
مرت أيام وليا في بيت أهلها، ومحاولات أختي علشان تضغط عليا وتخليني أرجع أستسمحها ما وقفتش. اتصالات، ورسايل، وتهديدات بإن اللي بعمله ده هيخرب بيتي. بس المرة دي، صوتهم كان بيوصلني زي الصدى البعيد.. صدى مالوش أي قيمة.
البيت كان فاضي وبارد، بس لأول مرة من شهور حسيت إن الصداع اللي في دماغي بدأ يخف. كنت بقعد بالساعات أراجع الشريط كله، من أول يوم أختي بدأت تقارن فيه بين مراتي الأولى وبين صحابها، لحد اللحظة اللي وصلت فيها لنقطة الانفصال بعد كثرة الخلافات والضغط المستمر. كنت بحس بوجع في صدري كل ما أفتكر نظرتها ليا.. النظرة اللي مفيهاش حتى عتاب، النظرة اللي بتقول بصمت: “أنت خلاص اخترت طريقك”.
في يوم، جالي اتصال من رقم غريب. رديت، ولقيت صوت راجل كبير ووقور:
ـ السلام عليكم.. معايا الأستاذ؟
ـ أيوه، مين معايا؟
ـ أنا والد “ليا”.. أظن لازم نتقابل ونفهم إيه اللي بيحصل ده، بنتي مش لعبة في إيدك عشان تنهي حياتها الزوجية بالشكل ده!
نزلت قابلته في كافيه هادي. كان جاي ومصمم يتعامل معايا بنبرة حادة، ومعه أختي اللي أصرت تحضر عشان تتأكد إن الموضوع يمشي باللي هي شايفه صح لمصلحة العيلة. أول ما قعدت، والد ليا بدأ يتكلم بعصبية هادية:
ـ بص يا ابن الناس، إحنا عيلة ليها اسمها ومستواها، وبنتي لما اتجوزتك كانت فاكرة إنها داخلة بيت يقدرها، ومش واحد كل يوم برأي ومش عارف هو عايز إيه! لو مش قد الجواز والمصارف والمستوى ده، كنت تقول من الأول!
أختي اتدخلت بسرعة وهي بتوجه كلامها لي:
ـ أنا اتكلمت معاه يا عمي، وهو أكيد ما يقصدش.. هو بس مضغوط في الشغل شوية، وهيروح يعتذر للست ليا ويرجعها بنفسه.
كنت قاعد بسمعهم وأنا ببتسم ابتسامة هادية، ابتسامة وضحت قد إيه الأمور بقت واضحة قدامي. بصيت لوالد ليا وقلت بنبرة قاطعة:
ـ يا أستاذ.. بنتك ما انظلمتش. بنتك خدت كل حاجة هي طلبتها، وأكتر كمان. بس المشكلة إن بنتك ما تجوزتنيش عشان عايزه تبني بيت هادي.. بنتك كان هدفها الاستقرار المظهري والمنافسة، ووسيلة عشان تفرض شروطها. وأنا خلاص، الطاقة دي خلصت من عندي.
والد ليا وشّه احمرّ وقام وقف:
ـ أنت بتتكلم عن بنتي بالطريقة دي؟!
رديت بهدوء:
ـ أنا بتكلم عن الواقع اللي عشناه.. وبنتك حقوقها القانونية هتكون عندها كاملة، وعلاقتنا لحد هنا وانتهت بكل احترام.
أختي اتعصبت، وقفت وبصت لي بحدة قدام الناس:
ـ أنت اتجننت رسمي! أنت بترمى نعمة ربنا من إيدك عشان إيه؟ أنت فاكر إنك لما تطلق ليا هتعرف ترجع للتانية؟ دي نسيتك خلاص وشافت طريقها!
بصيت لأختي في عينيها مباشرة، وبصوت واطي بس واضح:
ـ اللي بتتكلمي عنها دي.. كانت الوحيدة اللي عاملة لي قيمة حقيقية. الوحيدة اللي كانت بتحبني لنفسي، مش عشان المظاهر والتباهي. أنتِ دمرتي حياتي يا أختي.. أوهمتيني إنك خايفة عليا، وأنتِ كل اللي كان همك تسحبي مني أي حاجة حلوة وتخليني شبهك.. عايشين للقشور وفاضيين من جوة.
سيبتهم ووقفت، ومشيت من غير ما ألتفت لنداءات أختي ولا لتعصيب والد ليا.
في الأيام اللي بعد كده، بدأت إجراءات الانفصال رسمياً. الموضوع ما كانش سهل، ليا وأهلها طلبوا حقوقهم كاملة، ودخلنا في تفاصيل ومشاكل قانونية، وأختي وقفت في صفهم ضدي عشان تنتقم مني لأني خالفت رأيها. خسرت فلوس كتير، وخسرت أختي اللي قطعت علاقتها بيا تماماً لما لقيتني خلاص مش هخضع لتأثيرها تاني.
بس الغريب.. إن كل خسارة مادية كنت بخسرها، كنت بحس في المقابل إن في جزء من راحتي النفسية وبصيرتي بيرجع لي.
كنت بقعد كل يوم بليل، أراقب صفحة مراتي السابقة من بعيد لبعيد. الشغف اللي كانت تحفر بيه في صخر حياتها عشان تنجح كان بيبهرني. المحل الصغير كبر، وبقت تعمل معرض ورا معرض، وكل الناس بقت تتكلم عن شطارتها وذوقها. ما بقتش محتاجة حد، ولا بقت محتاجة حماية من حد. كانت قائمة بذاتها، قوية، وجميلة بجمال حقيقي بعيد عن التكلف.
وفي يوم، وبعد ما طلاقي من ليا تم رسمياً ورجعت لحياتي البسيطة، قررت إن لازم أعمل خطوة أخيرة.. مش عشان أترجاها ترجع لي، لأني عارف إن الجرح اللي سبتهولها كبير، لكن عشان أحط نقطة في آخر سطر الذنب اللي بياكل في قلبي.
كتبت لها جواب بخط إيدي.. جواب فيه اعتراف صادق بكل الأخطاء، بكل اللحظات اللي ضعفت فيها، وكل الحقيقة عن الألاعيب اللي اتلعبت عليا واللي أنا سمحت بمرورها بغبائي. كتبتلها إني مش مستني منها تسامحني، لكن مستنيها تعرف إنها هي اللي كانت صح، وهي اللي كانت العالية والمحترمة بجد.
بعت الجواب مع مندوب للمحل بتاعها.
عدت أيام وأنا عايش في انتظار، مش عارف الانتظار ده نهايته إيه. لحد ما في يوم، وأنا قاعد في بيتي الهادي، جالي إشعار على التليفون. كانت رسالة منها هي.. رسالة قصيرة جداً، بس كل كلمة فيها كانت كفيلة إنها توضح لي الصورة كاملة.
مسكت التليفون، فتحت الرسالة وعيني معلقة على الحروف. كانت كاتبة كلمات معدودة، بس موزونة بعقل وحكمة:
“جوابك وصلني يا ابن الناس.. قريته كله، ومش هقولك إني ما حسيتش بنغزة في قلبي، بس النغزة دي ما كانتش عشانك، كانت على الأيام اللي ضيعتها مع إنسان ما عرفش قيمتي. أنت فتحت عينك متأخر أوي، والباب اللي قفلته بإيدك، مفيش أي جوابات في الدنيا تقدر تفتحه تاني. الجواب ده صفحة وقفلتها زي الماضي بالظبط.. ياريت تدور على نفسك وتبدأ تصلحها، بس بعيد عن سكتي.”



