
عربيات الشرطة كانت واقفة قدام البيت القديم اللي اتباعت حيطانه ذكرياته، والشارع كله كان مقللوب على صوت صياح أخواتي وانهيارهم وهما محبوسين جوه الكلابشات، بيبصوا لأمي وهي نازلة من عربية إبراهيم مرفوعة الراس كأنها ملكة راجعة لعرشها. الناس كلها كانت بتتفرج، واللي ظالم كان بياخد جزاءه بالقرش والقانون.
إبراهيم نزل الأول، فتح باب العربية بحب واحترام، ومسك إيد أمي بحنان كأنه بيمشيها على حرير، ووقفني جنبه. أمي وقفت قدام الباب العالي بتاع البيت، بصّت لأخواتي وهما متبهدلين في عربية البوليس، وقالت بصوت مسموع هز قلوب الكل: “البيت ده اتخرب بظلمكم، بس عمره ما هينضف غير بالحق.. اعدلوا في محكمتكم يا ولاد بطني، واعرفوا إن الدنيا دَيّانة.”
دخلنا البيت، وإن كانت الحيطان خالية، والعفش قديم، بس الريحة.. ريحة أبويا، ودفى كرامتنا اللي رجعت، ماليين كل شبر. إبراهيم مباضعش ثانية، جاب أطقم عمال ومهندسين، وقال وهو بيشمر كمّ قميصه: “من بكرة الصبح، البيت ده هيتهد وينبنى من جديد، وعلى أسس تليق بست الكل.. وكل مليم هيرجع مكانه دبل.”
الستة أشهر اللي بعد كده عدت زي الحلم. البيت اتبنى بقى تحفة، وإبراهيم كان بيشرف بنفسه على كل طوبة بتتحط فيه، وأمي صحتهم تحسنت، وبقت تضحك ضحكة صافية من قلبها، وإبراهيم مكنش بيعدي يوم من غير ما يدخل يبوس راسها ويقولها: “البيت ده منور بوجودك يا أمي.”
أما إخواتي، فبعد لفة المحاكم الكبيرة والضغط من كل جانب، اضطروا يتنازلوا رسمي عن كل قرش نهبوه، وطلعوا بكفالة بس بعد ما داقوا ذل القهر اللي دوقوه لأمهم. بقوا يبعتوا رسايل توسل عشان أمي تسامح وتتدخل لإغلاق القضايا، وأمي كانت تكتفي إنها تقفل التليفون في وشهم وتقول: “اسألوا جوز أختكم، هو صاحب الحق وهو اللي يقرر.”
وفي ليلة هادية من ليالي الشتا، واحنا قاعدين في الصالة الجديدة، وإبراهيم قاعد جنب أمي بيشربوا الشاي، بصّت لي أمي وقالت بابتسامة دافية: “قولي لإبراهيم يا هدى.. أنا كتبت نص البيت ده ليكي ونص لصاحب العُمر والرجولة جوزك، عشان اللي زيه مبيتنساش خيره أبدًا.”
إبراهيم ضحك بصوت عالي، وبس إيد أمي وقال: “أنا مش عايز غير رضاكي يا ست الكل.. رضاكي عندي بالدنيا وما فيها.”
بصيت لإبراهيم، وحسيت إن ربنا عوّضني بكل دمعة نزلت، وبكل خوف سكن قلبي، وعرفت ساعتها إن الراجل الأصيل رزق من السما، مبيتعوضش بكنوز الدنيا كلها.
مرت السنين وبقت الحياة في البيت الجديد جنة معمورة بالرضا والحب والبركة. أمي صحتها استقرت وبقت تقعد في الصالون الواسع، تتابع حفيداتها وهما بيلعبوا ويجروا في الأوض اللي كانت زمان مسرح لدموعها ووجعها. إبراهيم بقى بالنسبة لأمي مش مجرد جوز بنتها، ده بقى ابنها البكر وسندها الحقيقي اللي ما يعوضه مال الدنيا كلها؛ كل يوم يرجع من شغله، أول حاجة عملها إنه يدخل يبوس راسها ويقعد جنبها يحكي لها عن يومه وكأنه طفل قاعد في حضن أمه.
في يوم، واحنا قاعدين بعد العشا، سمعنا خبط خفيف على باب الشقة. استغربنا لأن الساعة كانت متأخرة ومحدش بيجيلنا في الوقت ده غير لو فيه طوارئ. قمت وفتحت الباب، والصدمة وقفتني مكاني..
كان واقف قدامي أخويا الكبير “محمود”، بس إيه الشكل اللي كان عليه! كان أشعث، وشه أصفر دبلان، عيونه غرقانة جوه راسه من كتر السهر والقهر، ولبسه مبهدل، وواطي براسه للأرض كأن الأرض مبقتش شايلاه من الكسرة. ووراه واقف أخويا الوسطاني، منزل راسه ومش قادر يرفع عينه في عيني.
قبل ما أنطق بحرف، سقط محمود على ركبتيه قدام الباب، ونزل يبوس رجلي بدموع حارقة وصوت منشج مكسور: “حقك عليا يا هدى.. أنا الجاني وظالم، سامحيني.. ابوس إيدك قولي لأمي تسامحنا، إحنا دُقنا مرارة الذل وقعدنا في الحضيض، ومراتي سابتني وخدت عيالي، ومفيش حد راضي يبص في وشنا ولا يشغلنا.. طوب الأرض بيحتقرنا بعد القضية والفضايح! سامحونا لوجه الله.”
صوت عياطه جاب إبراهيم من جوه، وأمي سمعت الاسم فطلعت ماشية على عكازها بخطوات بطيئة، وقفت عند باب الصالون، وبصت للولدين اللي كانوا في يوم عزوة وضهر، وبقوا دلوقتي كتل من الندم والذل.
إبراهيم وقف قدامي، وحط إيديه في جيوبه، وبص لمحمود ببرود مش إماتة لقلبه، لكن إحساس بالعدل اللي أخد مجراه، وقال بصوت حاسم: “جايين تفتكروا أمكم دلوقتي؟ بعد ما بعتوها ورميتوها في الشارع، بعد ما سرقتوا حقها وحق أختكم، وجيتوا بكل تبلد تقولوا سامحونا؟ الحق مش لعبة يا محمود.. والقلوب اللي اتكسرت ملهاش تمن ساهل.”
محمود عيط بصوت عالي ورفع إيده لأمي: “يا أمي.. أنا ابنك، حتة منك، هوني عليكِ.. ادعي لنا ربنا يفك كربنا، إحنا دُقنا اللي محدش طاقه!”



