
سمعت كلامها من هنا وعقلى طار، بقى البت اللي كانت بتترعش من خيالي بتطردني أنا وابني وبتقول لي خذيه شقتك؟! وقفت قصادها وشمرت أكمامي: ـ “جرى إيه يا بت أنتِ؟! لسانك طول وبقيتي تعرفي تردي وتتشرطي كمان؟! وحياة ربنا لو ما اتلميتي وعرفتي حجمك لأكون مكلمة ابني في التليفون دلوقتي خليه يرمي عليكِ اليمين ويطلقك ويعدلك من جديد!”
شيماء بصت لي بمنتهى البرود والتحدي اللي عمره ما طلع منها، وما تهزتش شعرة واحدة فيها، وقالت لي بصوت ثابت هز الصالة:
ـ “أهالينا ما ربوناش على قلة الأدب، بس كمان ما ربوناش على الهوان! .. كلميه يطلقني يا طنط، أنا أرجع بيت أبويا وكرامتي مصانة، ولا إني أعيش خدامة ومتهانة في بيت مفروض إنه بيتي!”
ولعت الخناقة أكتر وأكتر، الصوت جاب آخر الشارع، ونادين ابنتي دخلت ترد وتسخن الموضوع، وابني الصغير واقف يتفرج، وشيماء مسكت تليفونها ومن غير ما تستأذن من حد ولا تخاف، اتصلت بأبوها وأخوها وقالت لهم: “تعالوا خذوني.. بيت جوزي ما بقاش ينفع أعيش فيه دقيقة واحدة”.
خلال نص ساعة كان باب الشقة بيتخبط بقوة، ودخل أبوها وأخوها بعد ما عرفوا اللي حصل في لبسها وموبايلها والتحكمات اللي عايشة فيها. الصالة اتحولت لساحة حرب كلامية، أبوها وقف قصادي وقال بصوت حاد: “إحنا جوزنا بنتنا لراجل يصونها، ما جيبناهاش هنا عشان تتهان وتتاكل حقوقها ويبقى مالهاش كلمة في بيتها!”.
رديت عليه بزعيق: “ابننا شقيان في الغربة، وبنتكم مش حامدة النعمة وتطاولت عليا وعلى أخته!”
وفي وسط الهوجة دي، مسكت التليفون وطلبت ابني فيديو call وأنا متأكدة إنه هيجيب حق أمه ويوقفها عند حدها. أول ما فتح الخط ولقى اللمة والأصوات العالية، اتخض وقال: “في إيه يا جماعة؟! إيه اللي بيحصل عندكم؟!”.
قمت أنا زي العاصفة حكيت له الموضوع بأسلوبي: “تعال شوف مراتك يا إبراهيم! بتعلي صوتها عليا وعلى أختك ومستكثرة على أخوك ياخذ الدرس في الشقة، وتقول لي خذيه شقتك، وتطالب بالطلاق وتجيب أهلها يهددونا في ملكك!”.
الكل سكت ومستني إبراهيم ينطق ويطين عيشتها.. لكن الصدمة اللي نزلت عليا وعلى ابنتي زي الصاعقة، إن إبراهيم بص للعروسة اللي كانت واقفة ساكتة ودموعها نازلة بقهرة، ورجع بص لي وقال بصوت مليان حزم وزعل:
ـ “حقك عليا يا أمي فوق رأسي.. بس أنا سمعت كل حاجة من شيماء في الرسائل اللي كانت بتبعثها لي أول بأول، وعارف كل صغيرة وكبيرة بتجرى في البيت من يوم ما سافرت!”
اتسمرت في مكاني، وإبراهيم كمل كلامه وهو بيطالعنا بصرامة:
ـ “أنا ساكت ومعدي عشان ما أزعلش أمي، بس لحد هنا وبس! الشقة دي شقة مراتي وحاجتها خط أحمر، وما يصحش نادين تمد إيدها على هدومها ولا تضيقها، ولا يصح أخويا يجيب أصحابه يبهدلوا الشقة.. شيماء صاحبة البيت، والمال مالها وحاجتها تخصها لوحدها، واللي يزعل مراتي في بيتها يبقى بيزعلني أنا شخصياً!”
وقفت أنا ونادين مبلمين مش مصدقين، وإبراهيم ابن عمري اللي كنت فاكرة إنه في جيبي.. وقف في صف مراته وكسر كلمتي قدام أهلها! بصيت للتليفون ومش مصدقّة إن ده إبراهيم ابني اللي شقيانة فيه وربيته!
كمل إبراهيم كلامه بنبرة هادية بس ناشفة وزي السيف، وبص لي في الكاميرا وقال:
ـ “لو سمحت يا ماما.. خدي نادين وأخويا وارجعي شقتك. شيماء وأنا حرين مع بعض؛ تقفل الشقة، تروح عند اهلها.. هي حرة! دي مراتي وأنا واثق فيها وعارف إنها تصونني وتصون بيتي بغيابي. إنما أختي تخش تاخد هدومها وتخربها، وتنيموا مراتي مرة في الصالة ومرة في أوضة العيال كأنها ضيفة أو ملهاش قيمة في شقتها.. ده ما ينفعش أبداً! ده بيتها قبل ما يكون بيتي، والبيت ده يتفتح بقانونها هي وبس!”
سكت إبراهيم لحظة، والصالة كلها بقت هادئة تماماً. أبو شيماء وباقي أهلها واقفين رافعين راسهم بثقة بعد ما سمعوا كلامه، ونادين أختوه بلعت لسانها واستحيت من الإحراج. أتنفضت من مكاني والدموع اتماليت في عيني من القهرة والكسرة قدام أهل مراته، وقلت بصوت بيترعش من الغضب:
ـ “بقى كده يا إبراهيم؟! بتبيع أمك وأختك علشان خاطر واحدة ملهاش شهرين في ذمتك؟! بتطردنا من بيت أخوك عشان ست الحسن?!”
رد عليا بأسف بس بثبات ما اتهزش:
ـ “أنا مبطردكيش يا أمي، أنتِ فوق راسي وبيتك مفتوح ومعززة مكرمة فيه.. بس شقتي ليها صاحبة، وحقها عليا أرد لها اعتبارها وكرامتها اللي أتهانت في غيابي. مع السلامة يا ماما، ولما أنزل إجازة هجيلك لحد عندك أبوس إيدك.. بس دلوقتي سيبوا شيماء في بيتها وبلاش تكبروا المشاكل أكتر من كده.”
وقفل الخط! العروسة اللي كانت بتترعش من خيالي، وقفت تبص لي بنظرة نصر وثقة، وأبوها أتقدم خطوات وأخد المفاتيح من إيدي بهدوء وقال: “أظن سمعتي ابنك بنفسك يا أم إبراهيم.. اتفضلي معززة مكرمة على شقتك، وبنتنا في بيتها وملكها.”
لميت هدومنا ونادين وبنتي الصغيرة وشنطنا، وخرجنا من باب الشقة ونفسنا مكسور. نزلت السلم ورجلي بالعافية شايلاني، ونادين ماشية ورايا بتعيط وبتبص للهدوم اللي في إيدها بندم، وأخوها الصغير ساكت بيبص للأرض مش فاهم إزاي الشجرة اللي كبرتها تسقيني العلقم في لحظة!
أول ما عتبنا باب الشارع، حسيت بتُقل في صدري.. الهيبة اللي بنيتها، والمسطرة اللي كنت حاطاها وممشية البيت كله عليها، اتكسرت مية حتة وعلى إيد مين؟ إبراهيم! نادين شهقت بالبكاء وقالت لي وهي بتشد في دراعي:
ـ “شفتي يا ماما؟ شفتي إبراهيم بيعمل إيه علشان خاطرها؟ طردنا ورجعنا شقتنا بشنطنا وزمان أهلها بيضحكوا علينا دلوقتي!”
بصيت لها بنظرة وقلت لها بصوت مخنوق من الكسرة والغضب:
ـ “اسكتي خالص يا نادين! ما هو لولا طمعك ودخولك الدولاب وتضييق الهدوم ما كانتش العروسة لقت مدخل ولا كانت الجسارة دخلت قلبها! بس العيب مش عليكِ ولا عليها.. العيب على اللي طالع من صلبي ونسي إن أمي هي اللي شالته وشقت عليه!”
طلعنا شقتنا القديمة، فتحت الباب والشقة كانت ضلمة وترابها مغطي العفش.. الشقة اللي هجرتها عشان أروح أربط بيت ابني وأحافظ على قرشه. قعدت على الصالون وحطيت إيدي على خدي، والصمت مالك المكان، بس جوة دماغي العواصف مش راضية تهدأ.
تليفوني رن في إيدي.. بصيت لقيت اسم إبراهيم بينور على الشاشة. قلبي اتنفض، ونادين وقفت تبص لي ومستنية هرد ولا لأ. سبت التليفون يرن ويرن لحد ما سكت، وبعدها بعت لي رسالة صوتية.. فتحتها وصوته طلع مليان وجع وأسف بس معاه حزم:
ـ “يا أمي.. أنتِ جزمكم فوق رأسي، وحقك عليّ لو حاسة إن كرامتك اتجرحت. بس أنا لو ما عملتش كده، كنت هخسر بيتي ومراتي للابد، وشيماء أمانة في رقبتي ربنا هيحاسبني عليها. ارتاحي في شقتك، ومصروفك انتى واختى وأخويا هيوصلكم لحد عندكم مضاعف كل شهر، بس بلاش تخربي بيتي في غيابي.. ربنا يهديكِ يا أمي ويشفيلك قلبك من ناحيتي.”
رميت التليفون على الكنبة ودمعة سخنة نزلت على خدي.. العروسة طلعت هي اللي ماسكة الخيط كله ورابطة إبراهيم، وأنا اللي خرجت من المولد بلا حمص! مسحت دموعي بسرعة أول ما سمعت صوت خطوات نادين، أصل الكبرياء اللي اتعودت أعيش بيه عمري كله ما يخلينيش أبان مكسورة قدام عيالي. وقفت في نص الصالة، وشديت طرحتي على رأسي وقمت أنفض التراب بصوت جهوري وزعيق أخبي بيه الخيبة اللي جوايا:
ـ “أنتِ حتقعدي تتفرجي عليا يا نادين؟! شغلي الفيشة وشيلي الفرش ده نغسله، ولا فاكرة إن الدنيا وقفت على شقة أخوكِ وسنية الهانم مراته؟! البيت ده بيتنا ومطرحنا وعزنا، وما يلزمناش عز حد!”
جرت نادين خايفة وشغلت الأنوار، وأخوها الصغير دخل أوضته وقفل على نفسه الباب، وأنا قعدت على الصالون وحاطة إيدي على خدي، وقلبي ياكل فيا.. ومش قادرة أستوعب إزاي إبراهيم ابن عمري يكسر كلمتي قدام أهل مراته ويطردنا عشان خاطرها!
مسكت التليفون وطلبت رقم أختي أم كريم.. قلت في بالي هي الوحيدة اللي هترد لي اعتباري وتطبطب عليا. أول ما فتحت الخط، اتكلمت بنبرة مليانة قهرة وعياط:
ـ “الحقيني يا أختي.. تعال شوف إبراهيم عمل فيا إيه! طردني أنا وأخته وأخوه الصغير من شقته، ووقف في صف مراته قدام أهلها ورجعنا شقتنا بشنطنا مكسورين الخاطر!”



