عام

حكايات اسما السيد 3

مسك ابني الجواب بإيدين بيرتعشوا.

حفيدتي كانت واقفة جنبه، مش فاهمة ليه كل الكبار حواليها وشوشهم متغيرة.

قلتله:

— اقرا يا ابني.

فتح الورقة.

وكان خط مراته الأولى واضح قدامه.

بدأ يقرا بصوت مسموع:

“لو بتقرأ الرسالة دي، فأنا ماقدرتش أقولك بنفسي… بس أرجوك متعاقبش بنتنا على سر أنا اللي اخترت أخبيه.”

وقف ابني عن القراءة.

بص ناحية بنته بسرعة.

— سر إيه؟

الست اللي واقفة عند الباب قالت:

— كمل.

رجع للورقة.

“قبل ما بنتنا تتولد، اكتشفت بالصدفة إني متبناة.

فضلت شهور بدور على أصلي لحد ما وصلت لأمي الحقيقية.

ماكنتش عايزة أقولك قبل ما أتأكد من كل حاجة، خصوصًا إن أبوك كان بيساعدني أوصل للملف القديم.

ولما عرفت الحقيقة، خوفت.

مش منك…

خوفت إن حياتنا تتغير بسبب ماضٍ إحنا مالناش ذنب فيه.”

رفع ابني عينه.

— طب وإيه علاقة بنتي؟

قالت الست:

— كمل للآخر.

قرأ:

“السر اللي يخص بنتنا مش في نسبها، ولا في أبوها.

إنت أبوها، ومفيش أي شك في ده.

أنا كتبت الجملة دي تحديدًا علشان لو الرسالة ظهرت بعد موتي، محدش يظلم طفلتي أو يخليها تشك لحظة واحدة في أبوها.”

ابني أخد نفسًا عميقًا.

واضح إنه كان خايف من اللي هيقرأه.

كمل:

“السر إن بنتنا ليها عيلة تانية من ناحيتي أنا.

لها جدة ماقدرتش أعترف بيها قدام الناس.

وأنا اللي طلبت منها تبعد مؤقتًا لحد ما أرتب حياتي وأقولك الحقيقة بنفسي.”

هنا الست اللي عند الباب بدأت تعيط.

وقالت:

— أنا جدتها.

بصتلها حفيدتي باستغراب.

— يعني إنتِ ماما بتاعة ماما؟

نزلت الست على ركبها.

لكنها ماقربتش منها.

قالت:

— أيوه يا حبيبتي.

الصغيرة بصت لأبوها.

— ينفع أكلمها؟

ابني مسح دموعه وقال:

— طبعًا.

قربت حفيدتي منها بحذر.

والست مدت إيدها، لكنها استنت لحد ما الصغيرة هي اللي قربت.

قالت حفيدتي:

— إنتِ كنتِ تعرفي ماما وهي صغيرة؟

انهارت الست في البكاء.

— لأ… ودي أكتر حاجة وجعتني في حياتي.

سألتها الصغيرة:

— ليه؟

قالت:

— الظروف فرقتنا زمان، ولما رجعت لقيتها كانت كبرت وبقت أم جميلة.

حفيدتي سكتت لحظة.

وبعدين قالت:

— ماما كانت بتحبني أوي.

قالت الست:

— كانت بتحبك أكتر من الدنيا.

ابني رجع للرسالة.

وكان لسه فيها جزء أخير.

قرأ:

“ولو حصل لي شيء قبل ما أقولك، متخليش بنتنا تعيش وسط أسرار الكبار.

قول لها لما تكبر إن أمها كانت بتحبها.

وإن الإنسان مش بيتحدد بأخطاء أو ظروف حصلت قبل ما يتولد.

وأهم حاجة…

لو اتجوزت بعدي، متحسش بالذنب.

أنا نفسي تعيش.

بس اختار واحدة تعرف إن بنتنا مش منافسة ليها.

البنت محتاجة ست تحبها…

مش ست تنافسها على أبوها.”

ابني وقف عن القراءة.

والقاعة اللي كنا فيها من ساعات رجعت قدام عيني.

نفس الجملة تقريبًا.

وكأن مرات ابني كتبت تحذيرًا قبل موتها بسنين للي حصل النهارده.

العروسة الجديدة كانت واقفة بعيد.

بتعيط في صمت.

ابني طوى الرسالة.

وبصلها.

قالت:

— أنا عارفة إن أي اعتذار مش هيمسح اللي قلته.

ما ردش.

قربت خطوة.

— أنا كنت غيرانة من واحدة متوفية.

وبصتلي.

— وكل مرة كنت حضرتك تحكي عنها، كنت بحس إني داخلة بيت فيه مكان متقفل ومكتوب عليه اسمها.

قلت لها:

— لأنك حاولتي تاخدي مكان مش مكانك.

سكتت.

قلت:

— مكان أم البنت هيفضل لأمها.

وأشرت ناحية ابني.

— ومكان الزوجة الجديدة مختلف.

وبصيت لحفيدتي.

— ومكان البنت مختلف.

— الحب مش كرسي واحد علشان كل واحدة تزق التانية وتقعد مكانها.

العروسة مسحت دموعها.

— أنا فهمت ده متأخر.

ابني قال:

— المشكلة مش غيرتك مني.

سكت لحظة.

— المشكلة إنك حطيتي غيرتك على كتف طفلة عندها خمس سنين.

هزت رأسها.

— عارفة.

— خليتي بنتي تسألني إذا كانت لسه مهمة عندي.

العروسة بدأت تبكي أكتر.

— أنا آسفة.

لكن ابني قال:

— الاعتذار الأول مش ليا.

بصت ناحية حفيدتي.

ونزلت على ركبها قدامها.

— ممكن أقولك حاجة؟

الصغيرة قربت من جدتها الحقيقية شوية.

العروسة قالت:

— أنا قلتلك كلام وحش النهارده.

حفيدتي سكتت.

— وإنتِ معملتيش أي حاجة تستاهلي الكلام ده.

الصغيرة سألت:

— إنتِ كنتِ زعلانة مني؟

— لأ.

— من ماما؟

العروسة معرفتش تجاوب للحظة.

وبعدين قالت:

— كنت بغير منها… وده كان غلط.

الصغيرة فكرت شوية.

ثم قالت:

— بس ماما في السما.

نزلت العروسة عينيها.

— عارفة.

ردت حفيدتي بمنتهى البراءة:

— يبقى متغيريش منها.

الجملة كانت بسيطة جدًا.

لكن مفيش حد في الأوضة ما اتأثرش بيها.

حتى أنا ضحكت وسط دموعي.

لكن كان لسه فيه قرار لازم يتاخد.

ابني قال للعروسة:

— إحنا اتجوزنا النهارده رسميًا، لكن اللي حصل مينفعش أتعامل معاه كأنه مفيش.

قالت:

— فاهمة.

— وبنتي مش هتعيش في بيت تحس فيه إنها ضيفة.

— مش هخليها تحس بكده تاني.

قال بهدوء:

— الكلام لوحده مش كفاية.

سكتت.

قال:

— لازم تثبتي ده بتصرفاتك.

ولأول مرة، ما حاولتش تدافع عن نفسها.

قالت:

— معاك حق.

مرت أسابيع.

العروسة ما انتقلتش بيت ابني فورًا.

كان القرار إنهم ياخدوا وقتهم.

مش عقاب.

لكن علشان الثقة اللي اتكسرت قدام طفلة محتاجة تتبني بهدوء.

وخلال الفترة دي، حصل شيء ماكنتش متوقعاه.

العروسة بدأت تزور حفيدتي.

مش كل يوم.

ومش بالعافية.

كانت تيجي تقعد معاها شوية وتمشي.

في الأول، حفيدتي كانت بتعاملها بحذر.

لحد يوم لقيتها داخلة علينا ومعاها ألبوم صور كبير.

قلبي اتقبض.

لكنها قعدت جنب الصغيرة وقالت:

— عايزة تساعديني في حاجة؟

— إيه؟

فتحت الألبوم.

أول صفحة كانت صورة كبيرة لأم حفيدتي.

وتحتها مكتوب:

“ماما… هتفضل جزء من عيلتنا.”

بصيت للعروسة.

قالتلي:

— مش عايزة أمسح مكان حد تاني.

وبعدين قلبت الصفحة.

كان فيها صور لحفيدتي مع أبوها.

وبعدها صفحات فاضية.

قالت:

— والصفحات دي للحاجات الجديدة اللي هنعيشها كلنا… لو هي وافقت.

حفيدتي فضلت ساكتة.

وبعدين جابت صورة صغيرة من درجها.

صورة الفرح.

الصورة اللي اتصورتها في الآخر مع أبوها.

حطتها في الألبوم.

وقالت:

— نحط دي هنا.

العروسة ابتسمت.

لكن الصغيرة قالت بسرعة:

— بس الصورة الجاية تبقي إنتِ فيها.

العروسة غطت وشها بإيديها وعيطت.

ومن اللحظة دي…

بدأت العلاقة بينهم من جديد.

مش كأم بديلة.

ولا كمنافسة لأمها.

لكن كإنسانة جديدة بتحاول تستحق مكانها في حياة طفلة.

أما جدة حفيدتي الحقيقية، فدخلت حياتها بالتدريج.

اتفقنا كلنا إن الصغيرة مش لازم تتحمل تفاصيل الماضي دلوقتي.

يكفي تعرف إن عندها ناس أكتر بيحبوها.

ومع الأيام، اكتشفنا إن جوزي كان ساعد مرات ابني فعلًا في البحث عن أصلها.

وإن والد العروسة، بحكم شغله القديم، كان هو اللي وصل للأوراق.

ماكانش فيه خيانة.

ولا جريمة.

ولا مؤامرة وراء الحادث.

كان فيه بس ناس خافت من الحقيقة، فأجلتها…

لحد ما الوقت سبقهم.

بعد حوالي ست شهور، عمل ابني وعروسته احتفالًا عائليًا صغيرًا.

من غير قاعة كبيرة.

ولا مئات الضيوف.

كنا إحنا بس.

وفي آخر اليوم، جه المصور وقال:

— صورة للعروسين لوحدهم؟

بصيت ناحية حفيدتي.

كانت واقفة بعيد.

العروسة بصت لها هي كمان.
ولثانية، افتكرت اللي حصل يوم الفرح الأول.

لكن المرة دي…

العروسة مدت إيدها وقالت:

— استنى.

راحت لحفيدتي.

ونزلت لمستواها.

— ناقصنا حد.

الصغيرة ابتسمت.

مسكت إيدها وجريت معاها ناحية أبوها.

وقفوا التلاتة قدام الكاميرا.

المصور قال:

— قربوا من بعض.

ابني شال بنته.

والعروسة وقفت جنبه.

وقبل ما المصور يلتقط الصورة، حفيدتي قالت:

— استنوا!

جريت ناحيتي.

افتكرت إنها عايزاني أتصور معاهم.

لكنها فتحت شنطتها الصغيرة وطلعت صورة أمها.

رجعت لأبوها.

— ماما كمان.

سكتنا كلنا.

ابني أخد الصورة منها.

وباسها.

وبعدين حطها على الترابيزة الصغيرة جنبهم.

العروسة بنفسها عدلت الصورة علشان تظهر في الكادر.

وقالت للمصور:

— دلوقتي اتصور.

الصورة اتاخدت.

وأنا واقفة بعيد ببص عليهم.

افتكرت كلمتي في ليلة الفرح:

“الست اللي تتجوز راجل عنده بنت، ما بتاخدش مكان بنته… هي بتاخد مكان جديد في حياته.”

وقتها كنت بقولها وأنا غضبانة.

لكن بعد ست شهور فهمت معناها أكتر.

العيلة مش معناها إن حد جديد يدخل فيمسح اللي قبله.

ولا إن الحب لازم يتقسم لحد ما يخلص.

العيلة الحقيقية هي إن كل واحد يبقى له مكانه…

من غير ما يسرق مكان غيره.

بعد الصورة، حفيدتي جريت عليا.

حضنت رجلي وقالت:

— تيتة؟

— نعم يا قلب تيتة؟

— أنا أهم بنت عند بابا؟

ضحكت.

لكن قبل ما أجاوب، ابني كان واقف وراها.

شالها بين إيديه وقال:

— إنتِ بنتي… ومكانك عندي مفيش حد في الدنيا ينافسك عليه.

بصت ناحية مراته.

— وهي؟

ابتسم.

— دي مراتي، وليها مكان تاني خالص.

فكرت الصغيرة شوية.

ثم قالت:

— يعني القلب فيه أماكن كتير؟

قلت وأنا بضحك:

— كتير أوي.

ابتسمت.

وبعدين مدت إيدها للعروسة.

— تعالي.

مسكت العروسة إيدها.

ومشينا كلنا سوا.

وقبل ما نخرج، رجعت بصيت للصورة اللي على الترابيزة.

صورة أم حفيدتي.

وقلت في سري:

“اطمني على بنتك…

محدش خد مكانك.

ومحدش خد مكانها.”

وفي اللحظة دي حسيت براحة غريبة.

لأن اليوم اللي بدأ بطفلة بتعيط وهي مقتنعة إنها فقدت مكانها عند أبوها…

انتهى وهي عارفة حقيقة كان لازم كلنا نفهمها من البداية:

الحب الحقيقي ما بيطلبش من طفل يبعد علشان يفسح مكان لحد.

الحب الحقيقي بيوسّع المكان للجميع.

تمت ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى