عام

حكايات رشا 2

دخلت قسم الشرطة ومظهري كله متبهدل؛ هدومي مبلولة من المطر، وعيني مليانة إصرار ونظرة تحدي ما شافهاش دانيال قبل كده. الضابط المسؤول بص لي باستغراب وقال:
«خير يا مدام؟ متأخر كده ليه، وفي الجو ده؟»
طلعت تليفوني وفتحت الفيديو اللي صورته من جوه البيت، وورته للضابط وأنا بقول بنبرة حاسمة:
«حضرتك، أنا عندي بلاغ عن جريمة نصب واحتيال وتزوير، وجريمة شروع في تستر على جناية.. وجوزي هو البطل الرئيسي فيها!»
الضابط بص للفيديو، ومن أول ثواني، وش دانيال ولارا وهما بيتكلموا عن التابوت المقفول والمستندات كان واضح وصريح، والصوت كان عالي ومسموع. الضابط اتعدل في قعدته وانتبه تمامًا، وطلب قوة فورية للتحرك معاي لبيت حماتي في نوكسفيل.
الهجوم واللحظة الحاسمة
بعد أقل من ساعة، كنا محاصرين البيت من كل الاتجاهات عربيات الشرطة وقفت في المدخل من غير ما تفتح فوانيس أو تعمل أي صوت، وكأنها عاصفة هتهب فجأة.
دخلنا البيت، وفجأة اتفتح باب الأوضة فوق، وطلع دانيال وهو بيقول بصوت عصبي:
«يا أمي، قلتلك ما حدش يخبط…»
وسكت تمامًا أول ما شافني واقفة في وسط صالون البيت، وورايا تلات ضباط شرطة بسلاحهم!
وشّه اصفر وبقى أبيض زي الورقة، ولارا طلعت وراه وبصت لي بصدمة وذعر شديد وهي بتترعش. حماتي نزلت من الأوضة التانية وهي بتصوت وتلطم على وشها، وقالت بصريخ:
«يا نهارنا أزرق! إيه اللي جابك يا مايا؟ مش أنا قلتلك تعجي الصبح بعد ما كل حاجة تخلص؟»
بصيت لحماتي نظرة كلها استخفاف ورديت عليها ببرود:
«معلش يا ماما، أنا بطبيعتي بحب أراجع المخزون بنفسي، وملقيتش أصدق لجوزي “الميت” ختام أحسن من الحبس الحقيقي!»
الضابط تقدم خطوة وقبض على دانيال ولارا، وقال بصوت حازم:
«دانيال رينولدز، متهم بتزوير أوراق رسمية، والاحتيال المالي للتهرب من الديون، والتخطيط لجريمة خداع للسلطات. اتحركوا قدامي!»
المفاجأة الأكبر في التحقيقات
في قسم الشرطة، وتحقيقات النيابة اللي استمرت لغاية طلوع النهار، بدأت كل الخبايا تظهر وتنكشف.
مش بس دانيال كان هارب من ديون بنكية تفوق المليون دولار، ده طلع كمان كاتب كل أصول الشركة بأسماء وهمية تخص لارا، وكانوا ناويين بعد ما “يدفنوني” معنويًا ويأمنوا على حياتي أو يخلوني أمضي على التنازلات، يهربوا بره البلاد برصيد ضخم من الفلوس الحرام.
ولما واجهوه بالفيديو وبكل المستندات اللي لقوها في الأوضة، دانيال انهار تمامًا، وبطل ينطق حرف واحد، ونزل راسه للأرض وهو حاسس إن السحر انساح على الساحر.
نهاية المطاف
الصبح جه.. الشمس طلعت ونورت شوارع ناشفيل ونوكسفيل، بس مكنش فيه أي تابوت مقفول، ومكنش فيه أي جنازة مزيفة.
الناس اللي كانت متجمعة بره البيت عشان تقدم الواجب، اتفاجئت بالشرطة وهي مخرجة دانيال ولارا بالكلابشات، وحماتي وهي قاعدة بتعيط بجد المرة دي، بس مش على ابنها، بل على الفضيحية اللي دمرت عيلتهم للأبد.
أنا وقفت قدام عربية الشرطة، رفعت راسي بكل ثقة، وبصيت لدانيال للمرة الأخيرة وهو بيبصلي بنظرة كلها ندم وخوف.
قلت لنفسي بهدوء:
«دانيال.. كان المفروض تفكر كويس قبل ما تحاول تخدع مشرفة مكافحة السرقة ومراجعة المخزون.. لأن التفاصيل الصغيرة هي دايمًا اللي بتوقع الكبار!»

الفصل قبل الأخير: اللعبة انكسرت… واعترافات الكواليس المظلمة
الضجيج اللي كان ملازم قسم شرطة نوكسفيل هدأ تدريجيًا مع إشراقة شمس يوم جديد، بس جدران القسم كانت شايلة حكايات تانية خالص عن الجشع والطمع. في غرفة التحقيقات الرئيسية، الكشافات العالية كانت مسلطة على وش دانيال، اللي كان قاعد وكاتف إيديه وهو بيترعش من القهر والخوف. قصاده، كان المحقق رئيس المباحث قاعد بكل هدوء، وفارد على الترابيزة ملفات ضخمة ومستندات مالية خطيرة لقاها البوليس جوه الخزنة السرية في بيت أمه.
المحقق خبط بإيده على الترابيزة وقال بصوت حاد:
«بص يا دانيال، اللعبة خلصت تمامًا! الأوراق دي مش مجرد ديون بنكية عادية، دي مستندات مزورة لبيع أصول شركتك لصالح شركة وهمية تملكها لارا بالكامل! يعني حضرتك كنت نااتب تسرق فلوس الموردين، وتعلن إفلاسك الوهمي، وتعمل جنازة وهمية عشان تختفي بره البلد بمعاونة والدتك ولارا! الكلام ده معقوبة عليه بالسجن عشر سنين على الأقل في قضايا تزوير ونصب وتآمر.»
دانيال بلع ريقه بصعوبة، وشفايفه كانت ناشفة وبتترعش. حاول يتكلم بصوت مهزوز ومبحوح:
«أنا… أنا مكنتش ناوي أذي مايا بجد… أنا بس كنت مضغوط، الديون كانت على رقبتي، والشركات الكبيرة هددوني بالحجز… مايا مالهاش ذنب، هي مكنتش تعرف حاجة، سامحوني!»
في اللحظة دي، كنت واقفة بره غرفة التحقيق، باصة من ازاز المرايا العاكسة، وشايفة انهياره التام. حسيت بغصة في قلبي، مش حزن عليه، بل استسخاف لمدى حقارة البني آدم لما الطمع يعمي عينه. ست سنين جواز، وكنت فاكرة إني أعرف كل تفصيلة عنه، وطلع في الآخر عبارة عن “عجز مالي وأخلاقي” كبير محتاج يتراجع ويتعمل له جرد نهائي ويترمى في سلة المهملات!

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى