روايات وقصص

حكايات اسما 2

فضلت ماسك الظرف وباصص لاسم أبويا المكتوب عليه.

إيدي كانت بتترعش.

أبويا مات من تسع سنين.

وطول التسع سنين دول، كنت مقتنع إني عارف كل حاجة عنه.

كان راجل هادي، قليل الكلام، قضى عمره في الشغل، ولما مات ساب لنا بيت العيلة وجزء من الشركة اللي بنيت عليها شغلي بعد كده.

عمري ما تخيلت إن فيه حاجة بالحجم ده كان مخبيها عني.

بصيت لطليقتي وقلت:

— أمي قالتلك إن عندي أخ تاني؟

قالت:

— ماقالتهاش بشكل مباشر. أنا فهمت ده من كلامها.

— وإنتِ ليه ما فتحتيش الظرف؟

ردت فورًا:

— لأنه مش بتاعي.

مدت إيدها ناحية سليم وأخدته مني برفق.

أما أنا، ففضلت واقف مكاني والظرف في إيدي.

قلت:

— أنا لازم أروح لأمي.

قالت:

— دلوقتي؟

— أيوه.

بصت للساعة.

كانت قربت على عشرة بالليل.

قالت:

— استنى للصبح.

هزيت راسي.

— لو استنيت للصبح مش هعرف أنام دقيقة.

قمت ناحية الباب، لكن قبل ما أفتحه وقفت.

بصيت لها.

— هاجي بكرة أطمن على سليم.

ردت بهدوء:

— تعالى.

الكلمة دي كان ممكن تكون عادية جدًا.

لكن بالنسبالي كانت أول مرة أحس إن فيه باب اتفتح بينا، حتى لو كان باب صغير متعلق بابننا وبس.

خرجت وركبت عربيتي.

طول الطريق كنت بحاول أفتكر أي حاجة غريبة من طفولتي.

صورة.

اسم.

زيارة.

أي حاجة ممكن تثبت إن كان فيه شخص تالت في حياة أبويا وأمي.

لكن مفيش.

وصلت بيت أمي.

نور الصالة كان مفتوح.

خبطت بعنف.

بعد أقل من دقيقة، فتحت.

أول ما شافتني، وشها اتغير.

وقالت:

— إنت كنت عندها؟

ما سألتهاش عرفت منين.

رفعت الظرف قدامها.

— عايز أفهم.

بصت للظرف، وبعدها رجعت خطوة لورا.

كأنها كانت مستنية اللحظة دي، لكن لما وصلت خافت منها.

دخلت وقفلت الباب.

قلت:

— عندي أخ تاني؟

قعدت أمي على الكنبة.

ما ردتش.

رفعت صوتي:

— أنا سألتك سؤال.

قالت:

— وطي صوتك.

ضحكت بمرارة.

— أنا اكتشفت النهارده إن عندي ابن عمره أسبوعين، وبعدها اكتشفت إن عندي أخ ماعرفش عنه حاجة، وعايزاني أوطي صوتي؟

رفعت عينيها ليا فجأة.

— شفت ابنك؟

— أيوه.

بدأت عينيها تدمع.

قالت:

— عامل إيه؟

— قبل ما تسألي عن سليم، جاوبيني.

سكتت ثواني طويلة.

وبعدين قالت:

— كان عندك أخ أكبر منك.

حسيت إن الجملة، رغم إني كنت متوقعها، ضربتني.

قعدت قدامها.

— اسمه إيه؟

— ياسين.

— فين ياسين؟

نزلت عينيها للأرض.

— مات.

سكت.

— إمتى؟

قالت:

— قبل ما إنت تتولد بسنتين.

بصيت لها بعدم فهم.

— طب ليه عمري ما عرفت عنه حاجة؟

بدأت تحكي.

قالت إن ياسين كان أول طفل ليها ولأبويا.

اتولد طبيعي، وكان شكله سليم.

لكن بعد الولادة بفترة قصيرة، بدأ الأطباء يلاحظوا مشكلة في ضربات قلبه.

وقتها الإمكانيات الطبية ماكنتش زي دلوقتي، والتحاليل الجينية ماكنتش متاحة بسهولة.

فضلوا شهور يتنقلوا بيه بين دكاترة ومستشفيات.

لحد ما مات وهو لسه رضيع.

قلت:

— وإيه علاقة ده بسليم؟

قالت:

— الدكتور وقتها قال لأبوك إن فيه احتمال تكون المشكلة وراثية.

— احتمال؟

— أيوه. ماكانش فيه تأكيد.

سألتها:

— وبعدين خلفتوني عادي؟

هزت راسها.

— بعد سنتين حملت فيك. عملنا كل الفحوصات اللي كانت متاحة وقتها. ولما اتولدت كنت سليم.

قلت:

— وأخويا؟

— بعدك بثلاث سنين.

— وهو كمان سليم.

قالت:

— الحمد لله.

قمت وبدأت أمشي في الصالة وأنا مش قادر أستوعب.

— طب ليه خبيتوا وجود ياسين؟

أمي سكتت.

قلت:

— طفل مات، ربنا يرحمه. ليه تمسحوه من تاريخ العيلة كأنه ماكانش موجود؟

هنا انهارت.

قالت:

— لأن أبوك هو اللي أصر.

— ليه؟

بصت للظرف اللي في إيدي.

— افتحه.

قطعت طرف الظرف.

كان جواه ورقتين قدام جدًا وصورة صغيرة.

طلعت الصورة الأول.

أبويا كان أصغر بسنين.

واقف جنب أمي.

وفي حضنها طفل رضيع.

فضلت باصص للصورة.

ده أخويا.

ياسين.

الشخص اللي كان موجود في الدنيا قبلي ومات من غير ما أعرف حتى اسمه.

قلبت الصورة.

على ظهرها أبويا كاتب:

“ياسين… أول فرحة دخلت بيتنا.”

بلعت ريقي.

فتحت الورقة الأولى.

كانت تقريرًا طبيًا قديمًا.

أما الورقة التانية، فكانت مكتوبة بخط أبويا.

بدأت أقرأ.

“لو الورقة دي وصلت لابني يومًا، يبقى الحاجة اللي كنت خايف منها رجعت تظهر في العيلة.”

وقفت عن القراءة.

بصيت لأمي.

— هو كان عارف؟

قالت:

— كمل.

رجعت للورقة.

كان أبويا كاتب إنه بعد وفاة ياسين، سافر وعمل فحوصات إضافية.

وإن طبيبًا أخبره بوجود اشتباه في اضطراب وراثي نادر ممكن ينتقل داخل العيلة، لكن ظهوره مش مؤكد في كل طفل.

وفي آخر الورقة كتب:

“أنا قررت ما أحملش ولادي خوف مالهمش ذنب فيه. لو عاشوا أصحاء، يبقى الحمد لله. ولو ظهر المرض يومًا في واحد من أحفادي، لازم الحقيقة تتقال، ولازم الفحوصات تتعمل لكل اللي يخصهم الأمر.”

نزّلت الورقة.

قلت:

— يعني سليم ممكن يكون عنده نفس اللي كان عند ياسين؟

قالت أمي:

— ممكن. لكن مفيش حد يقدر يقول قبل الفحوصات.

— وليه ما قولتيليش من أول ما عرفتي إنها حامل؟

ملامح أمي اتغيرت.

— لأنها طلبت مني.

اتصدمت.

— طليقتي كانت عارفة كل ده؟

— عرفت جزء منه في آخر الحمل.

— وقالتلك ماتقوليش؟

— أيوه.

الغضب رجع جوايا.

— ليه؟

قالت أمي:

— لأنها كانت خايفة.

— خايفة من إيه؟

— منك.

سكت.

قالت:

— إنت بعد الطلاق كنت غضبان جدًا. وأخوك كان كل شوية يقول إن الأفضل إن كل واحد فيكم يبدأ حياته بعيد عن التاني.

افتكرت كلام طليقتي.

قلت:

— أخويا هو اللي قال لها إني مش عايز أعرف عنها حاجة.

أمي بصتلي باستغراب.

— مين قالك كده؟

— هي.

سكتت أمي.

وفجأة قالت:

— أخوك عمره ما قال لي إنه كلمها.

هنا بدأت الخيوط تتجمع بطريقة ما عجبتنيش.

طلعت موبايلي واتصلت بأخويا.

مرة.

مرتين.

ثلاثة.

ما ردش.

قلت لأمي:

— هو كان عارف إنها حامل؟

ترددت.

— أيوه.

— من إمتى؟

— تقريبًا من أول شهر بعد الطلاق.

غمضت عيني.

يعني أخويا عرف قبل أمي تقريبًا.

عرف إن طليقتي حامل.

وصل لها.

وقال لها إني بدأت حياة جديدة ومش عايز أعرف عنها حاجة.

لكن ليه؟

سألت أمي:

— هو فين؟

قالت:

— كان عندي العصر، وقال مسافر يومين شغل.

خرجت من البيت وأنا متعصب.

لكن وأنا راكب العربية، تليفوني رن.

رقم طليقتي.

رديت فورًا.

— ألو؟

صوتها كان متوتر.

— ممكن تيجي؟

قلبي اتقبض.

— سليم فيه حاجة؟

— مش عارفة.

— يعني إيه مش عارفة؟

قالت بسرعة:

— كان بيرضع، وفجأة لونه اتغير وبقى نفسه سريع. أنا كلمت الدكتور وقال آخده المستشفى فورًا.

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى