روايات وقصص

حكايات اسما 3

الفصل الثالث والأخير: الحقيقة اللي اتدفنت سنين
فضلت واقف في ممر المستشفى والموبايل في إيدي، والتسجيل الصوتي بتاع أخويا بيتكرر في دماغي:

— أوعى تسأل أمنا عن نتيجة تحليل ياسين الأخيرة… هي ما تعرفش الحقيقة كاملة.

طليقتي كانت واقفة جنبي.

قالت:

— هو جاي؟

— بيقول إنه جاي.

— هتعمل إيه؟

بصيت من ورا الزجاج ناحية المكان اللي سليم موجود فيه.

ابني اللي من ساعات قليلة ماكنتش أعرف أصلًا إنه موجود.

قلت:

— هسمع منه كل حاجة.

وبعدها…

مفيش أسرار تاني.

لا بيني وبينك، ولا بيني وبين عيلتي.

بعد حوالي ساعة، ظهر أخويا في آخر الممر.

كان ماشي بسرعة.

أول ما شافني وقف.

أنا ما اتحركتش.

وصل قدامي وقال:

— سليم عامل إيه؟

سألته بهدوء:

— إنت عرفت اسم ابني منين؟

سكت.

قلت:

— أنا مستني.

بص لطليقتي، وبعدين رجع بصلي.

— كنت عارف من قبل ما يتولد.

— وعرفت إنها حامل من إمتى؟

— بعد الطلاق بأسبوع تقريبًا.

ضحكت بمرارة.

— وأنا أبوه عرفت النهارده.

قال:

— اسمعني الأول.

مسكته من دراعه.

— إنت قلت لها إني مش عايز أعرف عنها حاجة؟

قال:

— أيوه.

— وأنا قلتلك كده؟

نزل عينه.

— لأ.

سيبت دراعه.

الغضب اللي جوايا كان أكبر من إني أصرخ.

قلت:

— ليه؟

قعد على الكرسي.

ومرر إيده على وشه.

— لأني كنت خايف.

— من إيه؟

رفع عينيه ليا.

— إن اللي حصل لياسين يتكرر.

قعدت قدامه.

— قول الحقيقة من أولها.

سكت لحظات.

ثم قال:

— بعد وفاة أبويا، كنت بنضف مكتبه القديم. لقيت صندوق مقفول جوه الدولاب.

كان فيه أوراق ياسين.

تقارير المستشفى.

تحاليل.

خطابات.

وحاجة تانية.

— إيه؟

— نتيجة تحليل أبويا ما وريهاش لأمنا.

قلبي بدأ يدق أسرع.

قلت:

— نتيجة إيه؟

قال:

— تحليل جيني.

سكت لحظة، وبعدين كمل:

— أبويا اكتشف بعد وفاة ياسين إن المشكلة اللي كانت عنده ممكن تكون مرتبطة بتغير جيني نادر. والدكتور وقتها قال إن وجود التغير ده مش معناه إن كل طفل في العيلة هيمرض، وإن لازم أي حالة جديدة تتقيم بشكل مستقل.

قلت:

— يعني أبويا كان حامل للتغير ده؟

قال:

— كان فيه اشتباه قوي، لكن التحاليل وقتها ماكنتش بالدقة الموجودة دلوقتي. علشان كده احتفظ بالأوراق.

سألته:

— طب إيه الجملة اللي كتبتها لطليقتي؟ إن اللي حصل لياسين ماكانش مجرد مرض؟

أخويا سكت.

وبعدين قال:

— دي كانت غلطتي.

— يعني إيه؟

قال:

— لما قريت الملف لوحدي، فهمت بعض الملاحظات الطبية غلط. افتكرت إن وفاة ياسين كان ممكن يكون حصل فيها إهمال أو إن أبويا كان عارف بخطورة الحالة وسكت.

— وبعدين؟

— كلمت دكتور متخصص من حوالي سنة، وبعتله صور التقارير القديمة من غير بيانات شخصية. قال لي إن الورق ما يثبتش الكلام اللي أنا فهمته. ياسين كان عنده مشكلة قلبية خطيرة، والأطباء وقتها عملوا اللي كان متاح لهم.

بصيتله بعدم تصديق.

— يعني السر الكبير اللي كنت مخبيه…

قال:

— مكنش جري\مة ولا مؤامرة.

— أمال ليه خبيت الحمل عني؟

هنا ملامحه اتغيرت.

قال:

— هنا أنا غلطت فعلًا.

سكتنا.

قال:

— بعد الطلاق كنت شايفك محطم، حتى لو كنت بتعمل نفسك قوي. وكنت شايفها هي كمان تعبانة. لما كلمتني وقالت إنها حامل، خوفت إن الطفل يبقى السبب اللي يرجعكم لبعض وإنتوا لسه بنفس المشاكل.

قاطعته:

— فقررت بالنيابة عني إني ماعرفش إن عندي ابن؟

قال:

— أقنعت نفسي إني بحميكم.

قلت:

— إنت كنت بتحميني من ابني؟

— أنا عارف إن اللي عملته غلط.

— لأ. إنت مش عارف.

قمت من مكاني.

— أنا ضيعت حمل كامل تقريبًا.

ماشوفتش أول أشعة.

ماسمعتش نبضه.

ماجبتش له أول هدوم.

ماكنتش موجود وهي داخلة تولد.

وماكنتش موجود أول مرة فتح فيها عينيه.

بسبب قرار أخدته إنت من غير حقي.

نزل رأسه.

وقال:

— عندك حق.

لأول مرة، ما حاولش يبرر.

في اللحظة دي، الدكتور خرج ونادانا.

دخلت أنا وطليقتي.

أخويا فضل بره.

قعدنا قدام الدكتور.

قال:

— عملنا رسم قلب وفحوصات مبدئية، والطفل مستقر حاليًا.

طليقتي سألت:

— والمشكلة الوراثية؟

قال:

— لسه محتاجين فحصًا جينيًا متخصصًا ومتابعة مع طبيب قلب أطفال. لكن المهم إننا ما نفترضش إن حالة الطفل مطابقة لحالة قريبه المتوفى لمجرد وجود تاريخ عائلي.

قلت:

— يعني ممكن ما يكونش عنده نفس المرض؟

— بالضبط.

أكمل الدكتور:

— اللي حصل له النهارده محتاج متابعة جدية، لكن النتائج الحالية لا تسمح بتشخيص نهائي. هنراقبه، وهنكمل الفحوصات، وبعدها الصورة هتبقى أوضح.

بصيت لطليقتي.

كانت دموعها بتنزل.

لكن المرة دي كان فيها أمل.

مديت إيدي ناحية إيدها.

ترددت لحظة.

ثم سابتها في إيدي.

قضينا الليلة كلها في المستشفى.

الصبح، سمحوا لنا نشوف سليم.

وقفت قدام سريره الصغير.

مديت صباعي ناحية إيده.

مسكه.

قبضته كانت ضعيفة جدًا…

لكنها كانت كفاية تهد كل الحواجز اللي بنيتها جوايا سنين.

قلتله:

— أنا آسف إني اتأخرت عليك.

سمعت صوتها من ورايا:

— إنت ماكنتش تعرف.

لفيت لها.

قلت:

— لكن فيه حاجات تانية كنت أعرفها.

سكتت.

— كنت أعرف إنك بتحاولي تتكلمي معايا وأنا دايمًا مشغول.

كنت أعرف إن شغلي بقى أهم من البيت.

وكنت أعرف إنك كل مرة بتطلبي مني نقعد نتكلم، كنت بأجل.

وأنا اللي قلت كلمة الطلاق.

نزلت عيني.

— يمكن ماكنتش أعرف إنك حامل، لكن أنا مسؤول عن حاجات كتير وصلتنا للي حصل.

قالت بهدوء:

— وأنا كمان غلطت.

بصيت لها.

قالت:

— لما عرفت إني حامل، كان المفروض أفضل أحاول أوصلك بنفسي. ماكانش المفروض أصدق كلام أخوك وأسكت.

— كنتِ مجروحة.

— وده مش مبرر لكل حاجة.

الغريب إن دي كانت أول مرة من سنين نتكلم من غير ما كل واحد فينا يحاول يكسب الخناقة.

كنا بنتكلم علشان نفهم.

مرت الأيام التالية ببطء.

خرج سليم من المستشفى بعد ما استقرت حالته، مع خطة متابعة واضحة ومواعيد لفحوصات إضافية.

وأنا؟

حياتي اتغيرت.

مش بمعنى إني سبت الشركة وبقيت شخص تاني فجأة.

لكن لأول مرة بدأت أفهم إن النجاح مش إن كل الناس تستناك في اجتماع…

وفي الآخر ترجع بيتك وما تلاقيش حد مستنيك.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى