روايات وقصص

أختي كانت كل شوية تقول بهزار1

أختي كانت كل شوية تقول بهزار إن جوزي هو «الشخص اللي بينقذ الموقف دايماً»… لحد ما حطّها عند حدّها قدام العيلة كلها وقت العشا! بعد ما أختي اتطلقت من جوزها، أجّرت بيت قريب مننا، على بُعد عشر دقايق مشي تقريبًا. وبقت تيجي عندي كل يوم تقريبًا نشرب الشاي سوا. كانت منهارة ودموعها دايمًا في عينيها، وكل شوية تحكيلي قد إيه الطلاق كان صعب عليها، وإزاي هي حاسة بالفراغ الشديد في بيتها الجديد بعد سنين من الاستقرار العائلي.

 

أنا ماكنتش متضايقة من زياراتها خالص، بالعكس… كنت عايزة أقف جنب أختي وأساندها بأي طريقة أقدر عليها عشان تعدي الفترة الصعبة دي. وجوزي كمان ماكانش عنده مشكلة إنها تقضي عندنا ساعات طويلة كل يوم تقريبًا، وكان دايماً بيرحب بيها ويعاملها باحترام كأنها أخته تماماً.

في يوم، وإحنا قاعدين سوا في المطبخ، دخل جوزي وسألنا بأدب ولطف:
— مش هضايقكم لو دخلت حضرت الغدا عشان أريحكم شوية؟
وبعدها دخل وفعلاً عمل الأكل لينا إحنا التلاتة بمهارة ولطف.

ابتسمت أختي وقالت بتقدير:
— يا بختك! جوزك منظم ومساعد جداً في البيت… يا ريتني كنت بتعلم التنظيم ده من زمان.
وقتها ما اهتمتش بكلامها، واعتبرته مجرد إعجاب عادي بنظام جوزي في المطبخ ومساعدته لينا.

في اليوم اللي بعده، أختي جت تزورني تاني. هي عادةً كانت بتيجي وعينيها باين عليها التعب، من غير مكياج، ولابسة هدوم بيت بسيطة ومريحة. وكنت متفهمة ده تماماً؛ لأنها كانت بتمر بضغوط نفسية صعبة، ومحدش كان مستني منها تهتم بمظهرها وهي في الحالة دي.

لكن المرة دي، جت لابسة لبس جميل ومنسق، وحاطة مظهر مرتب جداً. استغربت وسألتها بفضول عفوي:
— إنتِ رايحة مشوار مهم بعد ما تمشي من عندي ولا إيه يا حبيبتي؟

ضحكت وقالت بخفة دم:
— لأ، أنا بس حبيت أغير جو لنفسي… ويمكن كمان كنت عايزة جوزك يشوف اللبس الجديد وياخد باله من التغيير ده.
فتحت عيني باستغراب شديد وقلت:
— إنتِ بتقولي إيه يا بنتي؟!

فضلت تضحك وقالت:
— يا بنتي بهزار معاكي! هو حرام الواحد يغير طريُقة كلامه عشان يخرج من الكآبة؟ لو حصل وتعبتِ في يوم، أنا ممكن أساعدكم في إدارة البيت.
كوباية الشاي كانت هتقع من إيدي من المفاجأة. قلتلها بجدية:
— إزاي تقولي كلام زي ده؟ ده بيتي وبيوت الناس ليها حرمة!

هزت كتفها وقالت ببساطة:
— بطّلي حساسية زيادة عن اللزوم بقى. اعتبريه مجرد كلام في إطار المساعدة لو حصلت أي ظروف… أنا بهزار معاكي مش أكتر…

لكن طريقتها دي ماعجبتنيش نهائيًا. طلبت منها تبطل تتكلم بالطريقة دي؛ لأن الأسلوب ده بيضايقني وبيخليني مش مرتاحة في بيتي. كنت بحاول أحافظ على هدوء العيلة وما أكبرش الموضوع ولا أعمل مشاكل. لكنها ماوقفتش عند الحد ده للأسف.

كل مرة كانت تيجي عندنا، كانت تكرر تعليقات مشابهة قدام جوزي وتقول كلام زي:
— إنت دايماً بتنقذ المواقف الصعبة يا بخت البيت بيك.
أو:
— يا ريتني كنت بفكر زيك في ترتيب أمور حياتي من زمان.

وفضلت أوضح لها أكتر من مرة وبكل هدوء إن لازم توقف الأسلوب ده في الكلام. لكن امبارح، كانت عندنا عزومة عائلية كبيرة، وكل أفراد العيلة اتجمعوا في بيتنا عشان نتغدى سوا. جوزي كان بينقل الأطباق للسفرة وبيساعدني بكل نشاط، وأنا بجهز الحلو في المطبخ المفتوح على الصالة. كنت سامعة أختي وهي بتوجه كلامها لجوزي بطريقة فيها إلحاح في الأسئلة قدام العيلة كلها. قالت له بصوت عالي نسبياً:
— الأكل شكله تحفة ومرتب كالعادة! لو كنت أنا اللي في بيتك، كنت هتساعدني بالشكل ده برضه وتنجز معايا؟

حسيت بضيق شديد من طريقتها المستمرة في مقارنة حياتها باللي حواليها. وكنت فعلًا ماشية ناحيتها، ومستعدة أقول لها رأيي بكل وضوح عشان توقف الإحراج ده. لكن جوزي ابتسم بهدوء وقال بصوت واضح للكل:
— على فكرة، فيه حاجة مخصوص حابب أقدمهالك حالًا يا أختي… طبق مميز معمول ليكي إنتِ لوحدك عشان تفتكري دايماً تنظيم الوقت.

ماكنتش فاهمة هو ناوي يعمل إيه بالضبط. اختفى جوزي لمدة خمس دقايق تقريبًا ورجع ومعاه مفاجأة غير متوقعة.
أختي تفاجأت وقالت بصوت مذهول:
— إيه ده وليه بتعمل فيا كده؟!

وقفت أختي وهي تتراجع للوراء متفادية الطاولة، بينما ساد الصمت أرجاء الصالة وانقطعت أحاديث العائلة فجأة ليحل محلها استغراب تسبب فيه مظهر زوجي وهو يتقدم بثبات وابتسامة هادئة مرسومة على وجهه. كان يحمل بين يديه طبقاً كبيراً مغطى بغطاء أنيق، ولما رفعه ببطء أمام الجميع، لم يكن بالداخل سوى طبق مملوء لآخره بثمار «الخيار» الطازج، وبجانبها بطاقة صغيرة مكتوب عليها بخط واضح ومفهوم للجميع: «الخيار المنظم والمرتب للتعامل مع المواقف اليومية».

نظرت العائلة إلى الطبق ثم إليها، وبدأت تفهم المغزى الهادئ من هذه اللفتة الرمزية التي وضعها لتوضيح الفكرة دون تجريح مباشر. كانت الحيرة ملونة على وجه أختي التي شعرت بالارتباك أمام أبي وأمي وباقي الأقارب من هذا التصرف المفاجئ.

قال زوجي بنبرة هادئة للغاية ولكنها كانت تحمل حزماً قاطعاً وهادئاً:
— «أنا المرة دي حبيت أقدم لك الطبق ده بنفسك عشان تبطلي تكرري الأسئلة دي في كل زيارة. أظن إن الهزار المتكرر ده أخذ أكبر من حجمه، ومن غير المقبول تماماً إنك تستمرّي في المقارنات دي وسط بيتي وأقدام مراتي اللي دايمًا بتدعمك.»

حاولت أختي الاستعانة بأمي وأبي لتنقذ موقفها، ملتفتة وهي تقول بنبرة متأثرة:
— «أنتم ساكتين ليه؟ شايفين بيعاملني إزاي وبيحرجني قدامكم إزاي عشان مجرد دعابة بريئة؟ أنا أختكم المطلقة اللي جرحها لسه ما التأمش، وده بيحطني في موقف صعب قدام الكل!»

هنا تدخلت بهدوء وثبات. خرجت من المطبخ ووقفت بجانب زوجي، وأنا أنظر لها بوضوح تام لم تعتدها مني من قبل، وقلت لها بصوت جاد يسمع الجميع:
— «حدك عندك يا أختي! أنا مش هسمح لك تبالغي في رد الفعل. الكلام ده ما كانش دعابة عادية، وأنا حذرتك منه بيني وبينك أكتر من مرة، وطلبت منك تحترمي بيتي وجوزي ومشاعري، لكنك استمريتِ في تكرار نفس الأسلوب كل زيارة. الوجع اللي بتمرّي بيه مش مبرر أبداً انك تتجاوزي حدودك معايا ومع بيتي!»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى