روايات وقصص

أختي كانت كل شوية تقول بهزار2

انقضت ليلة الاعتراف والتوسل تلك، لكن آثارها أبت أن تنجلي بسهولة. وفي الصباح التالي، أوفى زوجي بوعده؛ اتصل بطليق أختي وطلب منه مقابلته في مكان هادئ بعيداً عن صخب المشاحنات العائلية. كان الموقف يعتصر قلبي قلقاً، فأنا بين مطرقة الخوف على أختي وأطفالها من الشتات، وسندان الريبة التي باتت تسكنني تجاه تصرفاتها ونواياها الباطنة.

 

التقى زوجي بالطليق وظلّ يتباحث معه لأكثر من ساعتين، حيث استطاع بلباقته وحكمته أن يهدئ من روعه وأن يشرح له أن ما وصله عبر القيل والقال في العزومة العائلية لم يكن سوى تضخيم لشجار عائلي عابر وسوء تعبير، ولا يبرر سلب الأطفال من أمهم. اقتنع الرجل بكلام زوجي احتراماً لشهامته وموقفه النبيل، ووعد بتأجيل أي إجراءات قانونية بشأن الحضانة مقابل أن تلتزم أختي حدودها وتكف عن إحداث القلاقل.

عاد زوجي إلى البيت مرهقاً ولكنه مرتاح الضمير، ينظر إليّ بابتسامة متعبة وهو يقول: «أنا عملت اللي عليّ عشان خاطر أولادها وعشان خاطرك أنتِ بالأساس، مش عايز حاجة تهز بيت أختك ولا يجي اليوم اللي نحس فيه إننا كنا سبب في خراب حياتها». كبر زوجي في نظري أضعافاً، وشعرت بامتنان وشكر عميقين لوجود رجل بحكمته ونبله في حياتي.

لكن الأيام التالية لم تكن بالهدوء الذي تمنيناه. رغم أن أختي تقوقعت في بيتها لعدة أيعام ولم تعد تتردد علينا كما كانت تفعل، إلا أن سلوكها بدأ يأخذ منحنى جديداً وأكثر تعقيداً. كانت تتصل بي هاتفياً يومياً، ليس لتطمئن عليّ، بل لتغرقني بعبارات الثناء والمديح المبالغ فيه لزوجي!

كانت تقول بنبرة مليئة بالحرقة: «جوزك ده راجل ما يتعوضش يا اختي.. ده وقف لي موقف رجولة طليقي نفسه ما عملهاش معايا.. يابختك بيه. أنا كل يوم بدعي ربنا يرزقني بواحد فيه ربع شهامته وحنيته دي».

في البداية، كنت أعتبر كلامها مجرد امتنان وشكر على مساعدته لها، لكن تكرار هذا الحديث بنفس الصيغة يومياً بدأ يثير في نفسي شكوكاً جديدة. لم تكن قد صرفت نظرها عنه، بل تحول إعجابها الصريح إلى تقدير فائق ومستمر، وهو ما رأيته أشرف وأشد خطورة على بيتي من مزحها السابق.

وبعد مرور شهر تقريباً، حلت مناسبة عيد ميلاد أمي، واتفقت العائلة على الاجتماع في بيت والدَي. كانت هذه أول مرة نلتقي فيها جميعاً بصورة رسمية بعد واقعة العشاء الشهيرة. حضرت أنا وزوجي، وكانت الأجواء في البداية مشوبة بحذر شديد.

عندما وصلت أختي، كانت ترتدي ثوباً أنيقاً وقوراً، وتتصرف بتهذيب شديد. سلمت عليّ بحرارة، ثم التفتت نحو زوجي وألقت عليه السلام بنبرة صوت خافضة وعينين مكسورتين فيها نظرة رجاء وامتنان مبالغ فيه. طوال السهرة، كانت تتفادى الحديث المباشر معه، لكن عينيها لم تفارقا تحركاته في الصالة نهائياً.

وفي منتصف السهرة، بينما كنت أساعد أمي في تجهيز أطباق الفاكهة في المطبخ، استأذن زوجي ليدخل ويغسل يديه في حمام الضيوف القريب من الممر المؤدي لغرف النوم. وفجأة، لاحظت غياب أختي من الصالة.

تسلل الشك إلى قلبي بسرعة، فتركت الصحون من يدي وخرجت ببطء ودون إحداث أي صوت باتجاه الممر. وما إن اقتربت من زاوية الحمام، حتى سمعت صوت همسات خافتة جعلت قلبي يخفق بقوة.

كانت أختي تقف في زاوية الممر، سادّة الطريق أمام زوجي فور خروجه من الحمام، وتهمس له بصوت يقطر رقة وعاطفة:
— «أنا عارفة إنك بتتهرب مني ومش عايز تبص في وشي.. بس أنا من يوم موقفك معايا وطليقي بيطردني، وأنا مش قادرة أشيلك من تفكيري.. أنت أنقذتني وأنقذت ولادي.. أنا بجد محتاجة راجل زيك في حياتي يا فلان.. حتى لو سر، حتى لو من غير ما حد يعرف.. أنا مستعدة أكون أي حاجة في حياتك بس تفضل جنبي!»

وقف زوجي مبهوتاً من تجرئها وصدمة كلماتها، وقبل أن ينطق بكلمة واحدة، خطوت أنا إلى داخل الممر ليقع بصرها عليّ، وتجمدت ملامحها حين رأت وجهي المشتعل بالغضب.

ساد الصمت الممر لثوانٍ معدودة، وامتزجت فيها شهقة أختي المبتورة بنظرات زوجي التي تحولت فوراً من الذهول إلى الغضب العارم وهو يراني أقف أمامهما. سقطت كل الأقنعة وتهاوت كل الادعاءات بالندم والإنكسار، وبات واضحاً أن ما كان يجري ليس مجرد طيش أو عاطفة عابرة، بل هو ملاحقة مستمرة لم تتوقف حتى بعد أن أنقذها زوجي من أزمتها.

تراجعت أختي إلى الخلف خطوات محاولة العثور على أي كذبة لتبرير موقفها، لكن صوتي الخافت الصارم قاطع أي محاولة منها للحديث:
— «اطلعي برة الممر فوراً ورجعي الصالة من غير ما تفتحي بؤك بنص كلمة.. وقسم بالله لو سمعت صوتك أو عملتي أي حركة يلفت انتباه أمي وأبويا، لأكشف كل اللي حصل ده قدامهم دلوقتي.»

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى