
ياسين… جالس على كرسيه المتحرك، لكنه يضحك بصوت عالٍ، ويمسك بكرة قدم صغيرة ويرميها نحو مريم التي كانت تقف أمامه وتضحك بحرارة، بينما حرك ياسين يديه بقوة على عجلات الكرسي وحاول اللحاق بالكرة!
قربت منهما، ودموع الفرح تغرق عيني، ونزلت على ركبتي أمامه، وفتحت ذراعيّ.
رمى ياسين الكرة، وجرى بجسده وذراعيه نحو حضني، وهو يصرخ بسعادة لم أسمعها منذ يوم الحادث:
— بابا! أنا لعبت بالكرة! أنا بقيت بطل زي ما مريم قالت لي!
ضممته إلى صدري بكل قوة، ورفعت عيني لأرى مريم تقف بقربنا، تبتسم وتخفي دموع الفرح بعينيها.
أدركت حينها أن الأموال لا تود شراء الأمان، لكن الحب، والإخلاص، والقلوب الصادقة قادرة على إعادة بناء ما تهدم من حطام أرواحنا.
مرت سنة كاملة على تلك الليلة الفاصلة التي سقط فيها قناع الخيانة، وانتهت فيها إمبراطورية الظل الخاصة بحسام الألفي خلف أسوار السجن المؤبد. سنة كاملة كانت كفيلة بأن تمسح آثار الدموع وتعيد بناء ما تهدم داخل جدران فيلا المنشاوي.
لم تعد الفيلا ذلك القصر البارد الموحش الذي تحيطه الكاميرات والشكوك من كل اتجاه. تحولت إلى بيت حقيقي، يملأه الضحك، وصوت الألعاب، وحركة ياسين الذي لم يعد طفلاً منكسراً، بل أصبح صبياً في العاشرة من عمره، يرفض الاستسلام لكرسيه المتحرك، ويقضي ساعات طويلة في تمارين العلاج الطبيعي بإصرار وعزيمة أذهلت أكبر الأطباء.
وفي وسط كل هذا النور الجديد، كانت مريم هي القلب النابض الذي يربط خيوط حياتنا معاً.
لم تعد مجرد مربية أو مساعدة؛ بل أصبحت الشريكة الحقيقية لكل لحظة فرح نعيشها. العلاقة التي تطورت بيننا لم تكن بحاجة لكلمات معقدة؛ نظرة واحدة كانت كفيلة بأن تفهم كل منا ما يدور في عقل الآخر. وجد فيها ياسين أمًا ثانية تعوضه عن غياب الراحلة حبيبة، ووجدت فيها أنا السكن والأمان بعد سنوات طويلة من العزلة والحروب.
في مساء يوم خريفي هادئ، وتحت ضوء النجوم وفي حديقة الفيلا التي شهدت أسوأ ذكرياتنا وأجمل بداياتنا، كنت أقف بجانب النافورة أتأمل المنظر.
اقتربت مني مريم بخطواتها الهادئة، ووضعت يدها على كتفي برفق، وقالت بصوت دافئ:
— لسه بتفكر في اللي فات يا سيف؟
التفت إليها وابتسمت بحنو، وأمسك بيدها، وقلت:
— كنت بفكر في إزاي القدر بيغير مسار حياتنا في لحظة. لو مكنتش دخلتِ مكتبي بالملف القديم والجرأة دي، لو مكنتش شفتك إمبارح واليوم ده… كنت زماني ضايع يا مريم.
ابتسمت بخجل، ونظرت بعيداً حيث كان ياسين يجلس على كرسيه المتحرك يداعب كلب الحراسة الصغير الذي أحضرناه له مؤخراً، وهو يضحك بملء فيه. قالت مريم:
— ياسين هو اللي اختار يقاتل يا سيف… أنا بس كنت مفتاح الباب مش أكتر.
قاطعتها وأنا أنظر في عينيها بعمق وجدية:
— والمفتاح ده بقى أغلى حاجة عندي في الدنيا.
سكتت لبرهة، وبان الاحمرار على وجهها الجميل، ثم أردفت بصوت مشوب بالحماس:
— على فكرة، أستاذ ياسين بيجهز ليك مفاجأة بكرة، وشارط عليا منكتش بيها عليك.
ضحكت بصوت عالٍ، وقلت:
— ياسين وراه مفاجأة؟ تمام، أنا جاهز لأي مقلب منه، ده ابني أباً عن جد!
لكن المفاجأة الحقيقية لم تكن في اليوم التالي، بل بدأت فصولها في تلك اللحظة بالذات، حين نادى ياسين بصوته الطفولي الواثق:
— بابا! مريم! تعالوا شوفوا أنا عملت إيه!
سرعنا الخطى أنا ومريم نحوه بلهفة وقلق جميل. وحين وصلنا أمامه، انحبست أنفاسنا وتجمدت الدموع في عيوني.
كان ياسين يمسك بـ “العصا الطبية” المخصصة للمساعدة على الوقوف، وقد ثبت دعامتي الساقين، وبمساعدة مريم الخفيفة… وقف على رجليه!
وقف على قدميه لأول مرة منذ أربعة عشر شهراً!
ارتعشت شفتاه بابتسامة واسعة، ودموع الفرح سالت على وجنتيه، وقال بصوت هز عرش قلبي:
— أنا واقف يا بابا… أنا مش قاعد!
لم أتمالك نفسي، فوقعت على ركبتي أمامه وأنا أبكي كالطفل، وضممته إلى صدري بكل قوة وعنفوان، بينما انحنت مريم معنا لتضمهما معاً في حضن واحد يجمعنا، ودموع الفرح تخترق كل جدران الألم القديم.
رفعت رأسي ونظرت إلى السماء، وهمست في سرّي:
— شكراً يا رب… لقد عدنا للحياة حقاً.
*(تمت بحمد الله)*




