روايات وقصص

حكايات امانى 2

في ليلة من الليالي، كنا قاعدين أنا وهي في الصالة. الهدوء كان يخنق المكان.
أختي بصلتي، والدموع نزلت من عينيها بهدوء.. دموع انكسار حقيقي، وقالت بصوت مكسور:
ـ أنت زعلان مني يا أخويا؟
رديت وأنا ببص في كوباية الشاي اللي في إيدي:
ـ الزعل خلاص ما بقاش ليه مكان.. أنا مش زعلان منك، أنا زعلان على نفسي وعليكي. إحنا دمرنا حياتنا بإيدنا عشان مظاهر فارغة.

قربت مني ومسكت إيدي وهي بتبكي:
ـ أنا السبب.. أنا اللي حسدتك على النعمة اللي كانت في إيدك، وأنا اللي ملأت راسك بالسم لحد ما خليتك تفرط في بنت الأصول وتجري ورا السراب. أنا ذنبي كبير أوي يا أخويا.. ربنا بيعاقبني في الدنيا، وعارفة إن كسرتي دي هي ثمن الوجع اللي سببته لمراتك السابقة.

بصلتها وقلت لها بنبرة هادية بس مليانة حزن عميق:
ـ ربنا بيسامح في حقه، بس حقوق الناس ما بتسقطش بسهولة.. إحنا اتعلمنا الدرس، بس اتعلمناه بعد ما الفاتورة بقت غالية أوي. إحنا لازم نرضى بلقمتنا ونلم البواقي اللي فاضلة من حياتنا ونعيش بيها.

وبالفعل.. بدأنا نعيش الواقع الجديد.
أختي نزلت تدور على شغل بسيط، بدأت تشتغل وتعتمد على نفسها لأول مرة في حياتها. التكبر والتعالي اللي كانوا في طبعها اختفوا تمامًا، وبقت إنسانة تانية.. هادية، وبتدعي ربنا في كل صلاة إن يغفر لها اللي عملته.
أما أنا.. فرجعت لورشتي وشغلي القديم، بقيت أقضي يومي بين الشغل والمصلى والبيت. ما بقاش عندي شغف لأي مظاهر، ولا بقيت أطيق أسمع كلام المقارنات.

وبعد ست شهور.. جالي خبر جواز مراتي السابقة من الدكتور كريم.
يوم الفرح، ما رحتش طبعاً، ولا كان ينفع أكون موجود. بس قعدت بالليل في البلكونة، بصيت للسماء، ودعيت لها من كل قلبي: “ربنا يسعدك يا بنت الأصول، ويجعل أيامك كلها عوض، ويبعد عنك الإنسان اللي ما عرفش يقدرك”.

في الليلة دي، حسيت إن فيه جبل انشال من على صدري.. جبل الذنب والندم، مش لأنه اختفى تماماً، بس لأني أخيرًا تقبلت العقاب وفهمت الحكمة. عرفت إن عقابي الحقيقي مش إني أعيش في فقر أو مشاكل مادية، عقابي الحقيقي هو إني هعيش طول عمري مع ذكرياتي.. عارف إني كان معايا كنز، وبإيدي فرطت فيه عشان أرضي أوهام غيري.

مرت السنين.. أختي فضلت معايا، ما اتجوزتش تاني، وعشنا سوا كإخوات سند لبعض في الدنيا اللي كسرنا فيها طمعنا. كبرنا في السن، والشعر الأبيض ملأ راسنا، وبقت قصتنا درس بنحكيه لنفسنا كل ما نغفل.
الدنيا اتغيرت، وكل واحد أخد نصيبه.. مراتي الأولى عاشت حياة كريمة ومحترمة ومليانة حب وعوض، وأنا وأختي عشنا هاديين، صابرين، ومسلّمين إن العدل الإلهي دايماً بيتحقق.. وإن اللي يبيع جوهرة عشان زجاج مكسور، ما يلومش غير نفسه لما يصحى ويلاقي إيده مليانة جروح.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

3 من 3التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى