
الباب قفل وراه للمرة الأخيرة. الصوت الخافت اللي سابه وهو بيتحرك ببطء في الممر كان طنين نهايات حزينة لقصة قديمة انتهت فصولها بره جدران مكتبي.
قعدت مكاني، ورجعت عيني للّوحات الهندسية المعلقة قدامي. حسيت إن كل خط، وكل زاوية، وكل لون اخترته بعناية في مكتبي ده، كان بيمثل خطوة بناء حقيقية لشخصية جديدة اتولدت من رحم التجربة.
تليفوني رن على المكتب. بصيت للشاشة، كان رقم رئيس لجنة جائزة التصميم المعماري الإقليمية.
رديت بهدوء:— ألو، أهلاً بحضرتك.
جاء صوته المليان حماس وتقدير:— مدام ندى، مبروك! اللجنة بأجماع الآراء اختارت مشروعك «قرية الفنون التراثية» عشان يفوز بالجائزة الكبرى للسنة دي. الحفل الرسمي هيكون الأسبوع الجาย، ومستنيين حضورك كأبرز مهندسة معمارية شابة أثبتت جدارتها في السوق.
ابتسمت ابتسامة عميقة، وقولت:— بشكر حضرتك وللجنة كلها على الثقة الكبيرة دي. ده تعب سنين، وفرحتي بيه كبيرة.
قفلت التليفون، ولقيت السكرتيرية بتدخل المكتب وبيدها وردة بيضاء جميلة وبتقول بفرحة:— مبروك يا مدام ندى! الخبر انتشر في السوق كله!
قمت من على الكرسي، وطلبت من بنتي في تليفونها إنها تجهز عشان نحتفل سوا الليلة في مكان لطيف، مكان هي تحبه ونختار منه اللي نتمناه.
في الليل، وأنا قاعدة معاها في مطعم هادي بيطل على النيل، وهي بتحكي لي عن تفاصيل يومها في المدرسة بفرحة وبراءة، بصيت لعيونها ولقيت فيها كل المكسب الحقيقي. ما حسيتش بأي شعور بالذنب أو الشماتة في اللي حصل لطليقي، لأن اللي يرتفع بنفسه ما بيبصش للي وقع تحت، لكن حسيت بالامتنان الكبير لكل دمعة نزلت زمان، وكل كلمة قسوة سمعتها، لأنها هي اللي صنعت الست القوية اللي قاعدة قدامهم دلوقتي.
الحياة مش بتدّي فرص تانية للي بيضيعوها، بس بتدّي بدايات جديدة للي بيعرفوا يقيموا أنفسهم من جديد.
بصيت لطبق المانجا اللي قدامنا في المطعم، قطعت قطعة وناولتهالك ببساطة، وأنا عارفة إن القصة قربت تختم خاتمتها الحقيقية، مش بانكسار، بل بقمة النور والنجاح.




