روايات وقصص

حكايات اسما 3

السنين مش بس بتعدي، السنين بتغربل البشر. بتصفي الغث والسمين، وبتسيب الأصيل واقف لوحده في النور، بينما الباقي بيدوبوا في زحمة الظل.
بعد مرور سنتين على اليوم اللي حظرت فيه رقمه، المكتب بتاعي بقى واحد من أبرز مكاتب الاستشارات الهندسية والتصميم المعماري في العاصمة. المشروعات الكبيرة بقت تطلب اسمي بالاسم، وكنت دايمًا حريصة إن نجاحي ما يكونش مجرد رقم في البنك، بل شهادة حية لكل ست مفكرة إن الحياة ممكن تقف عند عتبة راجل ما عرفش يقدر قيمتها.
في يوم أربعاء، كنت قاعدة في مكتبي براجع اللوحات النهائية لمشروع «قرية الفنون التراثية»، المشروع الضخمة اللي أسندته لي شركة صديقه القديم. الباب خبط، ودخلت السكرتيرية ومعاها ملف ووشها ظاهر عليه شوية ارتباك.
— مدام ندى.. فيه شخص بره ومصرّ إنه يقابلك، بيقول إنه ضروري يشوفك خمس دقايق بس.
رفعت عيني من على اللابتوب وسألت:— مين؟ قلت له إن عندي اجتماعات النهاردة ومش فاضية.
— هو مش عميل يا فندم.. هو.. طليقك السابق.
الكلمة نزلت بهدوء شديد. ما حسّيتش بأي رجفة في قلبي، ولا حتى بفضول. كأنها بتسمع اسم شخص غريب قابلته صدفة في الشارع من سنين بعيدة.
— خليه يدخل، قلتها بصوت هادي وثابت.
بعد ثواني، الباب اتفتح. دخل… لكنه كان غير الراجل اللي سيبته من سنين. شعره غزاه الشيب بالكامل، وظهرت انحناءة بسيطة في كتافه، وملامحه كانت مليانة بتعب السنين والوحدة. وقف قدام مكتبي، وبص للأثاث الفخم، وللّوحات الهندسية المعلقة على الحيطان، ولمعة النجاح اللي كانت مالية المكان، وبعدين نزل بعينيه عليا.
قعدت على كرسيّ الجلوس، وشبكت إيدي قدامي بهدوء، من غير ما أتحرك من مكاني استقبالاً له، وسألته بصوت خالي من أي تعبير:— خير؟ الجاكت اللي نسيته زمان ولا مفتاح الشقة القديمة؟
ابتسم بكسرة، ابتسامة باهتة ملوها الندم، وقعد على الكرسي اللي قدام المكتب من غير ما يستأذن، وقال بصوت منخفض:— عارف إني ما أستاهلش حتى أقف قدامك دقيقة واحدة يا ندى.. وعارف إن كلامي زمان كان زي السم.
— كلامك كان حقيقة شعورك وقتها، قاطعته بكل برود:— وأنا بنيت حياتي على الحقيقة دي، مش على الندم اللي جالك متأخر. ما تضيعش وقتي يا فلان، وقول اللي عندك عشان عندي اجتماع كمان ربع ساعة.
بلع ريقه بصعوبة وقال:— أنا خسرت كل حاجة يا ندى.. الشغل اتدهور، والشركة اللي كنت شغال فيها استغنت عني، والبيت.. البيت بقى مظلم لدرجة إن صدى صوتي بيكلمني. جيت أطلب منك.. مش ترجعيلي، أنا عارف إن ده مستحيل.. جيت أطلب فرصة تانية.. أي شغل، حتى لو مساعد مهندس، أو حتى أرتب لك الملفات هنا في مكتبك. المهم أكون قريب منكم.. من بنتي اللي نسيت شكلها وهي بتكبر.
بصيت له فترة طويلة، بصيت للراجل اللي كان يوم من الأيام شايفني مجرد قطعة أثاث في بيته، وشايف إن مجهودي “كلام فارغ”، ودلوقتي واقف بيترجاني فرصة عمل تحت إيد مراته القديمة اللي صنعته بنفسها.
وقفت بهدوء، وعدلت ياقات بدلتي، وقلت له بصوت حاسم:— بنتي بتشوف أبوها في المواعيد المحددة، وده حقها ومش همنعها منه.. أما عن الشغل هنا في مكتبي؟ فالمكتب ده مش ملجأ للتعاطف يا فلان. المكان ده اتعمل بدموعي، وعرقي، وسهري، وتعب سنين طويلة. والشغل هنا بيحتاج ناس مؤمنة بقيمته، مش ناس جاية تلم شتات نفسها بعد ما فات الأوان.
قام من مكانه وهو مترعش، وبص لي بنظرة أخيرة مليانة برجاء ميت، وقال بصوت مكسور:— للدرجادي قسيتِ يا ندى؟
ضحكت بهدوء، ابتسامة خفيفة، وقلت له:— أنا ما قسيتش.. أنا بس اتعلمت أنشر الشراع بتاعي وقت الريح، وما استناش حد يرجع يلمس المركب بعد ما غرقت. اتفضل الباب من هنا.
بص للباب، وبعدين مشي بخطوات بطيئة، ثقيلة، كأن سنين الندم كلها كانت محشورة في كعوب جزمه. لما خرج وقفل الباب وراه، حسيت بهواء نضيف بيملا صدري.
رجعت قعدت على كرسيّ، وفتحت اللابتوب، وكان قدامي إيميل جديد من إدارة مشروع «قرية الفنون التراثية» بيبلغوني بإنهم رشحوني لجائزة التصميم المعماري الإقليمية للسنة دي.
قربت طبق المانجا الصغير اللي سكرتيرتي حطته لي على المكتب، أكلت منه قطعة، وابتسمت لنفسي وأنا بقول بصوت واطي: “الحياة فعلًا حلوة قوي.. لما الواحد يختار يكون هو بطل قصته.”

السابق1 من 3
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى