منوعات

حكايات زهره 1

حماتي بصتلي بغضب وقالت: “فضحتينا يا بت.. في إ ايه قطعتي شركتنا؟!”
أنا مثلت الارتباك الشديد، وبقيت أترعش وأقول بصوت مهتز وكأني خايفة على مصلحة العيلة:
* “واللهِ العظيم ما أقصد أزعجكم يا جماعة.. بس.. بس أنا لسه شايفة بعيني.. البسكوتاية دي عليها.. عليها شعر أسود طويل! خفت سي محمود يشوفه فيتحرج أو يتقرف.. أنا آسفة واللهِ، العتب على نظري، مكنش قصدي أبداً أبوظ القعدة!”
الكلمة نزلت زي الصاعقة على الصالون كله!
محمود بص للطبق بتركيز، وفعلاً لقى خصلة الشعر السوداء الطويلة واضحة وبارزة فوق البيتي فور الفاخر. ملامح وشّه اتغيرت في ثانية واحدة، والانطباع الجميل اللي كان أخده عن البيت انقلب 180 درجة لشعور بالاشمئزاز. سحب إيده لورا بسرعة وقال ببرود وقرف:
* “شعر؟! إيه ده؟! هو إنتوا البيت عندكم ملوش صاحب ولا إيه؟ إيه قلة النضافة دي؟!”
سماح اتفاجئت، ودمها نشف في عروقها، ووشها أصفر وبقى لون الورقة البيضاء. نطت من مكانها وقالت بصوت متهدج وبتترعش:
* “لا يا محمود.. واللهِ أبداً! دي كدابة! دي بتتبلى عليا وعلى البيت! والله البيت عندنا بينضف كل ساعة ومافيش الكلام ده!”
أنا دمعت عيني بسرعة (تمثيلية بمهارة)، وبصيت لحسام وقلت بصوت مكسور:
* “يعني أنا يا حسام اللي بكدب؟ يعني أنا اللي بحط شعر في الأكل عشان أبوظ فرحة أختك؟ ما هو يا جماعة.. الفطير بتاع زمايل حسام من شهر اتقال عليه نفس الكلمة بالضبط، والكل اتقرف ومشي.. ودلوقتي أهوه البيتي فور اللي في صالون الضيوف وفي قلب بيتي طالع فيه نفس الشعر الأسود الطويل! هو أنا اللي بشعر في الأكل ولا إيه؟ ولا يمكن.. يمكن البيت هنا فيه عفريت بينط في الصواني لوحده؟!”
الكلمة دي كانت هي “الضربة القاضية” اللي ربطت الخيوط ببعضها في دماغ حسام!
حسام برّق في أخته، وجريت في دماغه أحداث ليلة الفطير المشلتت زي الشريط.. افتكر إن مافيش حد دخل المطبخ يومها غير سماح وهي بتطلب الفطيرين، وافتكر إن الفطير اللي نزل للضيوف بس هو اللي كان مدمر، وباقي البيت كان نضيف.. وافتكر نظرات سماح الخبيثة وهي طالعة تضحك وفاتحة الفطيرة!
حسام فهم اللعبة كلها في أقل من ثانية، وعرف إن أخته هي هي اللي حطت الشعر يومها عشان تكسفه قدام مديره وزمايله، وإنها هي السوسة اللي خربت عليه بيته ونكدت عليه شهور!
عرق الإحراج والغباء فك من عيون حسام، وتحول لشرار غضب أعمى. بص لأخته بصة مرعبة خلتها تعيط وتترعش في مكانها.
أما محمود (العريس)، فبص لأم سماح وقال بحدة وهو بياخد جاكيته:
* “أنا أول مرة أجي البيت ده، وشكلها آخر مرة.. إيه القرف ده وإيه البيئة دي! ناس مش محترمة وبتتبلى على بعض، وأكل مليان شعر! أنا ماليش قعاد هنا.. عن إذنكم!”
أم سماح قامت زي الممسوسة تصوت وتلطم على وشها وتجري ورا العريس تقول:
* “يا سي محمود استنى.. البت غلبانة والله دي حرباية مرات اخوها.. استنى يا ابني اسمعني!”
لكن محمود ولا كأنها موجودة، سابهم وطلع وراخس الباب وراه برزع قوي هز البيت كله.
سماح وقعت على الكرسي مشدوهة، وصرخت صراخ هيستري وبقت تعيط وتلطم وتقول:
* “ضيعني.. العريس راح.. هبببببت ايه يا ربى.. دي هي.. دي الحرباية اللي طفشته!”
لكن حسام ما أتاش فرصة لأخته تنطق حرف تاني. قام وقف وقفة رجل غضبان، ووجه صوته اللي كان زي الرعد في البيت كله، وبص لسماح وقال بصوت مليان قهر وغضب ساطع:
* “اخررررسي خالص.. اخررررسي يا بت الكلب! فهمت.. فهمت دلوقتي إنتي عملتي إيه من شهر! فهمت ليه زمايلي مشيوا مكسوفين! إنتي اللي حطيتي الشعر في الفطير يا حيوانة.. إنتي اللي كسفتيني قدام مديري وخليتي مراتي تطفش وتبكي شهور وأنا ظالمها! إنتي شيطانة.. شيطانة بجد!”
حماتي وقفت تصرخ وتقول: “يا حسام دي اختك! إزاي تقول عليها كده عشان مراتك الفلاحة؟!”
رد حسام بصوت مجنون، وهو بيبص لأمه وأخته بنظرة عمرهم ما شافوها:
* “سكت بما فيه الكفاية يا امي.. وسماح دي لو قعدت دقيقة كمان في البيت ده هرميها في الشارع.. بوظت بيتي، وربنا جاب حق مراتي قدام عينيها في نفس اللحظة!”
سماح قعدت على الأرض تلطم وتصرخ بانهيار تام، وتتمنى لو الأرض تشق وتلعها، وتندم ندم عمرها على اللحظة اللي فكرت فيها تكيد لي وتدبر لي المكايد، وبقت تعيط وتقول بصوت منشج: “ياريتني مت قبل اليوم ده.. ياريتني مت وماشفتش المنظر ده!”
أنا دخلت المطبخ بهدوء، ومسحت الدمعة اللي كانت على خدعي، ووقفت أشرب كوباية مية وأنا حاسة إن قلبي برد أخيراً، وإن ربنا سبحانه وتعالى لا يرضى بالظلم أبداً، ومهما طال الليل، صبح الحق لابد يظهر وينور.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى