منوعات

انا واخواتى حكايات رومانى مكرم 2

أمي تنحت دقيقة، بصت لهم وهي حاسة بوجع الأمومة اللي مهما قسي الولد بفضل ناره تحرق جوة قلبها، بس رجعت شافت إبراهيم وراها، وشافت سنين العذاب اللي دوقوها لها، وقالت بصوت مسموع وثابت، جاب من أخر القلوب:
“أنا سامحتكم.. سامحتكم عشان ربنا يعفو عني زي ما عفوت، وعشان قلبي مايبقاش شايل حقد ليوم الحساب. بس رجوعكم لبيتي.. أو إنكم تفتكروا إن اللي اتكسر ممكن يتصلح بكلمتين سوري.. ده مستحيل. البيت ده اتفتح بالرجالة، واتبنى بدموعي وعرق إبراهيم اللي كان أطهر وأحن عليا منكم كلكم. اشروا في الدنيا وشوفوا طريقكم، واعرفوا إن دعوة المظلوم ملهاش حجاب.”
قفل إبراهيم الباب بهدوء في وشهم، ورجع مسك إيد أمي وباسها وقال: “ارتاحي يا ست الكل.. طول ما أنا عايش، مفيش مخلوق يقدر يقربلك أو يمس شعرة من راحتك.”
دخلت أمي الأوضة، وبصيت لإبراهيم اللي حضنني وقال بابتسامة دافية: “شفتي يا هدى؟ الحق بيلف بيلف وبيرجح لأصحابه، وربنا عمره ما بيكسر خاطر الصابرين.”

مرت السنين وكأنها كشرارة ضوء هادت، مسحت من قلوبنا كل غبار الخوف والأيام الصعبة. البيت بقى بينطق بالحياة، ضحكات البنات وبراءتهم وهم بيجروا في الصالة المجددة، وريحة الأكل الجميل اللي أمي بتعمله ببركة إيدها، وصوت إبراهيم وهو داخل كل يوم يرمي شنطته، وقبل أي حاجة يجرى على أمي يبوس راسها ويقولها: “منورة الدنيا كلها يا ست الكل.”
في يوم جمعة دافئ، كنا قاعدين كلنا في البلكونة الكبيرة بنشرب الشاي بالنعناع، والهوا الهادي بيلاعب الستائر، وأمي قاعدة على كرسيها الراقي، لابسة طرحتها البيضاء اللي بتزود وشها نور ووقار. بصت لنا أمي نظرة طويلة مليانة رضا وسلام، وقالت بصوت هادي ودافي كأنها بتوصينا وصية العمر:
“اسمعوني يا ولادي.. أنا حسيت إن عمري كمله ربنا بأحلى ختام وأجمل عوض. شفت فيكم يا إبراهيم ويا هدى، الستر اللي ماكنتش أحلم بيه، والابن اللي مكنتش أملكه من صلبي بس كان أطهر وأحن من اللي ولدتهم. اوعوا في يوم تزعلوا من حد، واعرفوا إن الدنيا دَيّانة، وإن الإنسان بعمله وخلقه الطيب مش بفلوسه ولا بقوته.”
بصيت لإبراهيم، لقيت لمعة دموع خفيفة في عينه، مد إيده مسك كف أمي وباسه بحب وقالها: “طول ما إنتي معانا، الخير كله في البيت يا أمي، إنتي البركة والعوض اللي ربنا ساقه لي.”
بعد الليلة دي بأسبوع، كأن أمي كانت مستنية تشوف ولاد بنتها وهما متمتعين بالستر والسلام، صحينا الصبح، دخل إبراهيم كعادته بصينية الفطار عشان يصحيها، لقى وشها منور بابتسامة هادية ومطمئنة، وروحها الطاهرة طلعت لخالقها وهي راضية مرضية، مكسورة الجناح على ظلم قديم، لكن مرفوعة الراس بعزوة راجل ما خذلهاش أبدًا.
غمضت عيني ودموعي نزلت، بس المرة دي مكنش فيها خوف ولا قهر، دي كانت دموع الفخر والحمد لله على نِعَمِهِ. إبراهيم خدني في حضنه وقالي بصوت دافئ يمسح على قلبي: “ادعي لها يا هدى.. دي سابتنا في رعاية ربنا وراحت للي أرحم بيها وبنا، وربنا شاهد إني شلتها في عيوني لحد آخر نفس.”
دَفَنّا أمي، وكانت جنازتها تليق بملكة؛ إبراهيم وأنا وراها، وجيرانا والناس اللي عرفوا أصلها الطيب. وإبراهيم فضل محافظ على عهده، كل يوم جمعة يروح يقرأ لها الفاتحة، ويرجع يقول لي: “أمك سايبة في قلوبنا بركة مش هتخلص أبدًا.”
عشنا بعدها في أمان وستر، وعرفت إن الراجل الأصيل والزوج الصالح مش مجرد شريك حياة، ده سند من السما بيعوضك عن الدنيا وما فيها، وإن مهما طال الليل، فجر الحق والعدل لابد طالع.

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى