
رفع الملثم سلاحه ببطء وهو يوجهه ناحيتي، بينما كان صوت ضحكته الساخرة يملأ أرجاء الغرفة المهشمة.
صرخت بجنون وأنا أرفع مسدسي وأستعد لإطلاق النار:
— ابعد عنهم يا حيوان! والله ما هسيب فيكم حد عايش!
لكن قبل أن تتحرك أصبعي على الزناد، حدث ما لم يكن في الحسبان.
دخل عماد الشافعي، رئيس الأمن، فجأة من باب الغرفة المكسور، ووجه سلاحه نحوي أنا وليس نحو الملثمين!
وقفت في مكاني مذهولاً، وانخفض صوت أنفاسي وأنا أبصق الكلمات بصدمة بالغة:
— عماد؟! إنت… إنت بتوجه سلاحك نحوي أنا؟!
ابتسم عماد ابتسامة باردة ومريبة، وقال بصوت هادئ مزقني من الداخل:
— آسف يا سيف بيه… الشغل شغل، والناس اللي بره دول بيدفعوا أكتر بكتير من اللي بتقدفعولنا طوال سنين عمري اللي ضيعتها في خدمتك.
التفت برأسي بسرعة إلى الملثمين، ثم إلى عماد، وأدركت حينها الحقيقة المرعبة التي كانت مخفية طوال الأربعة عشر شهراً الماضية: العبوة الناسفة التي وضعت تحت سيارتي وقتلت زوجتي الحبيبة حبيبة… لم تكن مجرد عملية إرهابية عشوائية! بل كانت خيانة من الداخل، دبرها رئيس أمني الأقرب، عماد، لحساب جهة ما أرادت القضاء عليّ وعلى عائلتي بالكامل!
واليوم، عادوا ليكملوا الجريمة ويقتلوا ياسين لكي يرثوا كل شيء، أو ليخفوا أي أثر لتلك المؤامرة الأبدية.
نظر إليّ عماد وقال بسخرية مقيتة:
— للأسف يا سيف، إنت كنت أب غبي، مقضي كل وقتك في الفلوس والشركات، وسايب حياتك مكشوفة قدامي. ويوم الحادثة، كنت أنا الوحيد اللي عارف خط سيركم بالثانية! والنهارده… هتنتهي أنت وابنك بنفس الطريقة، على أساس إنه حادث تصادم أو هجوم ارهابي جديد!
شعرت بنيران جهنم تشتعل في صدري. لم أعد أبالي بحياتي، كل ما كان يهم إنسان مثلي فقد كل شيء هو ابنه الصغير ياسين، ومريم التي وقفت كالشجاعة تحميه رغم إصابتها وجرحها النازف.
نظرت إلى مريم، فرأيت في عينيها نظرة تحدٍ غريبة ومفاجئة. لم تكن خائفة على الإطلاق، بل كانت تومئ لي بطرف عينها بحركة سريعة ومدروسة نحو الدرج السفلي لسرير ياسين!
فهمت الإشارة في لمح البصر.
بينما كان عماد يوجه كلامه إليّ ويستعد لإعطاء الإشارة للملثمين بإطلاق النار، ألقيت بنفسي على الأرض بسرعة البرق متخذاً من حافة المكتب ضُرفاً للحماية، وأطلقت رصاصة طائشة أجبرت الملثم الأول على الانحناء.
وفي نفس اللحظة الخاطفة…
صرخت مريم بأعلى صوتها، ودفعت بكرسي ياسين المتحرك بقوة إلى الخلف نحو الباب الخلفي المؤدي إلى غرفة الحمام الداخلي، بينما انقضت هي نفسها على الملثم الأقرب منها، وأمسكت بسلاحه بكل ما أوتيت من قوة لتمنعه من توجيهه نحو ياسين!
دوى صوت رصاصة مرعبة اخترقت جدار الغرفة.
صرخت مريم من الألم إثر إصابتها في ذراعها، لكنها لم تترك السلاح أبداً، وظلت تصرخ في وجه ياسين:
— اجري يا ياسين! ادخل جوه!
رأيت ياسين، ولأول مرة منذ أربعة عشر شهراً، يحرك يديه بقوة على عجلات الكرسي المتحرك، ويدفعه بنفسه بسرعة لم أكن أتصور أنه يمتلكها، ودخل إلى الغرفة الداخلية هורباً من جحيم الرصاص!
أما أنا، فلم أكن أملك ترف الوقت للحزن أو الخوف. استتريت خلف خزانة الكتب، ووجهت مسدسي مباشرة نحو صدر عماد الشافعي، وأفرغت طلقاته بغضب جارف.
— دي علشان حبيبة مراتي!
— ودي علشان ابني ياسين!
أصابت الطلقات عماد في منتصف صدره، فسقط على الأرض بلا حركة، وعينه تتدحرجان بذهول وهو يلفظ أنفاسه الأخيرة.
الملثمان أصابتهما حالة من الهلع بعد سقوط زعيمهم المفاجئ ومقتل رئيس الأمن الخائن، فحاول أحدهما الهرب، لكنني عاجلته برصاصة أخرى جعلته يسقط أرضاً، بينما فر الآخر هارباً عبر النافذة المكسورة إلى الحديقة الخارجية كالجرذ الرتيع.
ألقيت المسلاح من يدي، وزحفت بأقصى سرعة نحو الغرفة الداخلية حيث اختبأ ياسين ومريم.
دخلت ووجدت مريم ملقاة على الأرض، تنزف بغزارة من كتفها وذراعها، بينما كان ياسين يزحف بيديه من على الكرسي ليحتضنها وهو يبكي بمرارة ويصرخ:
— مريم! اصحي والنبي متسيبنيش… إنتِ كمان هتموتى وتسبيني زي ماما؟!
اقتربت منهم وأنا أرتجف، ورفعت رأس مريم بحنان بالغ، ودموعي تغرق وجهي. فتحت مريم عينيها ببطء شديد، وابتسمت ابتسامة ضعيفة وموجعة، وقالت بصوت بالكاد يُسمع:
— ياسين… بقى بطل حقيقي… هو اللي زق الكرسي بنفسه…
قلت وأنا أحتضنها وأضم ابني إلى صدري بكل قوتي:
— أنتِ أنقذتِ عيلتي كلها يا مريم… مش هسمحلك تموتي!
رفعت عيني نحو نافذة الغرفة، وأنا أدرك أن المعركة لم تنتهِ هنا، وأن شبح الأعداء الذين قتلوا زوجتي ما زالوا طلقاء في الخارج، وأن الحرب الحقيقية لبدء الانتقام وتطهير اسم عائلة المنشاوي بدأت للتو!
احتضنت ياسين ومريم بقوة، وكانت دموعي تتقاطر على وجهيهما بينما صوت صفارات الإنكار والشرطة يبدأ في الاقتراب من أسوار الفيلا. ركض رجال الأمن الأوفياء الذين نجوا من الخيانة، ومعهم الشرطة والإسعاف التي تم استدعاؤها سريعاً.
تم نقل مريم وياسين إلى المستشفى في سيارة إسعاف مجهزة، وركبت معهما وأنا ممسك بيدي مريم التي كانت تفقد وعيها تدريجياً، بينما ياسين كان جالسًا بجانبنا يمسك بطرف ملابسي وعيناه ممتلئتان بالدموع والخوف من أن يفقد شخصاً عزيزاً آخر.
في المستشفى، دخلت مريم غرفة العمليات لإخراج الرصاصة وعلاج جروحها الخطيرة، بينما تم فحص ياسين للتأكد من عدم تعرضه لأي أذى جسدي. جلست على المقعد خارج غرفة العمليات، وأنا أشعر أن روحي معلقة بداخل تلك الغرفة.
بعد ساعتين، خرج الطبيب وهو يمسح العرق من جبينه، وقال بابتسامة مطمئنة:
— الحمد لله يا سيف بيه… الجراحة كانت دقيقة بس الرصاصة مبعدتش عن الشرايين الرئيسية، وهي تجاوزت مرحلة الخطر وهتفوق كمان ساعات. ياسين كمان سليم، بس محتاج دعم نفسي بعد الصدمة دي.
تنفست الصعداء، وسجدت شكراً لله. لكن وجهي عاد للتجهم والصلابة فور أن تذكرت شيئاً واحداً: **عماد مات، لكن الجهة اللي وراه واللي دبرت حادثة مراتي لسه عايشة!**
بعد يومين، فاقت مريم من الإكلينيك، وكانت أول كلمة نطقت بيها وهي بتفتح عيونها ببطء:
— ياسين… عامل إيه؟
ابتسمت لها وأنا جالس بجانب السرير، ومسكت يدها بامتنان عميق:
— ياسين بخير، وبفضلك بدأ يتكلم ويتحرك ويواجه خوفه. أنتِ مش مجرد ممرضة يا مريم… أنتِ أنقذتِ عيلتي للمرة الثانية.
بينما كنا نتحدث، فتح باب الغرفة دخل عميد شرطة من جهاز الأمن الوطني، ومعه ملف ضخم. نظر إليّ وقال بجدية:
— سيف بيه… بعد اعترافات الحارس اللي اتقبض عليه، وتفريغ هواتف عماد الشافعي، قدرنا نوصل للرأس الكبيرة ورا اغتيال مراتك ورا محاولة الهجوم الأخيرة على الفيلا.
سألت بصوت يهز الجدران من الغضب:
— مين؟! نطق اسمه حالاً!
رد الضابط:
— رجل الأعمال المنافس ليك، «حسام الألفي»، هو اللي اتفق مع عماد من سنين لتصفيتك، والعبوة الناسفة اللي استهدفت عربيتك كان هدفها يخلص منك عشان يستحوذ على مجموعة شركات المنشاوي.
كتمت غضبي، وقفت، وعيناي تشتعلان بنيران الانتقام. قلت بصوت حاسم:
— اللعبة خلصت بالنسبة لحسام الألفي.
بعد أسبوع، خرجت مريم من المستشفى وعادت إلى الفيلا، لكن هذه المرة ليس كموظفة، بل كشريكة حياة وأم حقيقية احتضنت جروح ياسين وأعادت له الحياة. وفي نفس الليلة، وبتنسيق كامل مع الأجهزة الأمنية، تم محاصرة قصر حسام الألفي، والقبض عليه متلبساً ومعه كافة المستندات والاعترافات الرسمية بتورطه في جريمة اغتيال زوجتي حبيبة ومحاولة قتل ابني.
بعد شهر من العدالة والقانون، عادت السكينة نسبياً إلى الفيلا.



