
الجزء الثالث: انقلاب على .. والبيت يفتح صفحة جديدة
البيت كله كان عامل زي خرابة بعد ما مشي العريس “محمود”.. صريخ سماح كان جاب آخر الشارع، وحماتي قاعدة على الكنبة بتلطم وتندب حظها وتقول إن بنتها اتسحرت وإننا “خربنا فرحتها”، وحسام كان قاعد في الصالون، حاطط إدميه على راسه، مكسور وساكت، وبيراجع كل شريط العذاب اللي عيشهولي طول الشهر اللي فات بسبب حركة أخته الحقيرة.
أنا دخلت الأوضة بتاعتي بهدوء، قفلت الباب، وقعدت على السرير وأنا باخد نفسي بعمق. كنت حاسة براحة غريبة، بس في نفس الوقت عارفة إن المعركة لسه منتهتش، وإن البيت ده لو فضل الحال فيه كده، هنعيش في جحيم دائم. بعد شوية، سمعت صوت خبط خفيف على باب أوضتي.. فتحت، لقيت حسام واقف قدامي.
عيون حسام كانت حمرا ومورمة من العياق والكسفة، وبص لي بنظرة كلها ندم وتوسل.. دخل الأوضة وقفل الباب وراه، ووقع على ركبه قدامي فجأة!
أنا اتفزعت ورجعت لورا خطوة، وقلت بسرعة:
* “أنت بتعمل إيه يا حسام؟ قوم لو سمحت!”
مسك إيدي وهو بيعيط زي الأطفال، وقال بصوت مكسور ومرعوب إني أسيبه:
* “حقك عليا يا صفاء.. سامحيني.. أنا ظالمك حقير.. عشت شهر كامل أكسر فيكي وأحسسك إنك قليلة، وأنا اللي كنت مغفل وماعرفش إن اللي في بيتي شيطانة مش أخت! أرجوكِ ما تسيبينيش.. اعملي فيا اللي إنتِ عايزه، بس سامحيني!”
قلبي حنّ له، ما هو برضو جوزي وأبو بيتي، والشهر اللي فات كان أسود عليا وعليه.. بس كنت لازم أعلمه درس ميتنسيش، عشان ميرجعش يصدق أي كلمة تقال ورا ضهري تاني.
سحبت إيدي ببطء، وقلت له بصوت هادئ بس حازم:
* “أنا مسامحاك يا حسام، لأنك كنت مغمض وعنيك مسدودة.. بس اعرف إن اللي عملته سماح فيا وفي أهل بيتك وفي كسفتك قدام مديرك، ربنا ما يرضاش بيه.. والحمد لله إن ربنا ظهر الحق قدام عينك عشان تعرف مين اللي بيحبك ومين اللي كان بيكيد لك.”
وقف حسام ومسح دموعه وقال بنبرة قاطعة:
* “سماح ومشوارها في البيت ده انتهى.. بكرة الصبح تكون شطبت شنطتها وراحت عند خالتها في الإسكندرية.. مش هقعدها دقيقة واحدة بعد اللي عملته.”
برة الأوضة، الصريخ كان هدى شوية، وسماح كانت قاعدة في الصالة مع أمها بتعيط بمرارة وحرقة دم.. عريس الغفلة مشي وسابها، وسمعتها بقت على كل لسان في المنطقة، والكل بقى عارف إنها بنت مشاكل وبتاع مكايد. حماتي دخلت عليها الأوضة وقالت لها وهي بتعيط:
* “انتي اللي جيبتيه لنفسك يا سماح.. طفشتي العريس بطمعك وغلّك.. مراته كانت ساكتة ومحترمة وانتي اللي قرصتيها في لقمة عيشها وجوزها!”
سماح بصت لأمها وهي بتجز على أنانها وقالت بصوت مليان حقد:
* “يعني عاجبك اللي الفلاحة دي عملته فيا؟ ضيعت جوزي وفضحتني!”
حماتي ردت ببرود مقيت:
* “يا ريتك اتعلمتي تحترمي نفسك.. أهو حسام حلف إنك ما تقعديش في البيت ده ساعة كمان، ولمي هدومك بكرة الصبح تروحي عند خالتك، أنا مبقتش أقدر أقف في وش أخوكي.”
وفعلاً، تاني يوم الصبح بدري، قبل ما الشمس تطلع كويس، كانت سماح لامّت هدومها في شنطتين كبار، وواقفة على باب الشقة وهي مكسورة ومنكسفة، وبتعيط مش عشان زعلت، لأ، عشان الغل اللي جواها ماكلها إنها اتقطعت من القصة دي.. وحسام دفع لها أجرة العربية ومضى عليها إنها متدخلش البيت ده تاني إلا بإذنه وبرضايا أنا كمان!
فات أسبوعين على مشي سماح، وحال البيت اتعدل 180 درجة. حسام بقى بيلقمني اللقمة بايده، وكل شوية يجيب لي هدايا وشوكولاتة وعصائر عشان يصالحني على الشهر الأسود اللي عدى. وبقى يحترمني قدام أمه أضعاف أضعاف الأول. حماتي نفسها اتعدلت في معاملتها معايا، وبقت تحسب ألف حساب لكلامها، وشافت بعينها إن بنت الأرياف اللي كانت بتستصغرها، هي اللي أنقذت البيت من شر بنتها وهي اللي عرفت ترجع حق جوزها بذکاء من غير ما توسخ إيديها.
وفي يوم، واحنا قاعدين بنتغدى كلنا على مائدة واحدة، والجو هادي وجميل، التليفون رن.. وكان رقم غريب.
حسام رد وهو بياكل:
* “ألو؟ مين معايا؟”
الصوت من الناحية التانية كان مستعجل ومرتبك، وبيقول:
* “السلام عليكم يا أستاذ حسام.. معاك المهندس محمود.. عريس أنسة سماح السابق!”
حسام استغرب جداً، وبص لي ولأمه، وقام وقف وقال بحدة خفيفة:
* “أهلاً يا بشمهندس.. خير؟ في حاجة تخص أختي؟”
محمود قال بصوت مكسور ومنحرج:
* “والله يا أستاذ حسام أنا مستحي أتصل بيك أصلاً بعد اللي حصل.. بس أنا كان لازم أتصل وأعتذر لك وللمدام بتاعتك.. أنا بعد ما مشيت من عندكم يومها، قعدت أفكر في كل كلام المدام بتاعتك وفي رد فعل أختك المرعوب.. وحسيت إن في إنّ وإن أختك هي اللي دبرت المقلب ده عشان تداري على مصيبة تانية، أو لأنها فعلاً إنسانة مش سوية.. وأنا عملت تحريات صغيرة كده عن طريق ناس أصحابنا مشتركين، وعرفت بلاوي سودة عن سماح ومشاكلها الكتير مع الجيران وفي الشغل القديم.. وعرفت إني ربنا نجاني إني متجوزتهاش!”
حسام ابتسم بتهكم وقال:
* “الحمد لله إنك عرفت لوحدك يا بشمهندس.. وأختي مبقتش قاعدة في البيت أصلاً، وربنا يهديك ويهديها.. ألف مبروك على نجاتك.”
وقفل حسام السكة في وشّه، ورجع قعد على السفرة وهو بياخد نفس عميق، وبص لي وقال بابتسامة واسعة وباس راسي قدام أمه:
* “تسلميلي يا صفاء.. تسلميلي يا غالية، ربنا ما يحرمني منك أبداً، إنتي الأصل والنضافة كله.”
حماتي ابتسمت باصطناع وقالت:
* “مبروك يا ابني.. يلا، الحمد لله إن الغمة انجلت والبيت رجع له صفاوه.”
قمت جبت صينية الشاي والمهلبية اللذيذة اللي عملتها ب ايدي النضاف، وقعدت وسطهم وأنا حاسة إن تعبي وجهدي أخيرًا جابوا نتيجة، وبقى لي كرامة وكيان في بيت عيلة القاهرة.. وصرت ملكة البيت ده بجد، مش بلساني ولا بصوت العالي، بل بعقلي وصبري وذكائي.
الجزء قبل الأخير: الهدوء الذي يسبق العاصفة.. وسر عودة سماح المفاجئة!
بعد شهرين من سفر سماح واستقرار الأمور في البيت، بقى الحال أحسن بكتير. حسام بقى مهتم بيا بشكل مبالغ فيه، وكل يوم يفاجئني بهدية شكل عشان يعوضني عن الأيام السودا اللي عشتها معاه. حماتي كمان بقت تحاسب على كلامها، وحسيت أخيراً إن لي كيان وتقدير في بيت العيلة، وإن “بنت الأرياف” قدرت تثبت نفسها بذكائها مش بالصوت العالي ولا بالمشاكل.
لكن في بيت العيلة في القاهرة، السعادة مبطولش.. وزي ما بيقولوا: “اللي مفكر المية مقطوعة في حارتنا، يستنى لما الدور يجيله”.
في يوم كنت قاعدة بخلص روءة الصالة، وفجأة سمعت صوت مفتاح بيفتح باب الشقة الخارجي! استغربت جداً.. حسام في شغله ومش هيجي قبل ساعتين، وحماتي كانت ناظرة في أوضتها وتعبانة شوية، ومفيش حد تاني معاه مفتاح الشقة غير شخص واحد.. سماح!
جريت على الإدخال وأنا قلبي مقبوض، ولقيت سماح فعلاً داخلة شنطها في إيدها، ووشها أصغر من سلطانية الفول، وعينيها مورمة كأنها كانت بتعيط سنين، وراها حماتي طلعت مفزوعة من الأوضة وقالت بصدمة:
* “إيه ده يا سماح؟! إيه اللي جابك من إسكندرية من غير ما تقولي؟ وخالتك وافقت إزاي تسيبك؟!”
سماح رمت الشنط على الأرض، وقعدت على الكرسي وهي بتشهق بعياق هستيري وقالت بصوت مجروح ومنهار:
* “خالتي طردتني يا ماما! وجوز خالتي قال لي مش عايزين بنات مشاكل وخرابات بيوت في بيتنا! السيرة سبقتني لإسكندرية وكل الناس هناك عرفت باللي حصل مع عريسي محمود.. بقيت مكسورة ومحدش طايق يبص في وشي!”
حماتي اتنهدت بوجع، وقالت وهي بتطبطب عليها:
* “معلش يا بنتي.. أهوه ربك أراد، بس ابقى اهدي وأنا هتكلم مع أخوكي حسام أول ما ييجي عشان يرضى بوجودك.”
أنا كنت واقفة في جنب، ساكتة وبتفرج.. مكنش عندي أي نية أتدخل، ولا كنت زعلانة عليها، لأن اللي زرع حصد، واللي يحفر حفرة لأخيه يقع فيها. بس اللي خوفني مش رجوعها لوحدها، اللي خوفني هو النظرة اللي لمعت في عيونها وهي بتبص لي وانتقلت بسرعة لجنون خفي.. نظرة وحدة كانت بتقول إنها “لحد دلوقتي متعلمتش الدرس ومستعدة تحرق الدنيا أكتر”!
بعد ساعتين، حسام دخل البيت، وأول ما شاف أخته قاعدة في الصالة، اتجمد في مكانه، ووشه انقلب 180 درجة واتملى غضب!
صرخ في وشها وقال:
* “إيه اللي جابك هنا يا بت إنتي؟! مش أنا حلفت عليكي يمين متدخليش البيت ده تاني؟!”
سماح جريت عليه ووقعت على ركبه، وبقت تبوس رجليه وهي بتعيط وتقول بتمثيل وتوسل:
* “سامحني يا حسام.. والنبي يا أبيه سامحني! أنا تعبت واتاكلت في الغربة.. خالت طردتني ومبقاش لي مأوى غير حضنك.. ارحمني عشان أبويا الله يرحمه!”
حسام حس بلخبطة وضعف قدام دموع أخته، وبان عليه التردد، وبص لي بنظرة كأنه بيستأذنني أو بيطلب رأيي من غير ما ينطق.
أنا قربت بهدوء، وبصيت لسماح اللي كانت بتبص لي بطرف عينها بنظرة خبث خفيفة حاولت تخبيها بسرعة.. وساعتها حسيت إن القصة لسه فيها فصل أخير، فصل خطير جداً، وهي بتجهز لضربة أخيرة هتحدد يا إما نخلص منها للأبد يا إما تدمر كل اللي بنيناه!
وقفت قدام حسام وقلت بصوت هادئ وثابت:
* “سيبها تقعد يا حسام.. البيت واسع، بس بشرط واحد…”
الجزء الأخير: الفصل الأخير.. ونهاية كيد العوازل
حسام بص لي بذهول وقال:
* “بشرط إيه يا صفاء؟ تقعد إزاي بعد كل اللي عملته فيكي وفينا؟!”
قلت له بثبات ونبرة واثقة:




