
قبل ما أرد عليها، سمعت صوت خبط عنيف على باب الجناح بتاعي، وبعدين الباب اتفتح بعنف، ودخل آسر ووشه أصفر تماماً، وعيونه طايرة من الخوف، وهو بيبص لي وبيقول بصوت مرعوب:
“فريدة.. اقفلي التليفون حالاً.. إحنا في خطر!”
آسر هجم على الخط وشد التليفون من إيدي ورماه على الأرض بكل قوته لحد ما اتكسر لمية حتة، والصوت انقطع تماماً.
بصيت له بعيون كلها شرار وغضب، ووقفت قصاده بكل ثقة وأنا حاضنة ابني حمزة على صدري، وقلت بصوت حاسم:
“أنت جنيت يا آسر؟! كنت بكلمها.. كنت بفهم إيه الحكاية!”
آسر كان بياخد نفسه بصعوبة، ووشه كان باهت وأبيض زي الورق، وعرق الكابوس كان بيكسّي جبينه. قعد على الحافة ووشه بين إياديه وقال بصوت منكسر ومبحوح:
“اللعبة انتهت يا فريدة.. شهد ما كانتش مجرد مساعدة ولا مجرد نزوة.. دي كانت واجهة لشبكة غسيل أموال كبيرة بتديرها شركات تانية ضغطت عليّا عشان أشتري القصر ده ليهم، وأنا وافقت غصب عني عشان أُنقذ نفسي من ابتزازهم.. بس دلوقتي.. هما عرفوا إن الأمر انكشف وإنك عرفتي كل حاجة، وهما جايين ورايا.. ووراكم كلكم!”
قبل ما أرد عليه، النور في الجناح كله اتقطع فجأة وبقينا في ظلام تام، وسامعنا صوت عربيات بتفرمل بقوة شديدة قدام قصر الزمالك، وصوت بوابات الحديد بتخبط بعنف شديد.
آسر وقف مرعوب وقال: “وصلوا!”
لكن أنا ما خفتش.. بالعكس، نظرة التحدي لمعت في عيوني. نزلت حمزة بحنان في سريره، وفتحت درج المكتب، وطلعت الفلاشة الصغيرة اللي كنت مسجلة عليها كل نسخة من عقود الفيلا، وتسجيلات مكالمات آسر، ومكالمة شهد الأخيرة بكل تفاصيلها القانونية والمالية.
بصيت لآسر اللي كان واقف زي المتخدّر، وقربت منه وقلت ببرود تام:
“طول عمرك فاكر نفسك الذكي المسيطر اللي بيلعب بالكل.. بس غفلت عن نقطة مهمة قوي يا آسر.. فريدة الشاذلي مش الست اللي تتقهر وتسكت.”
فتحت باب البلكونة الخلفية اللي بتطلع على حديقة القصر السرية، وكنت مجهزة كل حاجة من ساعة مكالمة بيروت. رجال الشرطة وقوات الأمن الخاصة كانت محاصرة القصر من كل اتجاه بناءً على البلاغ اللي قدمته بنفسي لمحامي العائلة والنائب العام قبل دقايق من وصولهم، ومعاهم قوات حماية خاصة لجدك الحاج محمود والعائلة كلها.
سمعنا صوت كسر الباب الرئيسي تحت، وأصوات رجال الأمن وهم بيقبضوا على العصابة اللي دخلت القصر، وصوت صراخ الحراس.
آسر بص لي بذهول كامل وصدمة أخرست لسانه، وقال بصوت هامس:
“أنتي.. أنتي بلّغتي عنهم وعني كمان؟”
ابتسمت بهدوء، ومسكت شنطتي وورقة الطلاق اللي كانت جاهزة ومضبوطة بكل بنودها، وقلت:
“أنا بلّغت عن أي حد يهدد أمان ابني ومستقبله.. وورقة طلاقي أهيه يا آسر، النهاردة اتوقعت رسمياً في المحكمة، وكل أملاك الأسهم وحصة حمزة بقت في أمان تام بعيد عن قذارة شغلك.”
خرجت من الجناح وسيبته واقف في الظلام، ونزلت لتحت قدام رجال الأمن والصحافة اللي تجمهرت بره القصر، وأنا ماسكة إيد ابني حمزة، ورافعين راسنا لفوق بكل كرامة وقوة.
آسر أخد جزاء طمعه وغروره، ودخل السجن عشان يدفع تمن أخطاؤه، أما أنا.. فبدأت صفحة جديدة تماماً، صفحة بطلتها فريدة الشاذلي اللي ما حدش أبداً هيقدر يكسرها تاني.



