عام

مخطوبة حكايات رومانى مكرم 2

الظابط بص لأبويا وبعدين لعمار، وقال بنبرة جادة: “إيه ردكم على البلاغ ده؟ المشتكي جايب شهادة طبية وصورة ضوئية وبيقول إنكم أجبرتوه يسيب خطيبته تحت التهديد.”
هنا عمار خطى خطوة لقدام، وطلع من جيب جيليه الداخلي محفظة جلد، أخرج منها كارت ورقي وصورة طبق الأصل معتمدة ومختومة بختم النسر.
– “يا فندم..” عمار اتكلم بصوت هادي وواثق زي المحامين الكبار: “المشتكي بيكدب ويلفق. الشهادة الطبية اللي بيحكي عنها دي، أصلها موجود معانا ومعتمدة من المستشفى الحكومي والدكتورة الاستشارية اللي كشفت على خطيبتي، والشهادة اتعملت بطلب منه شخصياً لما شك في شرف بنت عمي قبل كتب الكتاب بأسبوعين.”
مصطفى وشه اتخطف وبدأ يأتأ: “كدابين يا باشا! الشهادة دي..”
عمار قاطعه بصوت زلزل المكتب: “الشهادة أصلها أهو يا باشا ومختومة! والشهود على تسليم حاجته بالكامل هما كبارات الحارة اللي كانوا واقفين في الشارع وشافوه وهو نازل بنفسه معزز مكرم بحاجته! وأزيدك من الشعر بيت يا فندم.. البلاغ ده بلاغ كاذب وتشهير ببنت عمي الشريفة، وأنا كمواطن وخطيبها الحالي بطلب عمل محضر رد اعتبار وتشهير ضد المشتكي، وبطلب الاستماع لأقوال الدكتورة اللي أدت الشهادة نفسها!”

الظابط بص لمصطفى بنظرة صارمة جداً، وبعد ما تفحص الأوراق الأصلية وختم النسر، وتحقق من تاريخ المحاضر وكلام الشهود، اتعدل في كرسيه وبص لمصطفى وقال بغضب: “أنت جاي تضيع وقت النيابة وتستغل الشرطة في تصفية حسابات شخصية وتشهير ببنات الناس؟”
مصطفى أطرافه اتلجت، وبدأ يرجع لورا ولسانه اتعقد: “يا باشا أنا..”
الظابط خبط على الترابيزة بزعيق: “يا عسكري! حط الكلبشات في إيده! حجز على ذمة التحقيق بتهمة البلاغ الكاذب والتشهير وإزعاج السلطات!”
الصدمة كانت قاتلة لمصطفى! الكلبشات اترزعت في إيده وهو بيبص لعمار وأبويا بذهول وكسرة عمره ما حلم بيها. أبويا زناتي بص له بضحكة سخرية وقال له وهو طالع: “اللي يلعب مع الرجالة يا ابن الناس.. يستحمل الدوس!”
رجعت الرجالة البيت الساعة 3 الفجر. أول ما سمعت صوت خطواتهم على السلم، فتحت الباب وجريت. شوفت عمار وافق على العتبة، وشه بيضحك وعينيه بتلمع بالنصر.

– “مصطفى بايت في الحجز يا ندى..” عمار قالها وهو بيدخل الصالة بخطوات ملكية: “والقانون أخدلك حقك وحق كرامتك اللي حاول يلوثها.”
مرت الأيام اللي بعد كده زي السحر. الحارة كلها عرفت باللي حصل، وأهل مصطفى اضطروا يبيعوا شقتهم ويمشوا من المنطقة كلها بعد الفضيحة والعار اللي لحقهم.
وجاء اليوم الموعود.. يوم كتب الكتاب والفرح!
البيت كان متزوق بأجمل أشكال الزينة، القاعة كانت بتلمع بالنور، وأنا لابسة الفستان الأبيض اللي كنت حاسه إني عمري ما هلبسه بقلب صافي.
قعد عمار جنب الحاج زناتي، والمأذون فتح الدفتر.
المأذون بص لأبويا وقال: “موافق يا حاج زناتي تزوج ابنتك ندى للمهندس عمار؟”
أبويا بصلي وعينيه دمّعت دموع فرحة: “أنا بلمس بنتي لأجدع راجل شفته عينيا.”
والمأذون قال كلمته الشهيرة: “بارك الله لكما وبارك عليكما وجمع بينكما في خير.”
التصق صوت الزغاريد مع صوت المهرجانات، وعمار مسك إيدي وقومني عشان نرقص في نص القاعة. حطيت راسي على صدره وأنا حاسة بالأمان لأول مرة من سنة كاملة.
– “خلاص بقيتي مراتي يا ندى..” عمار همس في ودني بنبرة مليانة حب حقيقي: “والكابوس انتهى لأبد.”
ابتسمت ورفعت راسي بصيت في عينيه وقولتله: “انتهى عشان دخلت حياتي يا عمار.”
وفجأة.. وأحنا بنرقص والناس كلها حوالينا بتصفق وفرحانة، القاعة نورها أتقطع بالكامل!
وساد الظلام الدامس.. وصوت صرخة حادة من أُمي هزت المكان، وتبعتها نبرة صوت مرعبة وجاية من السماعات بتاعة القاعة نفسها، صوت كنا فاكرين إنه محبوس ورا القضبان!

الظلام كان كاحل ومُطبق على القاعة، الصوت اللي طلع من السماعات كان زي فحيح الثعبان، يسرى في العروق يجمّد الدم:
“فاكرين إن السجن بيقفل على الرجالة؟ فاكرين إن ندى هتبقى لعمار وأنا عايش؟ الليلة دي مش ليلة فرحكم.. الليلة دي ليلة حسابكم كلكم!”
الناس في القاعة بدأت تصرخ، حالة من الذعر والهرج والفرج عمّت المكان، صرخات الستات والأطفال بتشق العتمة. بس في وسط الضلمة دي، حسيت بإيد عمار الصلبة بتسحبني بقوة وبتشدني ورا ظهره، جسمه كان زي الدرع الخرساني حاميني من كل اتجاه.
– “أحمد! خلك جنب أبوك وأمي!” عمار زعق بصوت هز جدران القاعة المظلمة، ونبرته مكنش فيها أي ذرّة خوف، كان فيها غضب ابن بلد أخذ قرار ينهي المهزلة دي للأبد.
فجأة، نُور كشاف تليفون اتسلط على منصة (الدي جي)، وظهر مصطفى! وشه كان شاحب، وعينيه زايغة زي المجنون، هدومه مبهدلة، ومقصوصة إيده بتنزف دَم. مصطفى مكنش هربان من السجن، مصطفى استغل فترة إخلاء السبيل بكفالة على ذمة التحقيق عشان ييجي يرتكب جريمته الأخيرة.. وكان ماسك في إيده جركن بنزين وولاعة!
– “مش هسيبكم تتهنوا!” مصطفى صرخ وهو بيكب البنزين على أطراف القاعة وعلى الكوشة بتهور هيستيري: “أنا اتفضحت في الحارة! أهلي عزّلوا وسابوا البيت! كرامتي أتمسح بيها الأرض عشان خاطر حتة ورقة! لو ندى مش ليا.. مش هتبقى لحد!”

الناس بدأت تجري على الأبواب، والتدافع كان هيقتل القاعة.
أبويا الحاج زناتي حاول يتقدم بعصايته، بس عمار صرخ فيه: “خليك عندك يا عمي! ندى وأمي وأنت أمانتكم في رقبتي.. الندل ده حسابه معايا أنا!”
مصطفى فتح الولاعة، والشرارة كانت هتولع في البنزين اللي غرق أرضية الكوشة وسجاد القاعة. في جزء من الثانية، وقبل ما صباع مصطفى يحرك عجلة الولاعة، عمار اتحرك بسرعة الفهد. عليه، ومش بس مسك إيده.. ده ضرب إيده في السور الحديد بتاع المنصة، الولاعة طارت في الهواء والجركن اتنطر بعيد.
مصطفى صرخ من الوجع واندفع يضرب عمار بقلة حيلة، بس عمار مسكه من رقبة قميصه ورفعه لفوق، ونزل فيه بضربات متتالية كانت بتخلص حاسب كل نكَد وكل دمعة ندى نزلتها في السنة اللي فاتت.
– “دي عشان شرف بنوتة طاهرة شكيت فيها!”
– “ودي عشان دمعة عمي الحاج زناتي!”

– “ودي عشان فاكر إن الرجولة البنات يا خسيس!” (ضربة أخيرة طيرت مصطفى على الأرض مغمي عليه ودماءه مالية وشه).
في نفس اللحظة، أنوار القاعة رجعت اشتغلت بجهود أمن القاعة اللي كانوا مسكوا أصحاب مصطفى اللي قطعوا أسلاك الكهرباء برة. وباب القاعة اتفتح على وسعه، ودخلت الشرطة بتجري ومعاهم الضابط اللي كان مسك المحضر إمبارح!
الضابط بص للمنظر، شاف البنزين ومصطفى المرمي على الأرض زي الكلب ، وبص لعمار وللحاج زناتي وقال بغضب حاسم: “أنت انتهيت يا مصطفى.. الشروع في قتل وإحراق عمد وتعدي على كفالة! المرة دي هتعفن في السجن وما فيش قاضي هيرحمك!”
العساكر شالوا مصطفى وهو غايب عن الوعي، والكلبشات اترزعت في إيده للمرة الأخيرة، وخرجوا بيه قدام المعازيم اللي وقفوا يصفقوا ويهتفوا لعمار وشجاعته.
أبويا الحاج زناتي قرب من عمار، حضنه جامد وباس راسه والدموع في عينيه: “الله يرضى عليك يا بني.. أثبت إنك راجل وابن راجل، وسترت بنتي وصنت هيبتي.”
عمار التفت ليا، قميصه الأبيض كان متوسخ شوية وشعره منكوش، بس عينيه كانت بتلمع بنصر وأمان عمري ما جربته في حياتي. قرب مني، مسح دموعي بإبهامه الهادي وقال بصوت رزين حنون:
– “خلاص يا ندى.. الكابوس انزاح للشارع اللي جه منه، وما فيش حد في الدنيا دي يقدر يعكر صفو حياتنا تاني. جاهزة نكمل فرحنا؟”
هزيت راسي وأنا ببتسم من وسط دموعي، وربعت إيدي في إيده.
الموسيقى رجعت اشتغلت، والزغاريد ملأت القاعة من جديد بس المرة دي كانت أطول وأعلى. رقصنا وأحنا حاسين إننا عبرنا فوق النار وخرجنا منها أطهر وأقوى.
بعد شهرين من الليلة دي.

كنت واقفة في بلكونة شقتنا الجديدة، شقة دافية مليانة حب واحترام. عمار جه من ورايا، حط دراعاته حواليا ولفني ليه.
بصيت له وقولت بابتسامة صافية: “عارف يا عمار؟ الشهادة اللي مصطفى طلبها عشان يذلني بيها.. كانت هي السبب اللي كشفتلي خسّته، وأهدتني راجل حقيقي زيك.”
عمار ابتسم وباس جبيني وقال: “الورق يا ندى بيروح وييجي ويترمي في الزبالة.. بس الأصل والكرامة هما اللي بيعيشوا. وأنتِ أصلك دهب، والدهب ما بيحتاجش ورقة تثبت قيمته.”
وقفلنا باب الماضي برتاج من حديد، وعشت مع عمار أحلى عيشة.. عيشة ست الستات اللي كرامتها فوق الكل.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى