
كلمتي نزلت عليهم، ولقيت طليقي بيتجنن. مبقاش عارف ينطق ولا يعمل إيه؛ الطمع في ابنه اللي هيحمل اسمه صارع الصدمة اللي أخذها من رد فعلّي. أمُه اتنططت بغل وقالت بعصبية: *”انتي مجنونة؟! يعني إيه عيل هيتولد وهيحمل اسم ابني ومتبقيش على ذمته؟! إنتي فاكرة نفسك هتعرفي تربي لوحدك وإنتي بتصارعي الكيماوي؟! تعالي اقعدي في بيتك مكرّمة، وابنك يتربى بين أبوه وأمه، وبلاش كبرياء فاضي!”*.
بصيت لها بابتسامة كلها وجع وقوة وقلت لها بهدوء: *”كبرياء؟! إنتِ بتقولي عليها كبرياء بعد عشر سنين ذل ومرارة كنتِ إنتِ سبب رئيسي فيهم؟! كرامتي اللي داستوا عليها بالسنين مش هترجع بكلمتين حلوين عشان بقيت في كشف الحمل. ابنه هيكون في عيوني وهياخد حقه كاملاً، وشرعاً وقانوناً مش همنعه من أبوه.. بس أنا كرمي لنفسي بعد اللي عملتوه أغلى عندي من أي عشرة خاينة”*.
سبتهم وخرجت، وورايا نظراتهم اللي كلها صدمة وغيظ. رجعت بيت أهلي، وروحي كانت معلقة بين ألم الكيماوي الشرس ونار التفكير في بكرة والطفل اللي جاي في وسط العاصفة دي. بس أهلي وقفوا جنبي وقفة رجالة، أبويا حضنني وقال لي بصوت مالي قلبي طمأنينة: *”اقعدي في وسطنا مرفوعة الراس يا بنتي، واللي رزقك بالطفل ده قادر يكفيكي ويكفيه، واللي باعك برخيص ما يستاهلكش!”*.
بدأت رحلة العلاج الصعبة. الشهور كانت بتعدي عليّ كنها سنين؛ جلسات الكيماوي كانت بتهد حيلي، وجسمي الضعيف كان بيقاوم الموت عشان خاطر الحتة اللي بتتحرك جوايا وتكبر يوم بعد يوم. وفي الناحية التانية، طليقي وأهله ما سابونيش في حالي؛ حرب من نوع تاني بدأت. محاولات ضغط مستمرة، مرة يبعثوا أعيان البلد يكلموا أبويا عشان نرجع، ومرة تانية يهددوني برفع قضايا عشان ياخدوا حضانة الطفل أول ما يتقطع صوت الصريخ بتاعه في الدنيا، وكانوا بيستخدموا ورقة مرضي عشان يثبتوا قدام المحاكم إني “غير قادرة على التربية”!
كنت بشرب القهر بالمعلقة، وكل ما أتعب أفتح القرآن وأبكي لحد ما أحس بإن ربنا بيمسح على قلبي ببرود السلام. كنت عارفة إن الحرب لسه طويلة، وإنهم مش هيسكتوا بسهولة، خصوصاً بعد ما عرفوا إن الدكتور طمني وقالي إن الحمل ماشي بثبات رغم قسوة العلاج.
لحد ما جه اليوم الموعود.. في شهر الحمل التاسع، وبدأت تحس بآلام الولادة تضرب جسمي كله في توقيت متزامن مع موعد الجلسة الأخيرة. أهلي طاروا بي على المستشفى، والدكاترة دخلوا العمليات بسرعة، وأنا في عز وجع الطلق والحرقة حاسة إن الدنيا بتدور بيا.
وسط الصرخات والدعوات، سمعت أحلى صوت في الدنيا.. صوت صياح طفل صغير بيعلن قدومه للحياة. الدكتور طلع لأهلي وابتسم بإنهاك، بس على باب أوضة العمليات، وفي اللحظة اللي الدكتور كان لسه هينادي على اسم الأب عشان يدخل يشوف ابنه، وقف قدام الباب مفاجأة غير متوقعة قلبت المستشفى كلها رأس على عقب!
الدكتور وقف على باب العمليات، وبدل ما ينادي على اسم طليقي، بص للممرضة وقال بصوت حازم: *”نادوا على الشرطة فوراً.. والمأذون اللي بره ده يدخل معايا حالاً!”*
الكلمة نزلت زي الصاعقة على الكل. طليقي وأهله كانوا واقفين في ممر المستشفى مستنيين اللحظة اللي يقتحموا فيها الأوضة عشان ياخدوا البيبي أو يفرضوا سيطرتهم، لكن فوجئوا بإن أمن المستشفى بيحاصرهم، وظابط شرطة كان واقف مع أبويا خطى خطوات ثابتة ناحية طليقي وقبض كوعه وقال بصوت عالي: *”إنت مطلوب للتحقيق في بلاغ رسمي مقدم من طليقتك وأسرتها، بتهمة الابتزاز، والتهديد، والتخلّي عن زوجة في حالة مرضية حرجة لزيارة مستشفى بطرق غير قانونية.. ده غير قضية التلاعب في أوراق رسمية تخص قضايا النفقة والحضانة اللي رفعتوها كيدياً!”*
الكل اتجنن. أم طليق صرخت ووقعت على الأرض بتلطم وتقول: *”شرطة مين؟! ده ابنه.. ده طفله! إزاي تاخدوه وهو لسه مكملش دقايق في الدنيا؟!”*. طليقي وقف أصفر وشفايفه بتترعش، وبص لأبويا اللي كان واقف وشامخ جنبه ظابط الشرطة، وقال بصوت مهزوز ومنكسر: *”عمي.. بالحق.. بالله عليك تسيبني أدخل أشوف ابني.. أنا أبو الواد!”*.
أبويا بص له بنظرة كلها عزة وقوة وقال له بصوت جبار: *”دلوقتي افتكرت إنك أبوه؟! لما بعته وهو جنين في بطن أم بيحارب المرض، ولما كنت بتبعت محاميك تساومنا على كرامة بنتي وعلاجها، نسيت إن ربنا موجود؟! الواد ده هينور بيت أبوه الحقيقي.. اللي هو أنا وأمّه، واسمه هيتسجل باسمك عشان شرع ربنا، بس تربيته وعزّه هيكونوا في حضني أنا، ومش هسمح لواحد زيك يمس منه شعرة!”*.
المأذون دخل الأوضة، وبأمر القانون وبتوكيل رسمي موثق كنت عاملاه لأبويا قبل ما أدخل العمليات وأنا بكامل وعيى لإدارة كل شؤوني، تم إثبات حقوق الطفل كاملة، والنفقة، وكل ورقة تضمن حقنا بالقانون والشرع، من غير ما أضطر أرجع أتحط تحت رحمتهم أو أشم ريحة ذلّهم تاني.


