
بعد ما وافقت على طلبات فاطمة، خلصنا كل الإجراءات القانونية، واتكتبت نص الأملاك والفلوس باسم ولادي، وبقت فاطمة هي المسؤولة عن إدارة نصيبهم والحفاظ عليه لحد ما يكبروا ويقدروا يتصرفوا فيه بنفسهم.
وبعدها تم الطلاق رسميًا.
أنا بصراحة كنت حاسس إني خلصت من حمل كبير، وابتديت أجهز لجوازي من ليلى، خصوصًا إن شريف البدري كان مستني مني أخلص الموضوع عشان نبدأ المشروع.
وبالفعل، بعد فترة قصيرة اتجوزت ليلى، وكانت فرحانة جدًا بالجوازة، وشريف عملنا فرح كبير حضره رجال أعمال وشخصيات مهمة.
أما فاطمة، فكانت بعيدة عن كل ده.
ابتدت تهتم بأمور ولادها، وراحت بنفسها تتابع حساباتهم البنكية والأملاك اللي اتكتبت بأسمائهم، واتفقت مع محامي ومحاسب يتابعوا معاها كل حاجة، عشان تضمن إن محدش يقدر يقرب من حقوقهم.
وبعد ما اطمنت إن مستقبل ولادها بقى مأمّن، بدأت تهتم بنفسها.
اشترت هدوم جديدة، واهتمت بصحتها وشكلها، وبدأت تخرج مع صاحباتها وتزور قرايبها، وترجع تمارس الحاجات اللي كانت بتحبها ونسيتها وسط مسؤوليات البيت والجواز.
كانت كل ما تبص في المراية تحس إنها أخيرًا بقت شايفة نفسها، مش مجرد زوجة وأم طول الوقت.
وفي يوم، راحت مع واحدة صاحبتها لحفل خيري كبير، وهناك قابلت شريف البدري.
كان شريف موجود مع أخته ليلى، ولما شاف فاطمة راح سلم عليها بكل احترام.
قالها: «إزيك يا مدام فاطمة؟ عاملة إيه؟»
ابتسمت وقالت: «الحمد لله، إزي حضرتك؟»
قال: «أنا مبسوط إني شوفتك، وبصراحة كنت عايز أطمن عليكي من فترة».
بدأوا يتكلموا، واكتشف شريف إن فاطمة عندها شخصية قوية، وعقلية منظمة، وبتفهم كويس في إدارة الممتلكات والفلوس.
وفي وسط الكلام قالها: «واضح إنك ست قوية يا مدام فاطمة، وربنا يعوضك عن كل اللي فات».
ردت بابتسامة: «الحمد لله، أنا مش مستنية تعويض من حد، أنا بس قررت أهتم بنفسي زي ما كنت طول عمري بهتم بكل اللي حواليا».
الكلام ده فضل في دماغ شريف.
وبعد المناسبة، بدأ يسأل عنها ويعرف أخبارها، وكل مرة كان بيقابلها فيها كان بيكتشف جانب جديد من شخصيتها.
أما أنا، فكنت غرقان في حياتي الجديدة مع ليلى، ومبسوط إن المشروع بدأ يتحرك، ومش في دماغي إن فاطمة ممكن يكون ليها حياة تانية بعيد عني.
لكن الأيام كانت مخبية لينا مفاجأة ماكنتش متوقعها أنا ولا هي.
عدّى حوالي ست شهور على جوازي من ليلى، والمشروع اللي دخلت فيه مع شريف البدري بدأ يحقق نجاح كبير، وفلوسي زادت، وبقيت مشغول طول الوقت بالشغل والاجتماعات.
أما فاطمة، فكانت حياتها اتغيرت تمامًا.
بقت بتخرج وتروح مناسبات، واهتمت بنفسها، وبدأت تحضر اجتماعات تخص إدارة الأملاك اللي بقت مسؤولة عنها بصفتها وصية على أولادها.
وشريف كان بيشوفها من وقت للتاني في المناسبات، وكل مرة كان بيحترمها أكتر.
وفي يوم، كان عنده اجتماع مع مجموعة من رجال الأعمال بخصوص مشروع خيري، وفاطمة كانت موجودة لأنها بتشارك في تنظيم جزء من المشروع.
لاحظ إنها بتتكلم بثقة، وعندها قدرة على إدارة الأمور، ولما حصل خلاف بين اتنين من الموجودين، قدرت تحله بهدوء ومن غير ما تعلي صوتها.
بعد الاجتماع، قرب منها وقال: «بصراحة يا فاطمة، أنا كل مرة بتعامل معاكي باكتشف إن عندك شخصية مختلفة».
ضحكت وقالت: «دي مجاملة ولا تقييم أداء؟»
ضحك وقال: «الاتنين، بس أنا بتكلم بجد».
ومن اليوم ده، بقى فيه تواصل بينهم، في البداية في حدود المناسبات والشغل، وبعدها بدأ شريف يتصل بيها يطمن عليها ويسألها عن أحوالها.
كان راجل محترم، مش بيحاول يفرض نفسه عليها، وده خلاها ترتاح في التعامل معاه.
وفي مرة، قالها إنه أرمل من خمس سنين، وإنه بعد وفاة مراته قفل على نفسه ومابقاش بيفكر في الجواز.
سألته: «طب وإيه اللي غير رأيك؟»
بصلها وقال: «يمكن قابلت إنسانة خلتني أفكر إن لسه ممكن الواحد يبدأ من جديد».
فاطمة فهمت قصده، لكنها فضلت ساكتة.
أما أنا، فكانت حياتي مع ليلى بدأت تدخل في مشاكل.
ليلى كانت بتحب الخروج والسفر والمظاهر، وكل شوية تطلب مني أشتري لها حاجة جديدة، ولما كنت برفض كانت تقولي: «إنت مش بتبخل على نفسك بحاجة، لكن لما الموضوع ييجي عندي بتفكر في الفلوس!».
وفي نفس الوقت، بدأت التانية والتالتة والرابعة يشتكوا من اهتمامي بليلى، وكل واحدة شايفة إن ليها حقوق أكتر من الباقيين.
كنت بحاول أرضي الكل بالفلوس، لكن المشاكل ماكانتش بتخلص.
وفي يوم، وأنا في مكتبي، دخل عليا واحد من الموظفين وقال: «يا باشمهندس، أستاذ شريف البدري على التليفون».
رديت عليه، وبعد السلام والكلام في الشغل، شريف قال لي: «محمود، عايز أطلب منك طلب شخصي».
قلتله: «اتفضل يا شريف بيه».
قال: «أنا بفكر أتجوز، وعايزك تكون أول واحد يعرف».
ضحكت وقلت: «ألف مبروك يا راجل، مين سعيدة الحظ؟»
قال بمنتهى الهدوء: «فاطمة… طليقتك».
حسيت إن حد سكب عليا مية ساقعة.
فضلت ساكت، وبعدها قلت: «إنت بتهزر يا شريف؟»
قال: «لا يا محمود، أنا بتكلم جد، وأنا عارف إنها كانت مراتك، وعارف إنكم اتطلقتوا من فترة، ومش داخل في حاجة تخصك».
قفلت المكالمة وأنا مش قادر أستوعب.
الغريب إني أنا اللي طلقتها، وأنا اللي اخترت أبعدها عن حياتي، لكن فكرة إنها تتجوز راجل تاني، وخصوصًا شريف البدري، ضايقتني بشكل ماقدرتش أفسره.
ولأول مرة من وقت طلاقنا، لقيت نفسي بسأل نفسي:
هو أنا فعلًا كنت بحب فاطمة، ولا كنت متعود إنها موجودة في حياتي ومضمونة مهما عملت فيها؟
لكن اللي كان مستنيني أصعب من مجرد خبر جوازها…
: إزاي فاطمة وافقت تتجوز؟ وإمتى بقت مستعدة تدخل راجل تاني حياتها بعد كل السنين اللي عشناها؟
مسكت التليفون وفتحت صورتها القديمة، صورة من أيام ما كنا لسه في شقة صغيرة بالإيجار، وأنا راجع من الشغل هدومي كلها أسمنت وتراب، وهي واقفة جنبي وبتضحك.
افتكرت أيام كتير، وافتكرت إنها كانت بتفرح لما أجيب لها كيلو لحمة، وكانت ساعات تبيع دهبها عشان نكمل مصاريف البيت.
لكن بدل ما أحس بالامتنان، لقيت نفسي متضايق إنها هتكون لراجل غيري.
رجعت البيت، وليلى كانت بتجهز عشان تخرج.
سألتني: «مالك يا محمود؟ وشك متغير ليه؟»
قلت: «مفيش، بس شريف البدري كلمني النهارده».
قالت: «خير؟»
قلت من غير ما أفكر: «بيقولي إنه هيتجوز فاطمة».
ليلى وقفت مكانها وبصتلي باستغراب: «طليقتك؟ هو شريف البدري هيتجوز طليقتك؟»
قلت: «أيوه».


