روايات وقصص

حكايات اسما 1

بعد خمس شهور من طلاقنا

قالت وهي ضامة الطفل لصدرها، والدموع متجمعة في عينيها: — ابنك.

الكلمة نزلت عليا كأن حد ضربني في صدري. فضلت واقف مكاني، لا عارف أدخل ولا قادر أمشي. بصيت للطفل، وبعدين بصيت لها. — إنتِ قولتي إيه؟

لفت وشها بعيد عني، ومسحت دمعة نزلت على خدها. — سمعتني.

قربت خطوة وأنا حاسس إن رجلي مش شايلاني. — بتقولي إن الطفل ده… ابني أنا؟

قالت بصوت مبحوح: — أيوه.

ضحكت. مش علشان الموقف يضحك. كانت ضحكة عصبية خرجت مني غصب عني، لأن عقلي كان رافض يستوعب اللي بسمعه. — مستحيل.

رفعت عينيها ليا. — ليه مستحيل؟

— إحنا مطلقين بقالنا خمس شهور!

قالت بهدوء غريب: — وأنا كنت حامل قبل الطلاق.

هنا سكتُّ. افتكرت آخر شهور جوازنا. افتكرت إنها كانت بتتعب كتير. كانت بتنام بدري. ساعات كانت تقوم من على السفرة فجأة وتدخل الحمام. وأنا؟ كنت مقتنع إن كل ده بسبب الضغط والخناقات اللي بينا.

قلت: — عرفتي إمتى؟

بصت للطفل اللي بدأ يهدأ بين إيديها. — قبل الطلاق بأيام.

اتجمدت ملامحي. — قبل الطلاق؟

— أيوه.

— يعني وإحنا واقفين قدام المأذون… وإنتِ بتمضي على ورقة الطلاق… كنتِ عارفة إنك حامل في ابني؟

سكتت. وكان سكوتها كفاية.

حسيت بالغضب بيطلع جوايا مرة واحدة. — وإزاي ماقولتيليش؟!

الطفل اتخض من صوتي وبدأ يعيط. قالت بسرعة وهي بتحاول تهديه: — وطي صوتك.

— أوطي صوتي؟! إنتِ مخبية عني ابني خمس شهور وعايزاني أوطي صوتي؟

قالت وهي باصة في عيني: — أنا مخبتش عنك ابنك خمس شهور.

— أمال ده اسمه إيه؟

قالت: — ابنك لسه مولود من أسبوعين.

الجملة دي وقفت غضبي للحظة. بصيت للطفل تاني. صغير جدًا. ملامحه لسه دقيقة. إيده الصغيرة كانت طالعة من البطانية، وصوابعه مقفولة على بعضها. ولأول مرة، بدأت أبصله مش باعتباره طفل غريب… لكن باعتباره ابني. ابني. الكلمة نفسها كانت تقيلة. أنا عندي ابن. وفي اللحظة دي، الطفل فتح عينيه للحظات. معرفش ليه قلبي اتقبض. كان فيه حاجة مألوفة. يمكن كنت بتخيل. يمكن علشان هي قالت إنه ابني. لكن عينيه… كانوا شبه عيون أبويا. قربت خطوة من غير ما أحس. مديت إيدي ناحية البطانية. لكنها رجعت خطوة لورا. الحركة دي جرحتني أكتر مما توقعت.

بصيت لها: — خايفة ألمسه؟

قالت: — مش خايفة.

— أمال بعدتي ليه؟

ردت بعد لحظة: — لأني مش عارفة إنت جاي هنا ليه أصلًا.

سكت. من ساعة تقريبًا كنت سايق عربيتي وأنا مقتنع إني جاي أمسك عليها دليل إنها دخلت علاقة جديدة. كنت مستعد أشوف راجل غريب في بيتها. مستعد أتشاجر. مستعد أتهمها. لكن ماكنتش مستعد ألاقي ابني.

قلت: — أنا كنت فاكر إن فيه راجل هنا.

ابتسمت ابتسامة حزينة. — عشان كده جيت؟

ماعرفتش أرد.

قالت: — خمس شهور بعد الطلاق، وأول مرة تخبط على بابي… مش علشان تسأل أنا عايشة إزاي، ولا علشان تطمن عليا. جيت علشان سمعت كلام وافتكرت إن فيه راجل تاني.

— إحنا كنا مطلقين.

— بالضبط. قالتها بنبرة وجعتني. وبعدين بصت للطفل وقالت: — وأنا كنت بحاول أعدي أصعب خمس شهور في حياتي لوحدي.

سألتها: — ليه لوحدك؟

ضحكت بسخرية خفيفة. — السؤال ده بجد؟

— أيوه. ليه ماقولتيليش؟

فضلت باصة ليا ثواني. وبعدين قالت: — لأن آخر مرة حاولت أقولك فيها… إنت ماادتنيش فرصة.

حسيت بحاجة باردة بتجري في ضهري. — إمتى؟

قالت: — ليلة ما طلبت مني الطلاق.

رجعت بذاكرتي لليلة دي. كانت أسوأ ليلة في جوازنا. كنت راجع من اجتماع فشل فيه مشروع كبير للشركة. خسرت وقتها صفقة كنت شغال عليها شهور. رجعت البيت متعصب. لقيتها مستنياني. قالت إنها عايزة تكلمني في حاجة مهمة. لكن أنا بدأت الخناقة قبل ما هي تتكلم. اتهمتها إنها مش مقدرة ضغط شغلي. وهي اتهمتني إني بقيت غريب عنها. الكلام زاد. والصوت علي. لحد ما قلت الجملة اللي غيرت حياتنا: — لو العيشة معايا صعبة أوي كده، يبقى نطلق ونريح بعض.

كنت متوقع إنها تعيط. أو تتخانق. أو حتى تحاول تهديني. لكنها سكتت. وبعد ثواني قالت: — لو ده قرارك… خلاص.

بعدها بأيام حصل الطلاق. رجعت أبصلها. — الليلة دي؟

هزت راسها. — كنت مستنياك من العصر.

— علشان تقوليلي إنك حامل؟

— أيوه.

حطيت إيدي على رأسي. فجأة افتكرت حاجة. كان فيه كيس صغير على ترابيزة السفرة يومها. سألتها وقتها: — إيه ده؟ وقالت: — حاجة كنت عايزة أوريهالك. وأنا ما اهتمتش. قلت: — مش وقته.

يا إلهي. بصيت لها: — كان إيه اللي في الكيس؟

ردت: — اختبار الحمل.

حسيت إن الأرض بتتحرك تحتي. قعدت على أقرب كرسي. فضلت ساكت فترة طويلة. وهي واقفة قدامي شايلة الطفل.

قلت: — وبعد الطلاق… ليه ما اتصلتيش؟

قالت: — اتصلت.

رفعت عيني بسرعة. — إمتى؟

— تاني يوم.

— ماجاليش منك اتصال.

— لأنك كنت عامل حظر لرقمي.

سكت. كنت فعلًا عملت كده. في لحظة غضب وغباء، قررت أقطع كل وسيلة تواصل بيننا.

قلت: — كان ممكن تبعتي حد.

قالت: — بعت.

قلبي بدأ يدق أسرع. — مين؟

قالت: — أخوك.

اتصدمت. — أخويا؟

— أيوه.

وقفت بسرعة. — بتقولي إن أخويا كان عارف؟

هزت راسها. — عرف إني حامل بعد الطلاق بأسبوع.

— وقالك إيه؟

نظرت لي نظرة طويلة. ثم قالت: — قال لي إنك مش عايز تسمع اسمي تاني… وإنك بدأت حياة جديدة.

اتجمدت. — أنا عمري ما قلتله الكلام ده.

— ده اللي قالهولي.

بدأت أحس إن الموضوع أكبر من مجرد سوء تفاهم. قلت: — وإنتِ صدقتيه؟

ردت: — لما حاولت أكلمك من رقم تاني، واحدة ردت على تليفونك.

افتكرت سكرتيرتي. في الفترة دي كنت سايب تليفوني ساعات طويلة معاها أثناء الاجتماعات.

قالت طليقتي: — سألتها عليك، فقالت إنك مشغول ومش عايز أي مكالمات شخصية.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى