روايات وقصص

حكايات امانى السيد 2

سكتت أختي لحظة، وكنت مستنياها تتجنن وتزعق، لكنها سألتني بهدوء:
ـ “وهو إيه اللي حصل يا أم إبراهيم يوصل الموضوع لكده؟ إيه اللي خلا إبراهيم ينطق بالكلام ده؟”
قعدت أحكي لها وأنا بسخن في الكلام:
ـ “مافيش! البت عاملة لي فيها الست الناظرة، وبنتي نادين أخدت طقمين من دولابها تلبسهم في فرح صاحبتها وضاقتهم عند الترزي، قامت البت تبجح وتصرخ وتلم علينا أهلها! وأنا عشان أدافع عن بنتي وأقول ده عز أخوها، قامت طاردة الولد الصغير وبتقول خذيه عندك يدرس في شقتك.. ولما اتصلت بإبراهيم عشان يربيها، لقيته واقف معاها وبيقول لي خدي عيالك وارجعي شقتك دي شقة مراتي!”

سمعت أختي بتتنهد تنهيدة طويلة وموجوعة، وفجأة صوتها اتغير ونزلت عليا بكلام زي السياط:
ـ “اتقي الله يا أختي! اتقي الله في بنات الناس! جرى لعقلك إيه يا أم إبراهيم؟ ترضي حد يعمل في بنتك نادين كده؟ ترضي نادين تتجوز وجوزها يسافر، وتدخل حماتها وأخت جوزها يقعدوا في بيتها، ينيموها في أوضة الأطفال وياخدوا أوضتها، ويسحبوا منها الموبايل ويفتشوا دولابها وياخدوا هدومها الجديدة يضيّقوها ويخربوها؟ ترضي بنتك تتهان وتتكسر في بيتها كأنها خدامة?!”

اتسمرت في مكاني وكأن حد ضربني على دماغي، وقبل ما أنطق أدافع عن نفسي، كملت أختي بقسوة ووضوح:
ـ “فلوس ابنك مش حجة عشان تفتري على بكرية الناس! ابنك كبر واتجوز وفتح بيت، وساب مراته أمانة في رقبتك مش تحت جزمتك! البت ما عملتش حاجة غلط، أنتِ اللي افتريتي وشديتي الحبل لحد ما اتقطع! وعارفة إيه؟ ابنك راجل إنه وقف لمراته ورد لها كرامتها، لأنك لو كنتِ نجحتي تخربي بيته، كان زمانه شايل ذنبها طول عمره. ارجعي لعقلك يا أم إبراهيم واستغفري ربنا، وبدل ما تزعلي إن ابنك نصر مراته، ادعي له ربنا يسعدهم، وروحي اعتذري للعروسة وأهلها قبل ما تكسبوا ذنب البت العمر كله!”

قفلت أختي السكة في وشي، وأنا فضلت قاعدة في الضلمة مش قادرة أتحرك.. كلامها عن نادين بنتي نزل على قلبي زي السكينة. تخيلت نادين في نفس الموقف، غريبة ومكسورة ومتهانة في بيت جوزها، ودولابها متفتش وهدومها متخربة.. وقتها بس الكبرياء طار من رأسي، وحسيت بنار الذنب بتاكل في صدري، وعرفت إن إبراهيم ما باعنيش، ده كان بيحميني من نفسي ومن ظلم افتريت بيه على بنت الناس.

قعدت لوحدي في الصالة المظلمة، وكلام أختي بيرن في وداني زي الأجراس.. “ترضي نادين يحصل فيها كده؟”.. الكلمة نزلت على قلبي زي المية الساقعة، وخلتني أراجع كل خطوة عملتها من يوم ما دخلت الشقة دي. بصيت لنادين وهي قاعدة خايفة وساكتة، وبصيت لأخوها اللي قافل على نفسه بابه.. حسيت إن الجبروت والمسطرة اللي كنت ماشية بيها ما هما إلا كسر وخراب جيبناه بإيدينا لبيت ابني. ولأول مرة، اعترفت قدام نفسي إني أنا اللي غلطت وإني ظلمت البت وقسيت عليها وهي مالهاش ذنب غير إنها أمانة في رقبتنا وسكتت على ضيمها.

قمت وقفت بثقل كأن سنين عمري نطت فوق كتفي، ونادين بصت لي بقلق وقالت:
ـ “رايحة فين يا ماما؟”
قلت لها صوت حزين ومبحوح:
ـ “رايحة أصلح اللي كسرناه يا نادين.. رايحة أرد للبت حقها قبل ما ربنا ينتقم مننا.”

دخلت أوضتي وجهزت شنطة صغيرة فيها حاجات، وطلبت من نادين تجيب كل الهدوم اللي خدتها من دولاب شيماء وترجعها مكانها نظيفة ومكوية، ونزلت ومعايا ولادي الاتنين، وعدينا على أكبر محل جملة واشترينا هدايا غالية وطقم عطور محترم يليق بعروسة، وطلعنا على شقة إبراهيم.

قلبي كان بيدق بعنف وأنا دايسة على جرس الباب.. ثواني واتفتح الباب، وطلعت شيماء وشها باين عليه آثار العياط والكسرة، أول ما شافتني بصت لي بذهول وخوف، وفضلت واقفة مكانها مش مصدقّة عينيها إن أنا اللي واقفة على بابها تاني.

قبل ما تنطق بحرف، فتحت إيدي وخدتها في حضني بقوة، وقولت بصوت بيترعش من الندم:
ـ “حقك عليا يا شيماء.. سامحيني يا بنتي. أنا سودة عيشَتكم وافتريت عليكي ونسيت إنك في مقام بنتي، وجاية النهاردة انا براضيكى وأبوس على رأسك.. ابني كان صَح، وأنا اللي كنت عميا.”

شيماء اتفاجأت برد فعلي، ووقفت ثواني مذهولة، لكنها لقتني ندمانه فعلا، وقالت بصوت دافئ كله طيبة وأصل:
ـ “حصل خير يا طنط.. خلاص، اللي حصل عفا الله عن ما سلف، والمهم إنك فهمتيني.”

دخلت الشقة، وقعدت مع أهلها اللي كانوا موجودين، واعتذرت لأبوها وأمها قدام الكل، ورجعت هدومها مكانها، وقعدت معاها لحد ما هديت خالص.. حسيت ساعتها بس إن الطوب اللي كان على صدري انزاح، وإن رضا ربنا ما يتخدش بالظلم ولا بالتحكم، وإن احترام بيت الغريب هو أساس البيت السليم.

ومن يومها، القلوب صِفيت والدنيا اتغيرت تماماً.. شيماء أثبتت إنها بنت أصول، بقت هي اللي تعدي عليا كل كم يوم بحاجة حلوة عاملاها بإيديها، تقعد معايا وتونسني، وأول ما تطب عندي تقولي: “يلا يا طنط تعالي باتي معايا أنتِ والعيال يومين نغير جو والشقة من غيركم فاضية.”

بقيت أروح عندها، بس المرة دي وأنا ضيفة معززة مكرمة، أدخل بيتها باحترامي وهي تشيلني من على الأرض شيل. لا بقيت أتدخل في مطبخها ولا في موبايلها ولا أعرف قرش اتصرف فين، وهي من أدبها بقت هي اللي تجري تديني التليفون وتقولي: “تعالي يا طنط كلمي إبراهيم فيديو call عشان يتطمن عليكِ.”

وإبراهيم لما شاف الدنيا هديت والنفوس اتصلحت، بقى يكلمني ودماغه مرتاحة في غربته، يدعيلي ويقولي: “ربنا يخليكِ ليا يا أمي وما يحرمناش من حنيتك، أنتِ وشيماء عيلتي وسندي.”

ساعتها بس عرفت إن البيت ما بيتعمرش بالمسطرة والقسوة، لكن بيتعمر بالحب والكلمة الطيبة والرحمة، وإن اللقمة لما تتاكل براحة بال وطيب خاطر بتكون أطعم بكتير.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”

2 من 2التالي
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى