
اخت جوزي رمت الفطير المشلتت اللي انا عملاه قدام ضيوف جوزي وقالتلي ده كله شعر يا مقرفه، الضيوف اتقرفو جدا وجوزي كان هيطلقني، بس بعدها بشهر جيه عريس لاخت جوزي واللي عملته يومها خلاها تندم ندم عمرها على عملتها السوده وتتمنى لو ماTت قبلها !!
أنا واحدة ست على قد حالي، جيت من الارياف على بيت عيلة في القاهرة. جوزي “حسام” هو اللي اصر يتجوزني، مع إن أهله مكنوش طايقين الهوا اللي بتنفسه.
حمايا الله يرحمه كان متوفي، وماقعدش في البيت غير أمه وأخته “سماح”. حماتي كانت في حالها، بس كان باين في عيونها إنها شايفة نفسها عليا عشان أنا بنت فلاحين. أما سماح بقى، فكانت قصة تانية.. كانت شيطان في هيئة بني آدم، مبتفوتش فرصة إلا وتعمل فيها مشكلة من مفيش، وكانت بتدور على أي خرم إبرة عشان تكرهني في البيت كله.
لحد ما جه اليوم اللي حسام دخل فيه البيت ووشه منور والفرحة مش سايعاه، وقالي إن مديره في الشغل رقاه، والمدير نفسه طلب منه “الحلاوة”، وقال إنه بيموت في الفطير المشلتت اللي كان حسام بيجيبه المكتب زمان لما كنت بديله منه.
حسام عزم المدير وكذا واحد من زمايله على العشاء، وقالهم هياكلوا أحسن فطير مشلتت من إيدي.
وصاني بجد وبقى يقولي اتوصي جامد، وقالي بالحرف الواحد: “اتوصي بالفطير ومتخليش حد يحط إيده معاكي عشان يتظبط”.. كلمة قالها بعفوية من غير مابيقصد أي حاجة، وكان كل قاصده إني عشان من الأرياف فبعرفه على أصوله. بس الكلمه دي نزلت على ودن سماح زي القنبلة! اتعفرتت واتجننت، وقالت بعد ما جوزي مشي: “هو جوزك يقصد إيه بمحدش يشتغل معاكي؟ هو احنا مبنعرفش نعمل ولا إيه؟ مبسوط قوي ان مراته فلاحه؟”.. رغم قلة ادبها بس قولت عديها وقولتلها….ده بس قصده إني أنا متعوده عليه.
قمت من الفجر يوم العزومة، وطلعت أحسن ما عندي. عجنت وفردت وسويت أحسن وأطري فطير ، بمنتهى النضافة والريحة كانت جايبة آخر الشارع. ووسط ما أنا بشتغل، دخلت عليا سماح، وقالت بكل برود: “اعملي حسابي في فطيرتين ليا أنا وماما، بعيد عن بتوع الضيوف عشان نتغدى بيهم”..
أنا استغربت، بس قلت لنفسي يمكن دي بشارة خير عشان أول مرة تطلب مني حاجة بنفسها. ابتسمت وقلت لها: “من عيوني يا سماح، الفطير كله ليكي أنتِ وماما”.. وطلعت فعلاً فطيرين زي اللوز وشيلتهم ليهم على جنب.
الليل جه، والضيوف وصلوا.. ولما جه وقت الأكل، رصيت الصواني والسفرة وكانت منور والريحة تجنن. الضيوف دخلوا وقالوا الله ينور وقاموا يغسلوا أيديهم في الحمام. وفي اللحظة دي، نزلت سماح جري من فوق، وراحت رمت الفطير على الترابيزة بكل غل وغضب، وصرخت بصوت عالي وقالت:
“الله يقرفك يا شيخه! انتي هتدي الفطير ده للناس؟ ده كله شعر! يا مقرفة، سديتي نفسي الله يقرفك!”
أنا اتسمرت مكاني وبصيت لها وأنا مش مصدقة اللي بتعمله ولا بتقوله! وفي نفس اللحظة دي، كان الضيوف طالعين من غسيل الأيدي ووراها على طول.. سماح أول ما شافتهم عملت نفسها متفاجئة وقالت بارتباك مصطنع “أنا.. أنا مكنتش أعرف إن ضيوفك جم يا أبيه! سوري حقكم عليا!”
حسام اتفاجئ واتكسر قدام زمايله وبقى في نص هدومه.. الضيوف بصوا للأكل بشمئزاز، وكان فعلاً باين على الفطير االي نزلته شعر أسود كتير . قالوا بكسوف: “معلش يا حسام نبقى نيجي مرة تاني، ملناش نفس خالص”.. ومشيوا من غير ما ياكلوا لقمة واحدة.
حسام من شدة الكسوف والغضب محاولش يوقفهم، وهز راسه وسكت لحد ما خرجوا. أول ما قفل الباب، بص للفطير اللي نزلته أخته لقى فعلاً الكارثة قدامه، فانفجر فيا زي العاصفة وصرخ في وشي: “انتي كسفتني كسفة عمري! بهدلتيني قدام زمايلي! إزاي تعملي كده؟!”..
فضلت أعيط وأحلف له وأقوله والله العظيم الفطير كان أبيض ونضيف وزي الفل، بس طبعاً من كتر الصدمة والكسفة مصدقنيش ولا سمعني.. العصبية كانت عاميه، وساب البيت وخرج بغضب، وسابني واقفة مكسورة. وسماح طلعت على أوضتها وهي ميتة على روحها من الضحك، وهي ماسكة في إيدها فطيرة نضيفة من بتاع الضيوف وطلعت بيها!
قضيت الليل كله قاعدة على الأرض بعيط وببص لتعبى ومجهودي، وبدأت أفتش الفطير اللي اترمى واحدة واحدة.. لقيت إن الفطيرتين بتوع سماح وحماتي بس هما اللي كان فيهم ، وباقي الفطير اللي نزل قدام الضيوف كان نضيف وزي الفل!
و فهمت كل لعبتها الوسخه، وعرفت انها طلبت الفطرتين عشان تعمل ببهم النمره الوسخه دي!
فات شهر كامل على الليلة دي، شهر أسود حسيت فيه إني غريبة في بيتي. حسام كان بيكلمني للضرورة وبس، ونظرات الكره والكسوف منه كانت دابحة قلبي، وحماتي ولا فتحت بوقها كأن بنتها ما عملتش جناية!..حتى جوزي معاتبش اخته كان فاكر انها فعلا متعرفش ان الناس جم.
لحد ما في يوم.. جه عريس لسماح!
كان قاعد هو وأمه في الصالون ومبسوطين، وبيتناقشوا في كل تفاصيل الجواز والشبكة. وسماح كانت طايرة من الفرحة، لابسة أحسن ما عندها وقاعده بغرور وفرحه هيه وامها .
وأنا واقفة في المطبخ ببرقبهم من بعيد.. بصيت عليهم، حسيت بنار في صدري، وجه في بالي فكرة ممكن تخليني اخسر حسام للأبد!
بس وقتها مكنش عندي أي مانع أخسر أي حاجة وأبيع الدنيا.. المهم آخد حقي، وأرد لها القلم قلمين، واللي عملته فيها خلاها تتمنى لو ماtت قبل ما تعمل عملتها الوقحه!!!!!
وهنا، في تلك اللحظة الفارقة، قررت أن ألعب لعبتها، ولكن بطريقتي أنا، وبذكاء يوجع من غير ما أمد إيدي على حد. دخلت المطبخ بهدوء، وقلت لنفسي: “يا أنا يا سماح، يا إما أجيب حقي وأخليكي تندمي على اللحظة اللي فكرتي فيها تكسري نفس بنت الأرياف، يا إما أمشي مرفوعة الراس”.
جهزت أحسن وأشيك صينية ضيافة، وحطيت فيها كاسات العصير وشربات الفراولة الأحمر اللامع، ومعاهم طبق فخم مليان بتفور وبسكويت من العيد اللي فات، كنت محتفظة بيهم في علبة محكمة الإغلاق عشان الضيوف المهمين. بس قبل ما أطلع بالصينية، فتحت درج المطبخ وطلعت مقص حاد ونضيف، وقصيت خصلة صغيرة جداً، لا تكاد ترى، من شعري الأسود الطويل، ووزعتها بحذر شديد على أطراف طبق البيتي فور والبسكوتاية الكبيرة اللي في النص، بحيث تكون واضحة جداً لأي حد يبص للطبق بتركيز.
طلعت بالصينية وأنا حاطة في عيني نظرة انكسار مصطنعة، وابتسامة مهذبة تخفي تحتها بركان. دخلت الصالون، وعريسها قاعد جنب أمه، وحسام قاعد قصادهم ووشه منور بالفرحة لأخته، وحماتي بتوزع ابتسامات الرضا. قربت بحذر، وقدمت الصينية لأم العريس الأول، وبعدين لعريسها “محمود”، اللي كان شاب شيك وشارب شاي ورادد إشرافه على الشغل في مكان مرموق.
سماح بصتلي بنظرة كلها انتصار وغرور، وقالت بصوت عالي تسمع الكل:
* “تسلم إيدك يا مرات أخويا.. كتر خيرك إنك تعبتي نفسك مع إننا قلنا لك مش لازم تطلعي، بس طبعاً أكل الأرياف بيحب المنظرة!”
الكلمة نزلت على حسام زي القلم، بس سكت عشان ميحرجش الضيوف. أنا ما ردتش عليها، بل بالعكس، نزلت راسي بتواضع مزيف وقلت:
* “بالهنا والشفا يا سماح.. تعبكم راحة، وأنا حبيت أعمل الواجب مع عريسك الغالي.”
محمود العريس مد إيده بكل ذوق عشان ياخد واحدة بيتي فور من الطبق الفخم، وقال بابتسامة:
* “تسلم إيدك يا مدام.. تعبتي نفسك والله.”
في اللحظة دي بالضبط، وقبل ما صباع محمود يلمس البسكوتاية، عملت نفسي كأني لاحظت مصيبة! فتحت عيني بخلعة مصطنعة، وصرخت صرخة خفيفة ومفزوعة، وشددت على الصينية بإيدي الإتنين كأني ببعدها عنه:
* “يا نهار أبيض! استنى يا سي محمود! أوعى تاخدها!”
الكل اتفزع في قعدته! محمود شط إيده لورا باستغراب، وحسام نط من مكانه وقال بعصيّة ووشه احمر من الكسوف:
* “إيه في إيه؟ مالك يا ولية جنطتينا ليه؟ جرا إيه؟!”



