روايات وقصص

حكايات امانى 2

الرسالة كانت قاسية في صياغتها، بس كانت الحقيقة اللي استحقها. قعدت على الكرسي والرسالة قدامي، حسيت إن آخر خيط كنت متشبث بيه اتدمر تماماً. الحقيقة ضربتني في وشي بكل قوة: أنا مش بس خسرتها، أنا أثبت لها إن غيابي عن حياتها كان أكبر مكسب ليها.

الشهور مرت ثقيلة وبطيئة. حياتي بقت هادية لدرجة الوحدة. أختي قطعت علاقتها بيا نهائيًا، وبقت تطلع إشاعات وسط القرايب. ليا وأهلها خدوا حقوقهم وزيادة. بقيت تقريبًا لوحدي.. مفيش غير شغلي وبيتي الهادي، وضميري اللي بقى يصحى كل يوم بالليل عشان يحاسبني على كل لحظة ظلمت فيها إنسانة ما عملتش معايا غير كل خير.

بدأت أغير حياتي بالكامل. سيبت مظاهر الفشخرة الفارغة، ورجعت لإنسانيتي القديمة. بقيت أركز في شغلي، أساعد المحتاجين، وأحاول أصلح أي حاجة أقدر عليها في نفسي.

وفي يوم، بعد مرور سنة كاملة على الأحداث دي، جالي خبر هز العيلة كلها.
أختي.. أختي التي كانت ترى نفسها فوق الجميع وتخطط وتدبر، وقعت في نفس الفخ!
اتجوزت راجل من نفس “المستوى” الذي كانت تتباهى به، راجل من العائلات الكبيرة والغنية. كانت فاكرة إنها أخيرًا حققت حلمها. لكن الستائر انزاحت بسرعة.. طلع الراجل ده متجوز عليها سرًا، واستغل اسمها وفلوسها في صفقات خسرانة، ودخلها في ديون ومشاكل مالية. وما اكتفابتش بكده، بل تخلي عنها، وبقت حديث العيلة والجميع يتحدث عن كسرتها.

أمي اتصلت بيا وهي بتبكي وبترجاني أتدخل وأقف جنب أختي في أزمتها، لأن أختي بقت مهددة بالملاحقة القضائية بسبب الشيكات اللي جوزها خلاها تمضي عليها.

رحت لأختي بيتها..
أول ما دخلت، لقيتها قاعدة في الصالة، وشها شاحب، والعيون التي كانت دايماً متكبرة على الناس، أصبحت مليانة خوف وانكسار. أول ما شافتني، بكت بحرقة وجرت عليا، وقالت بصوت مخنوق ومكسور:
ـ الحقني يا أخويا.. أنا هضيع، أنا هتدمر! اللي كنت فاكراهم صحابي وسندي هربوا كلهم، وجوزي ضحك عليا وأخد كل حاجة!

بصلتها وأنا قلبي مقسوم نصين.. نص زعلان على أختي اللي من دمي، ونص تاني شايف أن الدنيا دار تدور وفيه عبر.
سألتها بهدوء:
ـ افتكرتي دلوقتي إن لكِ أخ؟ افتكرتي لما الدنيا ضاقت بيكِ والناس اللي كنتِ بتتباهي بيهم سابوكي؟

قعدت على الأرض وهي بتبكي:
ـ أنا آسفة.. أنا عارفة إني ظلمتك وظلمت مراتك.. أنا كنت مغرورة وشايفة نفسي، افتكرت إن الفلوس والمظاهر هما كل حاجة، والنهارده ربك أخد مني كل حاجة ووراني مقامي الحقيقي!

مسكتها وقومتها، وقلت لها بصوت حزين:
ـ أنا هقف جنبك ومش هسيبك، لأني مش زيك.. بس لازم تفهمي إن اللي بيحصلك ده درس كبير في العدل والدين اللي علينا.

بدأت أتحرك في مشاكل أختي، بعت جزء من أملاكي ورهنت البيت عشان أسدد ديونها وأحميها. خسرت كتير من فلوسي، بس كان جوايا إحساس إن الفلوس دي لازم تروح في طريق يمحو أخطائنا القديمة.

وفي وسط كل المشاكل دي، وفي يوم وأنا بخلص أوراق في المحكمة عشان قضايا أختي، لمحتها..
مراتي السابقة.
كانت واقفة مع محامي، بتتكلم بثقة وهدوء. بس المرة دي ما كانتش لوحدها.. كان واقف جنبها راجل محترم، باين عليه الهيبة والأخلاق، ماسك إيدها بحنية واهتمام وهو بيسمع للمحامي وبيطمنها.

وقفت في مكاني، مش قادر أحرك.
لقيت المحامي بتاعها بيشاور عليا، وهي لفت وشها وبصت لي.
نظرتها المرة دي ما كانتش لا كره ولا برود.. كانت نظرة شفقة وإنسانية.. شفقة على الحالة اللي وصلت ليها، وعلى الأخ اللي ضيع نفسه وأخته.
الراجل اللي كان واقف جنبها بصلها واحتواها بكتفه، وهي ابتسمت له ابتسامة دافية.. نفس الابتسامة اللي كانت بتبتسمها لي زمان، بس المرة دي كانت حقيقية لإنسان يصونها ويقدرها بجد.

قربت منها بخطوات بطيئة، المحامي بتاعها وقف بيننا، بس هي شاورت له يسيبني أتقدم.
وقفت قدامها، وأنا حاسس إني أصغر بكتير من إني أقف قدام إنسانة برقيها.
بصيت للراجل اللي جنبها، وبعدين بصيت لها وقلت بنبرة مليانة كسرة:
ـ مبروك.. ربنا يسعدك يا بنت الأصول.

بصت لي بوقار وقالت بصوت هادي جداً:
ـ الله يبارك فيك.. ده دكتور كريم، خطيبي. ربنا عوضني بيه عن كل حاجة شفتها.
سكتت لحظة، وبعدين كملت وهي بتبص على ملف القضايا اللي في إيدي:
ـ عرفت اللي حصل لأختك.. وكنت متأكدة إن الدنيا بتدور. ربنا يفك كربكم، وأتمنى تكون اتعلمت الدرس يا ابن الناس.

لفت ضهرها ومشيت مع خطيبها، ومشيت معاهم روح جديدة أدركت تمامًا إني عمري ما هعرف أستردها. كانت طالعة من المحكمة وهي مرفوعة الرأس، وأنا واقف في مكاني، شايل هموم أختي وخراب بيتي، وعارف إن الفصل الأخير من القصة دي بدأ يتكتب.. فصل الحساب الحقيقي والوعي.

خرجت من المحكمة وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني. مشيت في الشوارع وسط الزحمة والناس، بس جوايا كان فيه سكون مرعب.. سكون الشخص اللي أدرك إنه خسر كل حاجة بسبب طيشه وتأثره بالخارج.
مشهدها وهي ماشية مع خطيبها، ماسك إيدها بحنية وبيحميها بكتفه، كان بيتكرر في دماغي زي الشريط السريع. أنا بإيدي رَميت الجوهرة دي في التراب، وربنا أخدها مني واداها للي يعرف قيمتها ويصونها.

مرت الأيام، وخلصت إجراءات قضايا أختي. سددت آخر شيك من ديونها بعد ما بعت جزء كبير من نصيبي في شغل أبايا ورهنت شقتي. أختي نِجت، بس النجاة دي كانت بطعم الهزيمة والندم.
رجعت أختي تعيش معايا في بيت أبونا القديم بعد ما فقدت كل ثروتها، وبقت الصالونات الفخمة مجرد ذكريات بتطاردها. بقت تقعد بالساعات ساكتة، بتبص للفراغ، كل ما تفتكر إن الناس اللي كانت بتتباهى بيهم هما أول ناس سابوها وقت الضيق.

تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى