
— دي كانت سكرتيرتي.
— أنا ماكنتش أعرف.
سكتنا. وفجأة الطفل بدأ يتحرك ويبكي. قعدت هي على الكنبة وبدأت تهديه. فضلت واقف أتفرج. كان المشهد غريبًا. الست اللي عشت معاها ست سنين… قاعدة قدامي شايلة ابني… وأنا حاسس إني غريب في بيتهم.
قلت بهدوء: — اسمه إيه؟
ترددت. ثم قالت: — سليم.
كررت الاسم: — سليم…
ابتسمت لأول مرة. — كنت دايمًا بتقول لو ربنا رزقك بولد هتسميه سليم.
بصيت لها بدهشة. كانت فاكرة.
قربت منها وقعدت على الكرسي المقابل. — ممكن أشيله؟
بصتلي طويلًا. ثم بصت للطفل. وبهدوء قامت وقربت مني. — اسند رقبته كويس.
مديت إيديا. أول ما حطته بين ذراعي، حسيت بخوف عمري ما حسيت بيه وأنا بوقع أكبر عقد في حياتي. كان خفيف جدًا. صغير. دافي. وأنا مش عارف أعمل إيه.
قالت: — قربه منك شوية.
عملت زي ما قالت. وفجأة، الطفل هدي. فضلت باصص لوشه. وبعد لحظات، لقيت دمعة نزلت مني. مسحتها بسرعة قبل ما تشوفها. لكنها شافتها.
قلت: — أنا ضيعت كل ده.
قالت: — حصل اللي حصل.
رفعت عيني لها. — عايز أصلح اللي حصل.
اتغيرت ملامحها فورًا. — لو قصدك ترجعنا لبعض، متستعجلش.
— أنا بتكلم عن ابني.
قالت: — سليم من حقه يعرف أبوه.
— ومن حقي أعرف ابني.
— أكيد.
كان ردها هادي جدًا. وده طمني للحظة.
لكن بعدها قالت: — بس فيه حاجة لازم تعرفها قبل أي حاجة.
بصيت لها. — إيه؟
ترددت. ولأول مرة من ساعة ما دخلت البيت، شفت خوفًا حقيقيًا في عينيها. قامت وراحت ناحية دولاب صغير في الصالة. فتحت الدرج. طلعت ملف طبي سميك. وحطته قدامي.
بصيت للملف. كان عليه اسمها. واسم مستشفى. وتواريخ كتير خلال الشهور اللي فاتت. قلت: — إيه ده؟
قعدت قدامي وقالت: — أنا ماكنتش منعزلة علشان الطلاق بس.
فتحت أول ورقة. — الحمل كان صعب جدًا من البداية.
بدأت أقلب الأوراق. تحاليل. أشعات. تقارير متابعة. زيارات طوارئ. قلت بقلق: — حصل إيه؟
قالت: — في الشهر الرابع حصلت مضاعفات، والدكتور قال إن الحمل محتاج متابعة دقيقة جدًا.
بصيت لها. — وإنتِ كنتِ بتعملي ده كله لوحدك؟
هزت راسها. — أغلب الوقت.
حسيت بذنب يخنقني. لكنها مدت إيدها وأخذت الملف مني. — المشكلة مش دي.
قلت: — أمال إيه؟
فتحت الملف على آخر تقرير. وحطته قدامي. كان تاريخ التقرير من ثلاثة أيام فقط. بصيت للكلام الطبي ومفهمتش معظمه. قلت: — قوليلي مباشرة.
بصت للطفل اللي كان نايم بين إيديا. ثم قالت: — الدكتور لاحظ حاجة بعد ولادته.
قلبي وقع. — حاجة إيه؟
سكتت لحظات. — سليم محتاج فحوصات إضافية.
— ليه؟
— لأن فيه احتمال يكون عنده مشكلة وراثية.
بصيت للطفل. — وراثية من مين؟
هنا سكتت. والسكوت المرة دي كان مختلف. رفعت عيني لها. كانت بتبصلي كأنها مش عارفة تقول الكلام إزاي.
قلت: — من مين؟
قالت: — من عيلتك.
اتجمدت. — عيلتي؟
هزت رأسها. ثم قالت جملة خلتني أنسى حتى إني شايل ابني: — الدكتور لما سألني عن التاريخ المرضي لعيلتك… افتكرت حاجة والدتك قالتها لي من سنين.
قلت: — أمي قالتلك إيه؟
ابتلعت ريقها. — قالت لي إن فيه طفل اتولد في عيلتكم قبل سنين طويلة بنفس الأعراض تقريبًا.
— مين؟
رفعت عينيها ليا وقالت: — أخوك.
ضحكت بتوتر. — أخويا واقف على رجليه وبصحة كويسة.
قالت: — مش أخوك اللي إنت تعرفه. وسكتت لحظة قبل ما تكمل: — أخوك التاني.
فضلت باصصلها من غير ما أتكلم. أنا عندي أخ واحد. طول عمري عندي أخ واحد.
قلت: — إنتِ بتقولي إيه؟
قالت: — أنا نفسي ما فهمتش وقتها. افتكرت إنها كانت بتتكلم عن قريب ليكم… لكن قبل الولادة بأسبوع، والدتك جاتلي هنا.
اتسعت عيني. — أمي كانت هنا؟



