
ورقة الطلاق اللي رميتها على الترابيزة عملت صوت خفيف، لكنه نزل على الكل كأنه صاعقة.
آسر اتجمد في مكانه، وعيونه اتسعت بصدمة تامة، وبص للورقة وبعدين لف وشي لي وقال بصوت مهزوز وخالي من أي غرور:
“طلاق.. يا فريدة؟ بعد شهر واحد من ميلاد ابننا.. بتطلبي الطلاق عشان فيلا؟!”
الحاج محمود مد إيده البطيئة وثابتة، وسحب الورقة بخطوة وقراها بعينين حادتين، وبعدين رفع عينه لآسر وقال ببرود مرعب:
“وهي تستاهل إيه أكتر من كده يا آسر؟ أنت اللي حطيت نفسك وحطيتها في الموقف ده. افتكرت إنك لما تبني إمبراطورية وتملك المليارات، تقدر تشتري كرامة الناس وتلعب ببيتك زي ما أنت عايز؟ فريدة عملت الصح.. بس استنى.. إيه هو الشرط يا بنتي؟”
بصيت لآسر اللي كان واقف مكسور ولأول مرة في حياته مش عارف يتكلم أو يدافع عن نفسه، وقلت بصوت حاسم ومترتب:
“الشرط بسيط جداً يا جدي.. آسر يتنازل عن كل أسامي الشركات ويحول حصة النصف من أملاكه ومجموعات الشاذلي باسم ابنه ‘حمزة’ كضمانة حقيقية لمستقبله، والتنازل ده يتم تسجيله قانونياً وفوراً قدام الشهر العقاري وبإشراف محامي العائلة.”
آسر صرخ فجأة وغير تصميمه تماماً، وتقدم ناحيتي وقال بصوت مليان غضب وجنون:
“تتنازل عن نص أملاكي وباسمي؟! إنتي جننتي يا فريدة؟! تعاقبيني بالطريقة دي وتدمري شغلي كله عشان—”
“عشان أنت اللي بدأت!” قاطعته بصوت أعلى وأقوى منه وخليته يسكت مكانه.
“أنت اللي اخترت تشتري قصر لواحدة تانية وتهين اسمي قدام كل الموظفين والناس.. وأنا بطلب أمان ابني.. لو مش موافق، يبقى ورقة الطلاق دي هتروح للمحكمة بكرة الصبح، وهتاخد معاها كل فضايح الشركة وقصص القصر المسجل باسم شهد، ووقتها هشوف مين في السوق كله هيبص لآسر الشاذلي باحترام.”
الكل في الصالون كان قاعد بيراقب الصراع ده في صمت تام. عم آسر تنحنح وقال بصوت هادي:
“والله يا آسر.. فريدة معاها حق.. أنت اللي جبت ده كله لنفسك بطيشك.”
الحاج محمود سند على عصايته ووقف ببطء، وقال لآسر بصوت آمر لا يقبل النقاش:
“قدامك ساعتين تراجع نفسك.. يا إما تنفذ شرط فريدة وتصلح غلطتك، يا إما تعتبر نفسك برة عائلة الشاذلي وبرة الإمبراطورية دي كلها.. اختار.”
آسر بص لجدي، وبعدين بص لي، وبعدين بص للورقة اللي على الترابيزة. وجهه كان محمر وعروقه بارزة، وأدرك تماماً إن لعبته انتهت وإنه خسر كل حاجة.. غروره وسلطته.. ومراته اللي كانت سنده الوحيد.
قبل ما ينطق بحرف واحد، فتحت باب الصالون، شلت ابني بين إيدي، وطلعت بره القصر، وأنا عارفة كويس قوي إن اللعبة دي.. لسه في أولها.
بعد أسبوعين من ليلة الاجتماع العائلي في القصر الكبير بالزمالك، كانت الأمور في عائلة الشاذلي قد انقلبت راساً على عقب.
آسر، الملياردير المهاب اللي كان بيحرك السوق بكلمة واحدة، لقى نفسه مضطر يمضي على أوراق نقل نصف أملاكه وحصص ضخمة من أسهم مجموعة الشاذلي باسم ابنه “حمزة”، تحت إشراف كامل من محامي العائلة وبأمر مباشر من الجد محمود. ورقة الطلاق ما اتقطعتش، لكنها اتعلقت زي السيف على رقبة آسر، شرط استمرارها هو التزامه التام ببيته، وتصحيح كل أخطاء الماضي.
أما أنا.. فكنت قاعدة في جناحنا الهادي بالقصر، شايلا ابني حمزة على إيدي وببص من البلكونة على جنينة القصر الواسعة، وحاسة بانتصار هادئ وبارد. آسر بقى يرجع البيت بدري كل يوم، عيونه مكسورة، وبيحاول بكل الطرق يرضيني ويرضي ابنه، لكن الكسر اللي اتكسر جوانا ما كانش سهل يتصلح في أيام معدودة.
في اليوم ده، التليفون المحمول الخاص بيا رن. رقم غريب مسجل من برة مصر.
رفعت السماعة، وصوت أنثوي متوتر ومرتعش جه من الناحية التانية:
“مدام فريدة.. أرجوكِ اسمعيني.. دقيقة واحدة بس.”
كان صوت شهد.
ملامحي اتجمدت، وقولت بصوت حابس للأنفاس:
“شهد؟ لسة فيه كلام تاني بيننا؟ مفروض إنك استلمتي التعويض وخرجتي من الشركة ومن مصر كلها زي ما الجد أمر!”
شهد كحّت بصوت مكسور وقالت وهي بتعيط بحرقة:
“أنا مش في مصر يا مدام فريدة.. أنا في بيروت، وفلوس التعويض اللي أخدتها اتبخرت.. وآسر.. أستاذ آسر.. هو اللي بعتني هناك عشان أبعد، بس دلوقتي فيه كابوس أكبر بكتير.”
قلبي دق بسرعة، وقولت بجدية: “كابوس إيه؟ اخلصي اتكلمي بوضوح!”
شهد تنفست بصعوبة وقالت:
“الفيلا.. القصر اللي في الشيخ زايد.. مش باسمي لوحدي.. العقد اللي آسر سُجلهولي.. وراه أسرار تانية أكبر بكتير من مجرد هدية.. أستاذ آسر ما اشتراش القصر بفلوسه الشخصية.. الفلوس اتسحبت من حسابات سرية تابعة لمجموعة شركات الشاذلي.. وأنا.. أنا كنت مجرد واجهة وواحدة بتوقع على الورق من غير ما أفهم حاجة، ودلوقتي فيه ناس تانية بتهددني بالقتل لو ما سلمتهمش المستندات الأصلية اللي بتثبت تورط آسر في عمليات مالية مشبوهة!”
الكلام نزل عليّا زي الصاعقة. مش مجرد نزوة عاطفية ولا خيانة زوجية عادية.. دي جريمة مالية ممكن تودّي آسر وشركات الشاذلي كلها في داهية وتدمر العائلة من أساسها!


