”
قال عم حسين: “وأنا أبوه، ومن حقي أسأله عن مستقبله. مش معقول مراتك تشتغل وتتحمل مسؤوليات البيت، وإنت كل شوية تسيب شغلانة عشان المدير مش عاجبك أو المرتب مش عاجبك.” أحمد اتضايق: “يعني إنتوا شايفيني فاشل؟”
عم حسين رد: “أنا شايف إنك محتاج تتحمل مسؤولية نفسك. وده مش عيب. العيب إنك تفضل مستني غيرك يشيل عنك كل حاجة.” سادت حالة من الصمت. وبعدين عم حسين قال: “وعشان الكلام ما يبقاش مجرد كلام، أنا قررت إن مصاريف البيت من الشهر الجاي هتتسجل، وكل واحد يساهم حسب قدرته. نورهان مش مطالبة تصرف على الكل، وأحمد لازم يبدأ يتحمل مسؤوليته.”
فوزية بصت له بغضب شديد: “يعني إنت هتسيب مرات ابنك تتحكم في البيت؟” رد عليها: “لأ، أنا همنع إن حد يتحكم في غيره.” وبعدين قام ودخل أوضته.
في الليلة دي، فوزية ما كلمتنيش، وأحمد فضل قاعد على الموبايل لحد وقت متأخر. وأنا كنت بحاول أفرح بفرصة الشغل الجديدة، لكن قلبي كان مشغول باللي بيحصل في البيت. بعد يومين، بدأت أحضر للتدريب الجديد في المركز. ومع كل يوم كان بيعدي، كنت باكتشف حاجات عن نفسي نسيتها. كنت بحب القراءة، وبحب تنظيم الأنشطة، وبحب أتعلم. كنت زمان بحلم أكمل دراستي وأشتغل في مجال التربية، لكن بعد الجواز بقيت حاسة إن أحلامي رفاهية مش من حقي.
لحد ما في يوم، رجعت البيت ولقيت عم حسين مستنيني في الصالة. قال: “تعالي يا نورهان، عايزك في موضوع.” قعدت قدامه. طلع من جيبه ورقة مطوية، وحطها قدامي: “دي ورقة من البنك، وأنا عايزك تقريها.”
بصيت للورقة، وكانت كشف حساب مختصر لمصاريف البيت خلال الشهور اللي فاتت. قلت باستغراب: “هو حضرتك عايزني أعمل إيه؟” قال: “عايزك تبصي على التواريخ والمبالغ، وتقولي لي لو فيه حاجة مش مفهومة.”
كنت مترددة، لكن بدأت أبص في الورقة. لقيت مبالغ بتتسحب في أيام متقاربة، وتحويلات بمبالغ مختلفة، ومشتريات مكتوب قدامها أوصاف عامة. قلت: “يا عمي، أنا مش فاهمة كل التفاصيل، لكن فيه مبالغ متكررة في نفس الأسبوع، وفيه تحويلات مش واضح سببها.”
عم حسين هز رأسه: “وده اللي مقلقني. أنا مش عايز أظلم حد، لكن مش هقدر أتجاهل الموضوع.” سألته: “حضرتك شاكك في طنط فوزية؟” سكت شوية، وبعدين قال: “أنا عايز أفهم بس. ولو فيه غلط، لازم يتصلح.”
رجعت له الورقة وقلت: “أنا شايفة إن الأفضل حضرتك تراجع البنك بنفسك، وتطلب تفاصيل التحويلات. أنا ما ينفعش أتهم حد من غير ما أعرف الحقيقة.” ابتسم للمرة الأولى من أيام: “عشان كده أنا بثق فيكي يا بنتي. إنتِ مش بتجري ورا كلام الناس، وبتفكري قبل ما تحكمي.”
الكلام ده فرحني، لكن في نفس الوقت خلاني قلقة. كنت عارفة إن فوزية لو اكتشفت إن عم حسين بيحقق في حسابات البيت، هتعتبرني أنا السبب. وده اللي حصل فعلًا. في المساء، كنت في المطبخ بجهز العشا، لما سمعت فوزية بتتكلم في التليفون بصوت واطي: “أنا مش فاهمة هو قلب عليا ليه فجأة. من ساعة البنت دي ما دخلت البيت وهو بقى يسأل في كل حاجة.” سكتت شوية، وبعدها كملت: “لأ، ما يعرفش كل حاجة. بس لو فتح الموضوع ده، هتبقى مشكلة كبيرة.”
وقفت مكاني، وإيدي على طبق الأكل. ما كنتش عايزة أسمع كلام مش موجه ليا، لكن جملة “ما يعرفش كل حاجة” فضلت ترن في ودني. رجعت أوضتي، وحاولت أقنع نفسي إني فهمت غلط، لكن القلق فضل جوايا.
بعد يومين، عم حسين طلب من أحمد وفوزية يقعدوا معاه بعد العشا. كنت قاعدة معاهم، ولما شفت الملف البني على الترابيزة، عرفت إن الموضوع اللي بدأه مش هيتأجل أكتر من كده. عم حسين قال: “أنا رحت البنك، وطلبت كشف حساب تفصيلي للفترة اللي كنت بسأل عنها.”
فوزية شبكت إيديها وقالت: “وإيه الجديد؟” فتح الملف وطلع ورقتين: “فيه تحويلات اتعملت من الحساب، وأنا مش فاكر إني وافقت عليها. وفيه مبالغ اتسحبت من غير ما تكون مسجلة في مصاريف البيت.”
أحمد قرب من الورق: “التحويلات دي راحت لمين؟ لشخص من عيلتنا؟ قول اسمه!” عم حسين رد: “أنا مش هقول اسم حد غير لما أتأكد من كل حاجة.” فوزية قامت: “كفاية بقى! إنت بتعاملنا كأننا حرامية!”
رد عليها: “أنا بتعامل مع أرقام لازم أفهمها. لو فيه تفسير، قوليه.” قالت بغضب: “أنا مش مطالبة أشرح لك كل جنيه بتصرفه!” عم حسين سكت لحظات، وبعدين قال: “لما الفلوس تكون من تعبي، ومن حقي أعرف راحت فين.”
أحمد كان باصص لأمه، وفي عينه سؤال واضح: “ماما، إنتِ تعرفي حاجة عن التحويلات دي؟” فوزية بصت له بصدمة: “إنت كمان بتشك فيا؟” قال بسرعة: “أنا بس بسأل.”
ردت بعصبية: “لأ، إنت مش بتسأل، إنت بتتهمني زي أبوك!” وبعدين خرجت من الصالة، وسابتنا كلنا في صمت ثقيل. عم حسين قفل الملف وقال: “أنا مش هتكلم تاني غير لما أعرف الحقيقة كاملة.”
لكن الحقيقة ما استنتش كتير. بعد أسبوع تقريبًا، كنت راجعة من التدريب، ولقيت أحمد واقف في الشارع قدام البيت، وشه شاحب، والموبايل في إيده. أول ما شافني قال: “نورهان، إنتِ كنتِ تعرفي إن أمي بتحول فلوس لحد من بره البيت؟”
وقفت مكاني: “لأ، معرفش.” قال وهو بيحاول يستوعب اللي حصل: “البنك أكد لأبويا إن فيه تحويلات منتظمة من حسابه. ولما راجعوا البيانات، اكتشفوا إن الفلوس كانت بتروح لحساب باسم خالي.” سألته: “خالك؟ أخو طنط فوزية؟”
هز رأسه: “أيوه. وأبويا اتصل بيه، وقال له إنه كان بياخد الفلوس على أساس إنها مساعدة من ماما، وإنه ما كانش يعرف إنها من حساب أبويا.” حسيت إن الصورة بتبدأ تتضح، لكن ما كنتش عارفة إذا كان ده كل شيء.
أحمد كمل: “أبويا طلب من خالي يرجع الفلوس اللي لسه معاه، وطلب منه يوضح كل التحويلات. خالي قال إنه كان فاكر إن أمي بتساعده من فلوسها، وإنها كانت بتقوله ما يقولش لحد عشان محدش يزعل.” سكت أحمد، وبعدين قال بصوت مكسور: “أنا مش عارف أعمل إيه يا نورهان.”
بصيت له وقلت: “ابدأ بأنك تسمع الحقيقة من غير ما تدافع عن حد لمجرد إنه قريبك.” نزل عينه للأرض: “أنا كنت غلطان معاكي.” ما رديتش. كمل: “لما أمي أخدت مرتبك، أنا كنت عارف إن ده غلط، بس خوفت أزعلها. ولما أبويا اداكي الفلوس، حسيت بالغيرة بدل ما أفرح إن حد وقف جنبك. كنت بفكر في نفسي وبس.”
كانت دي أول مرة أسمعه يعترف بغلطه من غير ما يبرر. لكن الاعتراف لوحده ما كانش كفاية يمسح كل اللي حصل. قلت له: “يا أحمد، أنا مش عايزة اعتذار عشان الدنيا ترجع زي ما كانت. أنا عايزة أشوف إنك فهمت إيه اللي غلط، وإنك مش هتكرر نفس التصرف.”
هز رأسه وقال: “أنا فاهم.” لكن قبل ما أقدر أرد، باب البيت اتفتح، وخرجت فوزية وهي شايلة شنطتها. كانت عينيها حمرا، ووشها متوتر. بصت لأحمد وقالت: “إنت واقف هنا بتحكي لمراتك أسرار البيت؟”
أحمد قال: “دي مش أسرار يا ماما، دي فلوس أبويا، ومن حقه يعرف راحت فين.” صرخت: “إنت هتختارها عليا؟” رد أحمد لأول مرة من غير تردد: “الموضوع مش اختيار بينك وبين نورهان. الموضوع إن كل واحد لازم يتحمل نتيجة تصرفاته.”
فوزية بصت له كأنها مش عارفة ابنها ده مين. وبعدين التفتت لي: “إنتِ السبب في كل ده. من يوم ما دخلتي البيت، وإنتِ بتفرقي بيني وبين ابني وجوزي.” كنت أقدر أرد عليها، وأقول لها إن اللي حصل بدأ يوم ما مدت إيدها على مرتبي، لكني اكتفيت إني أبص لها بهدوء.
قلت: “أنا ما طلبتش من حد يفرق بينه وبين حد. أنا طلبت بس إن محدش ياخد حقي.” فوزية فتحت بقها عشان ترد، لكن عم حسين ظهر عند الباب، وكان سامع آخر الكلام. قال لها: “كفاية يا فوزية. اللي حصل لازم نقف عنده، مش نفضل ندور على حد نلومه.”
بصت له بمرارة: “يعني إنت خلاص صدقتها؟” رد: “أنا صدقت الأرقام اللي شفتها، وسمعت الكلام اللي اتقال. ولسه مستني أسمع منك تفسير واضح.” فوزية سكتت، وبعد لحظات قالت: “أنا كنت بساعد أخويا. كان عليه ديون، وكان بيهدد إنه يخسر بيته. أنا ما قدرتش أسيبه.”
عم حسين سألها: “وليه ما قولتيليش؟” ردت وهي بتعيط: “كنت عارفة إنك هترفض، وإنك هتقولي إن عنده شغل يشتغل بيه. وأنا ما قدرتش أشوفه بيتبهدل.” عم حسين هز رأسه بحزن: “كنت ممكن نتناقش، ونشوف نقدر نساعده إزاي. لكن إنك تاخدي فلوس من غير إذني، وتخبي عني، دي مشكلة تانية.”
فوزية مسحت دموعها وقالت: “أنا غلطت، بس ما كنتش ناوية أضيع فلوسك.” رد عليها: “يمكن ما كنتيش ناوية تضيعها، لكنك ضيعتي الثقة اللي بينا.” الكلمة دي خلتها تسكت تمامًا. أحمد قرب من أبوه وقال: “يا بابا، نقدر نحل الموضوع. خالي يرجع الفلوس، وماما توعدنا إن ده ما يتكررش.”
عم حسين رد: “الفلوس ممكن ترجع، لكن الثقة محتاجة وقت. وأنا مش هطلب من حد يكره أمه، ولا هطرد حد من بيته. لكن من النهارده، الحسابات هتبقى واضحة، ومفيش حد هيتصرف في فلوس غيره من غير إذنه.” فوزية نزلت عينها، وما اعترضتش المرة دي.
أما أنا، فكنت واقفة في مكاني، حاسة إن البيت كله بيتغير قدامي، وإن اللي حصل مش مجرد خلاف عائلي، لكنه بداية لاختبار حقيقي لكل واحد فينا. في الأيام اللي بعدها، الجو في البيت كان هادي بشكل غريب. فوزية ما بقتش تطلب مني مرتبي، لكنها كمان ما كانتش بتكلمني غير في الضروري. كنت بحب أتعامل معاها باحترام، من غير ما أرجع لنفس الوضع القديم. أما أحمد، فبدأ يدور على شغل بجد. بقى يصحى بدري، وينزل يقدم في أماكن مختلفة، وما بقاش يرجع كل يوم بحجة جديدة.
وفي يوم، رجع البيت ومعاه ورقة تعيين في شركة لتوزيع المستلزمات الطبية. دخل الصالة وهو مبتسم وقال: “يا جماعة، أنا اتقبلت في الشغل!” عم حسين فرح جدًا، وقام يصافحه: “ألف مبروك يا ابني. ربنا يفتحها في وشك.” حتى فوزية ابتسمت، وقالت: “الحمد لله يا حبيبي. كنت عارفة إن ربنا هيكرمك.”
أحمد بص لي، وابتسم ابتسامة صغيرة: “نورهان، أنا عايز أشكرك.” استغربت: “على إيه؟” قال: “عشان ما سبتنيش أهرب من مسؤوليتي. كلامك وجعني، بس كنت محتاج أسمعك.” ما عرفت أقول إيه، فاكتفيت بابتسامة هادية.
بعدها بشهر، قبض أحمد أول مرتب من شغله الجديد. رجع البيت، وقعد مع أبوه وأمه، وبعد العشا ناداني. دخلت الصالة، لقيته حاطط ظرف صغير على الترابيزة. قال: “ده جزء من مرتبي، حطيته على جنب عشان نبدأ نحوش لشقتنا.”
بصيت للظرف، وبعدين بصيت له: “إحنا هنتفق على كل حاجة سوا؟” رد فورًا: “أيوه. هنكتب مصاريفنا، ونحدد اللي نقدر نحوشه، وكل واحد يبقى عارف إحنا بنعمل إيه.” ابتسمت، لكن ما مدتش إيدي للظرف. قلت: “أنا مبسوطة إنك بدأت تتحمل مسؤوليتك، بس خلينا نثبت الكلام ده بالأفعال. أنا مش عايزة أرجع أعيش في خوف من إن مرتبي يختفي أو إن كل حاجة أملكها تبقى محل نقاش.”
هز رأسه: “عندك حق.” وبالفعل، بدأنا نكتب المصاريف، ونقسم المرتبات، وكل واحد يحتفظ بحسابه وفلوسه الشخصية، مع اتفاق واضح على المساهمة في البيت والادخار للمستقبل. كانت خطوة بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت أكبر من أي هدية.
وفي يوم الجمعة، عم حسين طلب مني أقعد معاه في البلكونة. كان الجو هادي، وصوت الشارع بعيد، وهو ماسك كوباية الشاي بتاعته. قال: “فاكرة الظرف اللي اديتهولك أول مرة؟” ابتسمت: “طبعًا يا عمي، عمري ما هنساه.” سألني: “عارفة ليه اديتهولك؟” قلت: “عشان كنت زعلان عليا.”
هز رأسه: “ده جزء من السبب. لكن الحقيقة إني شفت فيكي حاجة كنت خايف تضيع وسط المشاكل اللي في البيت.” بصيت له باهتمام. قال: “شفت بنت بتحاول تعمل كل حاجة صح، وبتخاف تزعل الناس، لدرجة إنها بتنسى نفسها. وكنت خايف إن سكوتك يخلي اللي حواليكي يفتكروا إن من حقهم ياخدوا منك كل حاجة.”
حسيت بعيني بتدمع. كمل: “أنا مش عايزك تبقي قاسية، ولا عايزك تخاصمي حد. أنا بس عايزك تعرفي إن الطيبة مش معناها إنك تتنازلي عن حقك.” قلت له بصوت مبحوح: “حضرتك وقفت جنبي في وقت أنا كنت حاسة فيه إني لوحدي.”
ابتسم وقال: “وإنتِ كمان علمتيني حاجة يا نورهان. علمتيني إن الواحد ساعات بيشوف الغلط قدامه، ويسكت عشان يحافظ على هدوء البيت، وهو مش واخد باله إن السكوت ده بيخلي الغلط يكبر.” سكت شوية، وبعدين أضاف: “أنا آسف لو كنت اتأخرت في إني أشوف اللي بيحصل.”
دموعي نزلت من غير ما أحس: “إنت ما اتأخرتش يا عمي. إنت جيت في الوقت اللي كنت محتاجة فيه حد يقولي إني مش غلطانة عشان بطلب حقي.” ربت على كتفي وقال: “ربنا يسعدك يا بنتي.”
بعد شهور، بدأت الأمور تستقر. أحمد استمر في شغله، وأنا أخدت الترقية في المركز، وبقيت مسؤولة عن تنظيم جزء كبير من الأنشطة. أما فوزية، فكانت علاقتها بيا متوترة في الأول. كانت أحيانًا تتعامل ببرود، وأحيانًا تحاول ترجع تتدخل في تفاصيل حياتنا، لكن أحمد بقى يوقف أي تجاوز بهدوء واحترام. ومع الوقت، بدأت هي كمان تشارك في مصاريف البيت من فلوسها، بعد ما رجعت جزء من المبالغ اللي أخدتها، واتفق عم حسين معاها على طريقة واضحة للتعامل مع الحسابات.
ما اعتذرتليش اعتذارًا صريحًا في البداية، وكنت عارفة إنها لسه شايلة جواها زعل، لكني ما عدتش مستنية منها كلمة عشان أعرف قيمة نفسي. لحد ما في يوم شتوي، كنت راجعة من الشغل، ولابسة المعطف الجملي اللي اشتريته من فلوس عم حسين.
دخلت البيت، ولقيت فوزية قاعدة لوحدها في الصالة، وبتبص من الشباك. قالت من غير ما تبصلي: “المعطف لسه معاكي؟” ابتسمت وقلت: “أيوه يا طنط، بلبسه كتير.” سكتت شوية، وبعدين قالت: “أنا كنت قاسية معاكي.”
وقفت مكاني. ما كنتش متوقعة أسمع الجملة دي منها. كملت وهي بتبص لإيديها: “أنا اتعودت إن كل حاجة في البيت تمشي بالطريقة اللي أنا عايزاها. ولما إنتِ جيتي، حسيت إن فيه حاجة بتتغير، وخفت أفقد سيطرتي على البيت.”
قعدت على الكرسي اللي قدامها، وفضلت ساكتة. قالت: “بس ده ما يديش لي الحق إني أخد فلوسك، ولا أزعلك، ولا أخليكي تحسي إنك أقل من حد.” كانت بتتكلم بصعوبة، وكل كلمة خارجة منها كأنها تقيلة عليها.
قلت بهدوء: “أنا ما كنتش عايزة غير إننا نعيش باحترام يا طنط. أنا عمري ما جيت هنا عشان أخد مكان حد.” هزت رأسها: “أنا عارفة دلوقتي.” وبعد لحظة، قالت: “أنا مش هطلب منك تنسي اللي حصل، بس أتمنى نبدأ من جديد.”
بصيت لها، وكنت عارفة إن المسامحة مش معناها إن كل حاجة ترجع زي الأول، ولا معناها إني أسمح بتكرار نفس الغلط. قلت: “نقدر نبدأ من جديد يا طنط، بس لازم كل واحد يحترم حدود التاني.” مدت إيدها ومسكت إيدي: “موافقة.”
ما كانتش لحظة مثالية، وما اختفتش كل المشاكل في ثانية، لكن كانت بداية حقيقية لتغيير كنت فاكرة إنه مستحيل. بعدها بفترة قصيرة، قدرنا نحوش مبلغ كويس، واستأجرنا شقة صغيرة قريبة من شغلي وشغل أحمد. يوم نقل العفش، عم حسين أصر إنه ييجي معانا، وكان فرحان كأنه بينقل ابنه لبيت جديد بعد سنين طويلة.
أما فوزية، فجهزت لنا أكل كتير، وحطته في علب، وق قالت لي: “خدي بالك من نفسكوا، ولو احتجتوا أي حاجة، اتصلوا بيا.” شكرتها، وحضنتها للمرة الأولى من غير ما أحس إني بجاملها.
لما دخلت شقتنا الجديدة، وقفت في نص الصالة، وبصيت حواليّ. الأثاث كان بسيط، والدهان محتاج شوية شغل، والمطبخ صغير، لكن كل حاجة فيه كانت بتقول إننا بدأنا حياة جديدة على أساس مختلف. أحمد وقف جنبي وقال: “إيه رأيك؟”
ابتسمت وقلت: “حلوة أوي.” ضحك وقال: “حتى وهي لسه ناقصها حاجات؟” قلت: “عشان دي أول مرة أحس إن البيت ده بتاعي فعلًا.” مسك إيدي وقال: “أنا عايزك تفضلي حاسة بكده طول عمرك.”
بصيت له وقلت: “ده محتاج شغل يا أحمد، مش مجرد كلام.” رد بابتسامة هادية: “عارف، وأنا مستعد أشتغل عليه.” ومع الأيام، بدأنا نرتب حياتنا. كنا بنتناقش في المصاريف، ونختلف أحيانًا، لكن بقينا نعرف إن الاختلاف مش معناه إن حد فينا يفرض رأيه على التاني. كنت بحط جزء من مرتبي في حسابي، وجزء في الادخار، وبشتري احتياجاتي من غير خوف أو إحساس بالذنب.
وأحمد بدأ يحوش من مرتبه، وبقى عنده هدف واضح بدل ما يسيب كل شغلانة أول ما يقابله ضغط. أما عم حسين، فكان بيزورنا كل أسبوع، ويقعد يشرب الشاي معانا، ويسألني عن شغلي، وعن التدريب، وعن أحلامي اللي بدأت أرجع أفكر فيها.
وفي يوم، بعد حوالي سنة من أول مرتب ليا، جالي اتصال من مديرة المركز. كانت بتبلغني إن فيه فرصة أشارك في مشروع كبير لتنظيم أنشطة تعليمية للأطفال في أكتر من مركز ثقافي، وإن اسمي اترشح للمشاركة بسبب شغلي في السنة اللي فاتت. قفلت المكالمة وأنا مش مصدقة.
أحمد كان قاعد قدامي، ولما شافني بعيط، قام بسرعة: “فيه إيه يا نورهان؟ حصل حاجة؟” ضحكت وسط دموعي: “لأ، بالعكس. أنا اترشحت لمشروع جديد في الشغل.” فرح جدًا، وحضني وقال: “كنت عارف إنك هتوصلي لحاجة كبيرة.”
في اليوم ده، قررت أجيب تورتة صغيرة، زي ما كنت ناوية أعمل يوم قبضت أول مرتب ليا. لكن المرة دي ما كنتش هجيبها عشان أحتفل بمرتب وبس. كنت هحتفل إني قدرت أحافظ على نفسي، وأتعلم أقول لا، وأفهم إن الجواز مش تنازل من طرف واحد، وإن البيت اللي مفيهوش احترام، مهما كان كبير، عمره ما هيبقى مريح.
دعيت عم حسين وفوزية وأحمد على العشا. ولما التورتة اتحطت على الترابيزة، عم حسين بص لي وقال: “فاكرة أول يوم جيتي فيه بالمعطف ده؟” ضحكت وقلت: “أيوه يا عمي، فوزية كانت هتعمل محضر تحقيق عشانه.”
الكل ضحك، حتى فوزية ابتسمت وهي بتقول: “خلاص بقى، هتفضلي تفكريني بالموضوع ده طول العمر؟” رديت بمودة: “لأ يا طنط، بس المعطف ده ليه حكاية عندي.”
عم حسين قال: “حكاية المعطف مش إنه اتشترى بفلوس، حكاية المعطف إنه كان أول مرة نورهان تفهم إن من حقها تفرح من غير ما تستأذن.” سكتنا كلنا لحظة. وبعدين فوزية بصت لي وقالت: “عندك حق.”
كانت جملة بسيطة، لكنها بالنسبة لي كانت اعترافًا بكل اللي حصل. بعد العشا، وأنا بلم الأطباق، فوزية دخلت المطبخ وقالت: “سيبي الحاجات دي، وأنا هساعدك.” بصيت لها باستغراب. قالت: “إيه؟ مستغربة ليه؟ هو أنا مش بعرف أغسل طبق؟” ضحكت، وبدأنا نلم المطبخ سوا.”
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



