
القصة كملت، والنار اللي ولعت في قلب أحمد وداليا مكنش هطفيها مية البحر. لما دخلت شقتي القديمة وقررت أقفل الباب، حسيت إن العالم بره ده كله بقى كوم، وأنا في كوم تاني خالص. قعدت على الكرسي بتاعي وفتحت كيس اللحمة والطلبات اللي اشتريتها، ودخلت المطبخ عملت لنفسي أحسن لقمة أكلتها من تلات سنين، وأنا حاسة بريحة العزة والكبرياء مالية البيت.
لكن بره الشقة، الوضع كان جحيم حقيقي.
أحمد فضل قاعد على عتبة باب الشقة في الشارع بالساعات، منهار ومش مصدق اللي ضيعه من إيده بغبائه وقسوته. الملايين اللي كانت ممكن تخليه ملك زمانه، وتفتح قدامه أبواب الدنيا، ضاعت منه في لحظة طيش وجبروت. والأسوأ من كده نظرة الجيران والناس اللي كانوا ملمومين بيتفرجوا عليه وهو قاعد بيعيط زي العيال الصغيرة.
داليا مراته نزلت له وهي بتترعش، وشها أصفر من الصدمة، ومسكت فيه وبقت تزعق فيه وهي بتعيط:
* ضيعتنا يا أحمد! ضيعت مستقبل عيالك ومستقبلنا كلنا! ملايين يا حمار! ملايين كانت هتبقى في إيدنا! إنت إزاي تعمل كدة في أمك؟! إزاي تمد لسانك عليها وتطردها؟! لو كانت قاعدة على تراب رجليها كنا شيلناها جوه عيوننا! الحقها يا أحمد! قوم صالِحها، اسجد تحت رجليها، قولها إحنا نموت عليكي!
أحمد بص لها بعينين كلهما غضب وقرف، وقام زقها بعنف وقال بصوت عالي جاب آخر الشارع:
* إنتي اللي شجعتيني! إنتي اللي كل يوم كنتِ تزنّي فوق راسري وتقوليلي أمك بتعمل إيه وأمك مش عارف إيه! إنتي اللي نسيتيني أصلًا إني ابنها! غوري من وشي دلوقتي حسن والله أكون دابحك!
طلعوا الاتنين الشقة بتاعتهم، ومن اللحظة دي، بدأت المشاكل والخناقات الكبيرة تدق باب بيتهم. داليا بقت تصرخ وتلومه كل ثانية وتقوله إنت السبب، وهو مابقاش طايق يسمع صوتها ولا يشوف وشها، وبقى يقعد بالساعات في الشارع مش عايز يطلع البيت اللي بقى بالنسبة له مقبرة.
**أما عندي أنا، فالأحداث كانت ماشية في سكة تانية خالص.**
تاني يوم الصبح، لقيت جرس الباب بيضرب. فتحت، لقيت أحمد واقف قدامي، بس شكله كان متبدل خالص. عينه سودة من السهر، وشنبه طالع، وهدومه مبهدلة، ومنظر يكسر القلب بجد. أول ما شافني، نزل على ركبه في المدخل وباس جزمة الباب، وفضل يعيط بصوت مكتوم وقال:
* يا أمي.. عارف إني مش وش رضا، وعارف إن اللي عملته مايغفرهوش غير ربنا.. بس والله أنا بندم كل ثانية تنفس فيها من ساعة ما سيبتي البيت. مش عشان الفلوس والله يا أمي، والله العظيم ما فارقين معايا قصاد إنك تسامحيني.. أنا ابنك.. هوني عليا!
فضلت واقفة وباصه له ببرود وقلت بصوت حاسم:
* يا أحمد، الفلوس اللي بتعيط عليها دي مش فارقاني، ولا حتى كنت هحرمك منها لو كنت لقيت منك كلمة حلوة أو معاملة إنسانية. أنا ربيتك وتعبت وشقيت عشان أشوفك راجل، مش عشان لما أكبر وتعلى عليك النعمة تذلني وتقولي “فاتحلك لوكاندة”. الكلمة دي كوت قلبي يا أحمد، والوجع اللي في قلبي ملوش تمن، ولا ملايين الدنيا كلها تقدر تداويه.
* يا أمي عشان خاطري.. تعالي ارجعي شقتنا، واقعدي على راسنا، وكل اللي تؤمريه هيتنفذ..
* شقتكم؟ شقتكم دي تخصك إنت ومراتك، أنا ليا بيتي، الشقة اللي عشت فيها أحسن أيام عمري مع أبوك الله يرحمه، وهنا هموت وهنا هقفل عيني. امشي يا أحمد، وسيبني في حالي، وابقى زورني من وقت لثاني لو حسيت إنك محتاج تسأل على أمك، بس كفاية لحد هنا.
وقفت، وقفلت الباب في وشه بمنتهى القسوة، وهو فضل يخبط ويعيط، بس مبرجعتش في كلامي.
**لكن الصدمة الأكبر والتحول الجذري في الحكاية حصل بعد أسبوعين بالظبط.**
كنت قاعدة في الصالة بشرب قهوتي، ولقيت التليفون الأرضي (القديم اللي كنت مصممة أشغله) بيفضل يرن. استغربت، مين لسه بيكتب رقم التليفون ده غير أحمد؟ شلت السماعة، ولقيت صوت غريب، صوت راجل غلبان و صوته مكسور ومتردد بيقول:
* السلام عليكم.. يا حاجة صفا.. معاكي عم إبراهيم بواب العمارة اللي كان فيها ابنك أحمد.
قلبي انقبض وسألته بسرعة:
* وعليكم السلام يا عم إبراهيم.. خير؟ أحمد صراحه جراله حاجة؟
* البقاء لله وحده يا حاجة.. أحمد ابنك في المستشفى، وحالته ربنا يرتجف ليها القلوب.
* مستشفى إيه؟! ابني جرا له إيه انطق؟!
* يا حاجة.. ابنك من كتر الندم والضغط العصبي والخناقات اللي بينه وبين مراته كل يوم، امبارح بليل وهو سايق عربيته على الدائري، جاله هبوط حاد ودوخة فظيعة من كتر العياط والتفكير، وعربيته دخلت في نقل كبير.. العربية اتقلبت بيه، وهو دلوقتي في العناية المركزة بين الحياة والموت!
حسيت إن السقف نزل فوق دماغي.. التليفون وقع من إيدي على الأرض وتكسر ألف حتة. عيني جمدت، وجسمي كله بدأ يترعش. مهما عمل فيا، ومهما جرحني، فده في الآخر حتة مني.. ده أحمد.. اللي شيلته في بطني وسهرت على تعبه!
جريت زي المجنونة، لبست إسدال الصلاة بتاعي من غير ما أحس، ونزلت وقفت أول تاكسي وقولتله اسم المستشفى وأنا حاطة إيدي على قلبي اللي كان بينط من صدري.
وصلت المستشفى زي الطيف، وسألت على رقم الغرفة في العناية المركزة. لقيت داليا قاعدة على الكرسي بره، شعرها منكوش وعنيها ورمة من العياط، وأول ما شافتنني، جريت عليا وراحت رامية نفسها تحت رجلي وبقت تصرخ وتقول:
* الحقيني يا حاجة.. أحمد بيموت.. أحمد بيموت بسببنا! الدكتور لسه طالع وقالنا حالته خطيرة جداً والنزيف داخلي ومش عارفين نسيطر عليه! الحقيني يا أم أحمد!
مبصتش لداليا خالص، وعديت من جنبها كأنها مش موجودة، ووقفت قدام إزاز العناية المركزة. بصيت جوه.. لقيت أحمد نايم على السرير، متوصل بألف جهاز، وراسه ملفوفة بالشاش، ووشه أبيض زي الكفن.
نزلت دموعي غصب عني، وخبطت على الإزاز بإيدي وأنا بقول بصوت دافئ مليان حرقة:
* يا أحمد.. يا ضنايا.. قُم.. قوم يا أحمد سامحتك والله سامحتك! متسيبنيش.. أنا ما عنديش غيرك في الدنيا!
في اللحظة دي، خرج الدكتور المسؤول عن حالته، وبص لنا نظرة أسف وقال:
* للأسف يا جماعة، الحالة متأخرة جدا، والنزيف في المخ شديد، والضغط بينخفض بسرعة.. لو محتاجين تعملوا له عملية عاجلة عشان ننقذ ما يمكن إنقاذه، التكلفة هتكون عالية جداً وهتتطلب مبلغ كبير عشان ندخل جراح كبير ومعدات خاصة، والمستشفى مش هتبدأ غير لما المبلغ يتدفع فوري في الخزنة (نصف مليون جنيه كدفعة أولى).


