
المحقق بصلي من خلال الازاز، وشاور لي بإيده عشان أدخل. فتحت باب الغرفة، وخطوت جوة بخطوات ثابتة وقوية، صوت كعب حذائي على الأرض الخرسانية كان بيتردد بانتظام، كأنه نبضات إصرار لا تقبل الهزيمة.
أول ما دانيال شافني دخلت، وطى راسه في الأرض تمامًا، وقال بصوت مكسور ميكسفش منه:
«مايا… أرجوكِ… أنا عارف إني غلطت في حقك… أنا كنت غبي…»
قعدت على الكرسي المقابل ليه، وبصيت له بنظرة هادية وباردة خالية من أي دموع أو ضعف. قلت بصوت حاسم:
«توفير الكلمات لنفسك يا دانيال أجدى لك بكتير. أنا طوال عشر سنين في شغلي كمشرفة مكافحة سرقة ومراجعة مخزون، شغلي كله قايم على إن ألاحظ العجز، وأكشف الفروق الوهمية بين الورق والحقيقة، وأصطاد الحرامية اللي بيكذبوا بكل ثقة. بس عمري ما تخيلت إن أكبر عملية “اختلاس وسرقة أمانة” هقابلة في حياتي، هتكون من جوزي وشريك عمري اللي باعتني عشان يهرب بجلد فلوسه!»
لارا كانت قاعدة في غرفة التحقيق اللي جنبنا، ومنهارة من العياط وبتصرخ وبتلوم دانيال وبتقول للمحققين إنه هو اللي خطط لكل حاجة وإنه هو اللي هددها وضغط عليها عشان تمشي معاه في السكة دي. وحماتي باتريشيا كانت قاعدة بره في الاستراحة، حاطة إيدها على وشها وبتعيط بدموع حقيقية، مش عشان ابنها هيتتحبس، بل لأن الفضيحة بقت في كل شبر في البلد، وبقت عيلتها اللي كانت بتباهي بيها على كل لسان.
المحقق كمل كلامه وقال:
«يا مدام مايا، بشهادتك، وبالفيديو الصريح اللي صورتيه، وبالمستندات اللي لقيناها في البيت، القضية أصبحت متكاملة الأركان ومفيش فيها أي ثغرة. النيابة أصدرت قرار بحبس دانيال ولارا أربعة أيام على ذمة التحقيقات، وتحويل باتريشيا للتحقيق بتهمة التستر ومساعدة مجرم على الهروب من العدالة.»
قمت من على الكرسي، ظبطت جاكيت بتاعي بهدوء، وبصيت لدانيال للمرة الأخيرة وقلت:
«التابوت اللي كنت مجهزه ليا ولشخصيتي عشان تمسح وجودي القانوني وتحط فيه فلوسك الحرام… طلع في الآخر هو السجن اللي هتدفنه فيه وأنت حي يا دانيال. بكرة الصبح، هيكون عندي ميعاد مع المحامي عشان أرفع قضية طلاق للضرر، وأطالب بكل حقوقي المالية والقانونية، ومش هسيب مليم واحد سرقته من تعب السوق والموردين.»
دانيال رفع عينه وبصلي بنظرة كلها رعب وندم، بس مكنش فيه أي كلام يقال.
خرجت من قسم الشرطة، وفتحت باب العربية، وطلبت من السواق يتحرك بينا رجوعًا لناشفيل. ولما الشمس طلعت بالكامل ونورت السما، حسيت إن الضلمة والمطر والمكالمة المرعبة اللي بدأت بيها الليلة دي، كلها راحت، وبدأت أخيرًا أكتب صفحة جديدة نظيفة وخالية من أي كدب أو تزوير.
الفصل الأخير: جرد نهائي للحياة… وبداية الصباح الحقيقي
بعد مرور شهرين على الليلة المرعبة اللي انقلبت فيها حياتي رأسًا على عقب، كان كل شيء في مدينة ناشفيل قد رجع لنظامه الطبيعي، بس النظام ده كان بيخصني أنا لوحدي وبدون أي خداع أو تزوير.
قضية دانيال ولارا وحماتي باتريشيا أخذت صداها الواسع في الصحف المحلية ودوائر رجال الأعمال. الثغرات المالية اللي دانيال حاول يستغلها لصالحه، انقلبت ضده وضد شبكة الشركات الوهمية بتاعته. المحكمة أصدرت حكمها النهائي: سبع سنوات سجن مع الشغل لدانيال بتهمة الاحتيال المالي الجسيم وتزوير أوراق رسمية، وخمس سنوات للارا، بينما خرجت باتريشيا بكفالة مع مراقبة قضائية بسبب سنها وحالتها الصحية اللي انهارت تمامًا بعد الفضيحة، وفقدت كل احترام ومكانة كانت بتباهي بيها وسط جيرانها وأهل البلد.
أما أنا؟ فأنا مايا رينولدز… المرأة اللي شغلتها الأساسية هي مكافحة السرقة ومراجعة المخزون، ماكتفتش بس بكشف جريمة جوزها، ده أنا قدمت تقرير مفصل وموثق لكل التلاعبات المالية للجهات القضائية، وهو ما ساعد الشركات المتضررة تسترد جزء كبير من حقوقها المسلوبة.
في الصباح ده، كنت واقفة قدام مكتب الكتالوجات والمخزون في سوبر ماركت ناشفيل الكبير، لابسة بداتي الرسمية، وممسكة بيدي جهاز الباركود المحمول.
رئيس الإدارة دخل عليا المكتب بابتسامة واسعة، وحط على مكتبي قرار ترقيتي الرسمية لمنصب “مديرة عامة لإدارة المخاطر والرقابة الداخلية” في كل فروع السلسلة بالولاية، وقال بتقدير:
«يا مايا، لو مكنش تركيزك العالي وقدرتك الخارقة على ملاحظة أصغر التفاصيل، كنا زمانا واقعين في كارثة مالية بسبب الموردين الوهميين بتوع شركة جوزك السابق. أنتِ أثبتِ إنك مش بس شاطرة في شغلك، أنتِ حارسة حقيقية للحق.»
ابتسمت بهدوء، وبصيت للقرار الورقي اللي قدامي، وحسيت براحة غريبة تملأ قلبي. فكرت في دانيال، وفي التابوت الوهمي اللي كان مجهزة عشان يدفن فيه حياتي وشخصيتي، ولقيت إن الحياة دايمًا بتعيد ترتيب أرقامها صح، وإن اللي يبيع الأمانة، مكانه الحقيقي هو سلة المهملات القانونية.
وقفت قدام الشباك الكبير لمكتبي، بصيت للشمس الساطعة وهي مالية الشوارع، وشربت فنجان القهوة بتاعي وأنا بقول لنفسي بثقة تامة:
«الحسابات السليمة… بتعمل أصحابها عظماء، والتفاصيل الصغيرة هي دايمًا مفتاح الحقيقة مهما طال الليل!»



