
سحبت نَفَسي بالعافية والرعب جمد الدم في عروقي وأنا باصة من الشباك. مصطفى واقف في نص الشارع، وشه محروق بالغل والغلظة، ماسك في إيده مطواة بتلمع تحت إضاءة عواميد الشارع، وجنبه اتنين من أصحابه ساندينه. وفي الناحية التانية، عمار واقف بقميصه الأبيض، ثابت زي الجبل، ما اتهزش ولا رجع خطوة لورا.
مصطفى كان بيصرخ بصوت هيستيري هز الحارة كلها: “اطلعلي يا عمار! فاكر نفسك راجل لما تتجوز مطرحي؟ فاكر إنك هتاخدها بسهولة كدة وتكسر عيني قدام الناس؟ والله ما هيكون ليها راجل غيري، ولا هتفرح بيك ولا هتدخل بيك!”
الناس في الشارع بدأت تتجمع، الكبار بيحاولوا يمسكوا مصطفى ويحوشوه، والشباب واقفين متسمرين. في اللحظة دي، دخل أخويا أحمد الأوضة يجري، وشافني واقفة عند الشباك برتعش. بص من الشباك، وشاف المنظر، عيونه أحمرت من الدم وزعق: “الواطي ده جاي لحد حارتنا ؟” ونزل يجري على السلم وزي المجنون
حاولت أصرخ وأمسكه بس مالحقتوش. جريت على الشباك تاني، وشوفت عمار بيدهس على الكبرياء الخايب بتاع مصطفى. عمار رفع إيده وهدى الناس اللي بتتجمع وقرب خطوات هادية من مصطفى، نبرة صوته كانت طالعة مسموعة للشارع كله، هادية بس تصدي النحاس:
– “انزل بإيدك يا مصطفى بدال ما أكسرهالك. أنت جيت لحد هنا فاكر إننا بنخاف من السلاح؟ أنت رميت بنية أطهر منك ومن أهلك بكلمة باطل، وعمك الحاج زناتي ايداك بجميلك ورمالك كرتوناتك في وشك. ندى بكرة هتبقى مراتي على سنة الله ورسوله، وأي حرف ينطق بيه لسانك بعد النهاردة، مش هيكون حسابه في الحارة.. هيكون حسابه تحت جزمتي.”
مصطفى اندفع بتهور ورفع المطواة في وش عمار وهو بيصرخ: “مش هسيبها لك يا عمار!”
قبل ما المطواة تطول قميص عمار، أحمد أخويا كان نزل ومسك إيد مصطفى من ورا وعصرها بقلة رحمة، المطواة وقعت ترن على الإسفلت. عمار ما استناش، أخد خطوة لقدام وضرب مصطفى بنية صافية في وشه، ضربة خلته يترمي على الأرض وعينيه تزوغ. أصحاب مصطفى أول ما شافوا المنظر والرجالة اتجمعت عليهم من كل حتة في الحارة، جريوا وشالوا مصطفى وهو بيتمتم بكلام مش مفهوم ودمه مغرق وشك.
الحاج زناتي نزلت خطواته التقيلة على السلم، وقوفه في الشارع كان له هيبة. اتكلم بصوت عالي قدام أهل المنطقة كلهم: “يا أهل الحارة، الشرف اللي يتصان بالمطوة مش شرف، احنا ناس بنعرف الأصول والرجولة، والندل مالوش عيش وسطنا. الفرح في ميعاده والشبكة الخميس، واللي عنده حق عند الحاج زناتي ييجي ياخده!”
الشارع كله اتملى بالتكبير والتهليل، والشباب شالوا عمار على الكتاف. أنا كنت واقفة ورا زجاج الشباك، الدموع نازلة على خدي بس مش دموع قهر.. كانت مزيج مرعب من الخوف والارتياح.
طلعت الشقة فوق، وعمار دخل مع أبويا وأحمد. كان ايده بسيط من السحب، طلعت أجرى جبت القطن والسبيرتو. قعد على الكنبة وأنا قربت منه وإيدي بترتعش، مسكت إيده عشان أطهرها. بصلي لعيني مباشرة، وعينيه كان فيها كمية حنية أذابت كل الخوف اللي جوايا.
– “خايفة يا ندى؟” سألني بصوت واطي ومتروس أمان.
هزيت راسي وقولت بصوت مبحوح: “خايفة عليك يا عمار.. مصطفى مش هيسكت، ده اتكسر قدام المنطقة كلها، والغل بياكل فيه.”
عمار ابتسم ابتسامة هادية وطبطب على إيدي اللي كانت بتلف الشاش: “اللي بيصرخ كتير يا ندى ما بيبعضش. مصطفى فاكر إن الكرامة أوعية بتتباع وتشتري، وما كانش متوقع إن في راجل واقف وراكي مش هيسمح له يلمس شعرة منك. الخطوبة بكرة، والشقة اللي جهزتوها بالهم أنا هغير مفاتيحها، والفرش هيتغير كلياً، ومش هخلي في حياتك ذكرى واحدة تفكرك باليوم اللي شك فيكي فيه.”
جت ليلة الخميس.. ليلة الخطوبة.
البيت كان متزين بالنور، والأغاني طالعة من البلكونة تهز الشارع. لبست فستان أزرق ملكي، وكنت طالعة زي الملكات. الحارة كلها كانت واقفة تحت البيت، والنساء بيزوغروا. مصطفى وأهله كانوا قافلين شبابيكهم وستائرهم كأنهم في مأتم، الخيبة كانت ردمت عليهم.
نزلنا الصالة، وعمار جاب الشبكة.. دهب يملى العين، لبسهولي وهو بيبص في عيني وبيقول قدام الكل: “الدهب ده مش عشان أشتريكي، الدهب ده عشان أعرف الناس إنك غالية، واللي يفكر يسترخصك أدوسه برجلي.”
كل حاجة كانت ماشية زي الفل، والموسيقى شغالة والناس فرحانة، لحد ما الساعة جاب 11 بالليل..
تليفون عمار رن. استأذن وطلع يقف في البلكونة يرد.
أنا عيني كانت عليه، شوفت ملامح وشه بتتغير تدريجياً من الابتسامة للجمود التام. مسك السور الحديد بتاع البلكونة وإيده اتشنجت.
قربت منه بخطوات هادية وسألته: “في إيه يا عمار؟ مين اللي بيكلمك؟”
عمار بصل بطريقة خلت قلبي يقع في رجلَي.. قفل التليفون وحطه في جيبه وقال بنبرة مليانة غموض وتهديد:
– “مصطفى عمل الحركة الأخيرة بتاعته يا ندى.. فاكر إنه كدة بيلوي دراعنا.”
– “عمل إيه؟ تنطق يا عمار بالله عليك!”
عمار قرب مني وقال بصوت واطي عشان محدش من الضيوف يسمع: “مصطفى راح القسم النهاردة، ومقدم بلاغ فيا وفي أحمد وفي عمي.. ومقدم مع البلاغ صورة شهادة العذرية اللي أنتِ عملتيها، ومزور عليها كلام وكاتب إننا أجبرناه يسبك وإن الشهادة دي اتعملت تحت التهديد، والشرطة جايين حالاً على البيت عشان ياخدوا أحمد وعمي للتحقيق!”
سادت حالة من الرعب والجمود داخل الصالة، الأغاني اللي كانت بتهز البيت اتقطعت فجأة، وزغاريد الستات تحولت لتهامس ووشوشة مرعوبة. أبويا الحاج زناتي وقف من مكانه بجسمه المشدود، وأحمد أخويا اتنطر من جنبه وعينيه بتطق شرار.
– “بلاغ إيه وتزوير إيه يا بني؟” أبويا اتكلم بنبرة حادة بس ثابتة، وهو بيبص لعمار: “الندل فاكر إن التلفيق هيخليه يكسر طوقنا أو يوقف الفرح؟”
عمار حط إيده على كتف أبويا وابتسم ابتسامة واثقة هدت النفوس شوية: “اهدى يا عمي الحاج.. مصطفى في رمق خيره الأخير، فاكر إن لما يروح القسم ويلفق قصة إننا هددناه وأجبرناه يسيب ندى ورجعنا له حاجته بالدراع، إنه كدة بيلوي دراعنا. هو غبي، وما يعرفش إن الحق ما لما يكون وراه رجالة.”
قبل ما عمار يكمل كلامه، جرس الباب رن. رنة هادية ورسمية، نزلت على قلوبنا زي المية الثلج. أحمد راح فتح الباب، وكان واقف برة أمين شرطة ومعاه اتنين مخبرين. أمين الشرطة بص لأبويا بوقار وقال: “مطلوب الحاج زناتي والأستاذ أحمد والأستاذ عمار في مركز الشرطة.. في بلاغ مقدم ضدكم من المواطن مصطفى.”
أبويا مسك عصايته ورفع راسه لفوق: “احنا تحت أمر القانون يا بني، اللي مفيش في بطنه بطيخة صيفية ما يخافش من حاجة.”
جيت أجري على عمار والدموع مغرقة وشي، مسكت في أكمام قميصه وأنا برتعش: “عمار.. متسيبنيش، أنا السبب في كل ده! الشهادة الملعونة دي هي اللي أذتكم!”
عمار مسك إيدي بين إيديه الاثنين، وضغط عليها بدافئ شديد، وبص في عيني بنظرة رجولة عمري ما هنسى شكلها: “عيني في عينك يا ندى.. الورقة اللي عملتيها عشان تكسري عينه، هتكتم أنفاسه بالقانون. مسافة سكة وراجعين، والعهد اللي بيني وبينك مش هيهزه بلاغ كاذب من عيل مكسور.”
نزلت الرجالة على القسم، والبيت تحول لمأتم هادي. أُمي قاعد تسبح وتدعي، وأنا محبوسة في أوضتي باصة للسقف، حاسة إن كل خطوة بمتها عشان أصلح بيها كرامتي بتفتح عليا باب جديد من جهنم.
في القسم.. مصطفى كان قاعد وممتلئ بالشماتة، وشه المتخيط من عمار كان باين عليه الغل. أول ما شاف أبويا وعمار داخلين، وقف وزعق قدام الظابط: “هما دول يا باشا! ، وأجبروني أخد حاجتي، وعملوا شهادة زور لندى عشان يغطوا على بلاويهم شبكتي وجهازي!”


