روايات وقصص

حكايات رشا 1

في نص الليل، حماتي اتصلت بيا وهي بتعيط ، وقالتلي بصوت مكسور:

«جوزك  يا بنتي… ابني ! وقع من الدور التاني، بس أرجوكي، مهما حصل، متجيش هنا غير بكرة!»

آخر تحذير قالتهولي خلاني أتجمد في مكاني. ليه كانت مصممة بالشكل ده إني مبقاش موجودة جنب جوزي في اللحظات دي؟ وليه كلامها مكنش داخل دماغي؟

حسيت إن فيه حاجة غلط، وإن الحكاية أكبر بكتير من مجرد  سقوط.

استأجرت عربية، وقررت أسوق مسافة تقرب من تلات ساعات وسط الضلمة والمطر، لحد ما أوصل للبيت اللي كانت حماتي بتتكلم عنه.

ولما وصلت، دخلت البيت بهدوء من غير ما حد يحس بيا، وبدأت أطلع ناحية السلم.

وفجأة، سمعت صوت مألوف جدًا بيقول جملة خلت الدم يتجمد في عروقي!

الصوت ده كان صوت جوزي نفسه!

في اللحظة دي، بدأت أفهم إن المكالمة اللي قالتلي فيها حماتي إن جوزي مات، ممكن تكون بتخبي سر عائلي محدش كان متوقع إني أكتشفه…

اسمي مايا رينولدز، عندي أربعة وتلاتين سنة، وبشتغل مشرفة عسرقة ومراجعة المخزون في سلسلة محلات سوبر ماركت كبيرة في مدينة ناشفيل.

على مدار عشر سنين تقريبًا، شغلي علّمني إزاي ألاحظ التفاصيل اللي مش راكبة على بعضها، والمواعيد اللي ملهاش أي تفسير منطقي، والأوراق اللي المعلومات اللي فيها مش بتتطابق مع الحقيقة.

واتعلمت كمان إني أراقب تعبيرات وشوش الناس، خصوصًا اللحظة اللي بيحسوا فيها إنهم نجحوا في خداع حد، وإن الكذبة اللي قالوها عدّت من غير ما حد يشك فيهم.

عمري ما تخيلت إني في يوم من الأيام هحتاج أستخدم كل الخبرة دي علشان أكتشف الحقيقة عن جوزي نفسه.

جوزي دانيال، عنده سبعة وتلاتين سنة، وصاحب شركة كبيرة لتوزيع مستلزمات الكهرباء. كنا متجوزين بقالنا حوالي ست سنين، وكنت طول الوقت فاكرة إن علاقتنا مبنية على الثقة والحب، وإن مفيش بينا أسرار ممكن تهد كل اللي بنيناه سوا.

في صباح اليوم ده، كل حاجة كانت طبيعية جدًا.

دانيال باسني على جبيني قبل ما يخرج من البيت، وبصلي بابتسامته المعتادة وقال:

«لما ترجعي، هاخدك نتعشى بره. وعد مني.»

ابتسمتله ورديت عليه:

«هفكرك بوعدك ده، متفتكرش إني هنساه!»

ضحك، وخرج من البيت، وأنا كملت يومي بشكل طبيعي، من غير ما يخطر في بالي إن الساعات الجاية هتقلب حياتي كلها رأسًا على عقب.

في الساعة حداشر بالليل، كنت لسه في الشغل، وبشرف على مراجعة للمخزون، لما موبايلي رن.

كانت حماتي باتريشيا.

أول ما رديت، سمعت صوتها وهي بتعيط بطريقة هستيرية، ومش قادرة تسيطر على نفسها.

قالتلي وسط شهقاتها:

«دانيال راح يا مايا… ابني راح مني!»

حسيت إن قلبي وقع في رجلي.

مسكت المكتب بإيدي علشان أقدر أقف، وسألتها وأنا مش مستوعبة كلامها:

«إيه؟! إنتِ بتقولي إيه يا ماما؟ حصل إيه؟ دانيال ماله؟»

فضلت تعيط شوية، وبعدين قالت بصوت متقطع:

«راح بيتنا اللي في نوكسفيل علشان يجيب شوية ورق… ووقع من الدور التاني.»

حاولت أستوعب اللي سمعته، لكن دماغي كانت رافضة تصدق.

سألتها بسرعة:

«طب هو في أنهي مستشفى؟ قوليلي اسم المستشفى وأنا هاجيلكم حالًا!»

لكن أول ما سألتها السؤال ده، لاحظت إن نبرة صوتها اتغيرت.

نَفَسها بقى متقطع، وكأنها بتحاول تفكر في إجابة مناسبة.

وقبل ما ترد، قلتلها بحسم:

«أنا جاية دلوقتي. مش هقدر أفضل قاعدة هنا وأنا مش عارفة إيه اللي حصل لجوزي.»

فجأة، صرخت في التليفون:

«لأ!»

كانت صرختها قوية لدرجة إنها خضتني.

وبعد ثواني، حاولت تهدي صوتها، ورجعت تتكلم بنبرة أهدى وهي بتقول:

«مينفعش تسوقي في الوقت ده يا حبيبتي. الدنيا بتمطر، والطريق خطر. استني للصبح وتعالي.»

بصيت للساعة قدامي، وبعدين رديت عليها:

«أنا مش فارق معايا المطر ولا الطريق. أنا لازم أشوف دانيال. هو فين دلوقتي؟»

قالت بسرعة:

«الأحسن إنك تيجي الصبح يا مايا.»

وبعدين أضافت بصوت حزين:

«حاولي تفتكريه زي ما كان، يا بنتي. متخليش آخر صورة ليه في ذاكرتك تكون صورة صعبة.»

الكلام ده زوّد خوفي بدل ما يطمني.

أنا مكنتش فاهمة هي بتتكلم بالطريقة دي ليه، ولا ليه مصممة تمنعني من إني أشوف جوزي.

سألتها عن اسم المستشفى تلات مرات.

وفي كل مرة، كانت بتتهرب من الإجابة.

مرة تتكلم عن المطر، ومرة تحكيلي عن السلم اللي وقع منه، ومرة تكرر إن كل حاجة حصلت بسرعة وإن محدش كان متوقع اللي حصل.

لكنها عمرها ما قالتلي اسم المستشفى.

ولا حتى قالتلي إذا كان دانيال اتنقل لمستشفى أصلًا، ولا مات في مكان الحادثة.

في اللحظة دي، بدأت الشكوك تدخل قلبي.

أنا شغلي كله قايم على ملاحظة التفاصيل اللي مش منطقية، وكان واضح قدامي إن في حاجة غلط في القصة دي.

لكن بدل ما أواجهها بشكوكي، قررت أتصرف بهدوء.

قلت لها بنبرة مستسلمة:

«حاضر يا ماما. خلاص، هاجي من أول النهار.»

أول ما سمعت كلامي، خرج منها نفس طويل، كأنها كانت حابسة أنفاسها طول المكالمة.

وقالتلي براحة واضحة:

«ده أحسن قرار يا حبيبتي. استني للصبح، وأنا هكون مستنياكي.»

قفلت معاها، وفضلت ماسكة الموبايل وأنا ببص للشاشة.

الغريب إن ارتياحها بعد ما وافقت إني مأجيش الليلة دي كان أكبر بكتير من حزنها على موت ابنها.

والحاجة دي خوفتني أكتر من عياطها نفسه.

لو دانيال مات فعلًا، ليه كانت مرتاحة إني مش جاية؟

وليه كانت مصممة إني أفضل بعيدة عن البيت لحد الصبح؟

بدل ما أستنى، فتحت الموبايل وبدأت أراجع آخر الرسائل اللي دانيال كان باعتها لي.

قبل المكالمة بساعات قليلة، كان باعتلي صورة لوجبة الغدا بتاعته، ومعاها تعليق بسيط بيهزر فيه عن الأكل.

كل حاجة في رسائله كانت طبيعية.

مفيش أي كلام عن سفره لنوكسفيل، ولا عن إنه رايح بيت أمه، ولا حتى عن وجود أوراق مهمة محتاج يجيبها من هناك.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى