روايات وقصص

حكايات امانى السيد 3

وقف محمد في نص الصالة، ورجع ضهره لورا خطوة، بس المرة دي ما أتبكش ولا اتوتر زي المرة الأولى. بص لجوز أختها ولدخلتهم القليلة الذوق، وقال بنبرة ناشفة زي الصخر: أولاً يا مدام.. لما تعتبي عتبة بيت ناس، تسلمي وتستأذني الأول قبل ما تفتحي بؤك بحرف. ثانياً.. أختك على عيننا وعلى رأسنا، بس أختك مش نازلة في بيت أباها، دي نازلة في بيت عيلة، وشقتي أنا ومراتي ليها حرمة محدش يتعداها!

حماتي زقت أخت أم محمود وجات وقفت في وش محمد، وبصتلي أنا بغل وقالت وهي بتشاور بإيدها: جرى إيه يا محمد؟ بقيت بتعرف تتكلم وتعرف الأصول دالوقتي؟! والأصول دي فين لما تطرد مرات أخوك الوالدة من شقتك وتصغرنا قدام نسايبنا؟!

أنا ما فضلتش واقفة ورا محمد زي الضيفة.. مشيت بثبات ووقفت جنبه كتف بكتف، وبصيت لأخت أم محمود وجوزها وقلت بمنتهى البرود والثبات: والله كويس إنك جيتي يا مدام.. وجبتي جوزك معاكي عشان نفهم الأصول صح! حضرتك أختها، وجوزك رفض تستقبلوها عندكم في بيتكم عشان يرتاح.

. وأمك قالت أنا كبرت ومش حمل خدمة.. أهو إنتوا بقى الأقرب ليها دم وحمية، رفضتوا تشيلوا شيلتها، وجايين يحمّلوا القصة كلها عليا أنا؟! عايزيني أسيب شقتي وأخدمها، وتستولوا على بيتي، ولما أقول لأ.. تبقوا إنتوا بتوع الأصول وأنا اللي معنديش أصل؟!

جوز أختها وشه اتغير وجمُد مكانه.. اتلفت لمراته وبصلها بحرج واضح، لأن الكلام نزل عليه كشف المستور قدام الكل!
رد جوز أختها بتلعثم وهو بيحاول يلحق ماء وجهه: يا مدام جهاد.. إحنا ما قصدناش حاجة، بس حماتك هي اللي كلمتنا وقالت إن فيه مشكلة كبيرة وإن محمود ومراته متبهدلين في الشارع!

ضحكت ضحكة قصيرة ملانة استخفاف وقلت له: الشارع؟! الشارع ده لما يكون بيت أمه اللي تحت مقفول! شقة حماتي تحت أهي، واسعة وموجودة، وأم محمود وجوزها وعيالها ينزلوا يقعدوا مع أمه يخدموها وتخدمهم براحتهم! إنما شقتي أنا وجوزي، شقى عمرنا وفلوسنا، محدش هيحط إيده فيها ولا يقعد فيها يوم واحد بالعافية!

أخت أم محمود اتعصبت وقالت بصوت عالٍ وهي بتشعار لأختها اللي كانت طالعة تبكي على السلم: إحنا ما يشرفناش أصلًا نقعد في مكان بنـ،،تـهـــ،ـدّد فيه! تعالى يا محمود.. لم حاجتك وحاجة مراتك وإحنا هناخدهم معانا أو هنشوفلهم شقة إيجار مفروش!
حماتي شهقت وبصت لأخت أم محمود بصدمة: تاخديهم فين يا حبيبتي؟! ده بيتى! الشقة اللي تحت شقتي وشقتهم!

رد محمود أخو جوزي وهو نازل بالشنط، وشكله بقى في الأرض قدام نسايبه: خلاص يا أمي.. معلش. إحنا مش هنفرض نفسنا على حد، ولا هنخلي حد يمنّ علينا بشقته ولا يتشرط علينا!

محمد بص لأخوه وقاله بكلمة واحدة خلصت الموضوع: يا محمود.. لو عايز تقعد في شقة أمي تحت، البيت بيتك وأمي أولى بيك وبمراتك.. لكن لو عايز تاخد مراتك وتروح إيجار عشان كرامتك تحس إنها صينت، فده قرارك إنت. إنما بيتي أنا وعيالي.. مقفول بعرقنا، وما أسمحش لأي حد يفتح بابه عافية!

جوز أختها أخد محمود على جنب، وبدأوا يلموا الشنط اللي كانت محطوطة على السلم، وأم محمود نازلة تبكي بحرقة وتتحسبن، وحماتي واقفة على السلم عمالة تصرخ وتدعي، وتضرب كف بكف من خيبة أملها إن مخططها كله اتدمر في ساعات!

في خلال نص ساعة.. كان باب الشارع التحتاني اترزع! محمود أخد مراته وشنطه وخرجوا مع جوز أختها عشان يدوروا على شقة إيجار مفروش تقضيهم فترة النفاس والشغل اللي ناوي يبدأه. حماتي نزلت شقتها تحت، ورزعت الباب وراها رزة هزت العمارة كلها، وساد الهدوء… هدوء ثقيل ومحمل بخصومة مش هتنتهي بسهولة. قفلت باب شقتي بالمفتاح، ولفت وشي لمحمد.. لقيته واقف بيبصلي، ونظرة عينية اتغيرت تماماً..

ما بقتش نظرة الخوف والتردد، بقت نظرة واحد حس إنه أخيراً أخد موقف راجل وبيحمي بيته. قربت منه، وطبطبت على صدره وقلت له: تسلم إيدك يا محمد.. النهاردة بس، أقدر أقول إننا بنينا البيت ده بجد.

تنهد تنهيدة طوويللللة خرجت من جوه قلبه، وقال وهو بيحضن عياله اللي خرجوا من أوضتهم مش فاهمين كل اللي حصل: أنا عارف إن أمي مش هتكلمني تاني بسهولة يا جهاد.. وعارف إن اللي جاي تحت هيبقى صعب.

رديت عليه بثبات وأنا حاطة إيدي في إيده: الصعب يعدي يا محمد.. المهم إن كرامتنا وبيتنا يفضلوا مرفوعين، وما نكونش حيطة مايلة لأي حد يستغلها!

ومرت الأيام والأسابيع، والحدود اللي اترسمت بالنار والـ،،دّم والدموع بقت هي الواقع الجديد اللي فرض نفسه على الكل. حماتي في الأول حاولت تتبع سياسة الخرسانة المسلحة.. لا بيكلمونا ولا بنكلمها، وكنت لما أنزل أنا والعيال للمدرسة الصبح، أسمع الباب بيتقفل ورايا برزعة خفيفة، بس المرة دي ما بقتش رزعة ترهيب..

بقت رزعة استسلام وخيبة أمل من ست كانت متعودة إن كلمتها سيف على رقاب الكل، وفجأة لقيت السيف اتكسر على صخرة بيتي وثباتي مع جوزي. محمود أخو جوزي أجر شقة مفروشة قريبة مننا، وعلى قد ما كان بيدفع فيها مبلغ وقدره، على قد ما الواقع أجبره إنه يشمر عن ساعده وينزل يدور على شغله بجدية، بدل ما كان ناوي ينتعش وينام على قفانا سنة كاملة بحجة النفاس والظروف!

مراته أم محمود ولدت بالسلامة، وما حدش فينا قصر؛ محمد نزل باركلهم في الشقة الجديدة وجابلهم نقطة محترمة تليق بالأصول، بس دخل وخرج في ساعة زمن.. زي الضيف العزيز اللي عارف حدوده كويس، ومحدش قدر يفتح بقه معاه بكلمة عتاب واحدة لأن الهيبة خلاص كانت اتفرضت. ومع الوقت، وبمرور كام شهر، جبل التلج اللي بيننا وبين حماتي بدأ يدوب تدريجيًا.

العزلة والوحدة في شقتها التحتانية خلوها تحس إن خسارة ابنها وأحفاده الأربعة مش تمن سهل تدفعه عشان خاطر تكابر. بقت هي اللي تفتح الباب لما تسمع صوت العيال نازلين من على السلم، وتناديلهم بمنتهى الهدوء: تعال يا هاني.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى