
داليا لطمت على وشها وقالت بصوت متهدج:
* نص مليون جنيه منين؟! إحنا على باب الله وكل فلوسنا خلصت في الديون والمصاريف! يا دكتور والنبي اتصرفوا!
* دي إجراءات مستشفى، وأنا مش بايدي أعمل حاجة بدون المبلغ.
بصيت لداليا، وبصيت للدكتور، وفتحت شنطتي الصغيرة ببطء شديد، وطلعت الشيك المعتمد من البنك ومعاه الكارت، وطلعت ورقة ورميتها على مكتب الاستقبال قدام الدكتور وقلت بصوت صارم:
* اتفضل.. اكتب الإيصال، ودخل أحسن جراح في البلد حالاً، وعملوا له العملية فوراً.. ولو الملايين دي كلها هتروح فداء لظفر ابني، يبقى حلال عليه وعليهم!
الدكتور فتح عينه بصدمة لما شاف الرقم والورق، ودار بعينه مذهول وقال:
* تحت أمرك فوراً يا حاجة.. هندخل العمليات حالا!
دخلوا أحمد العمليات، وقعدت أنا وداليا على كراسي الاستظهار.. ساعات طويلة مرت وكأنها سنين، كنا قاعدين في صمت تام، كل واحدة فينا بتحاسب نفسها قدام ربنا. داليا كانت بتعيط بندم حقيقي وتقولي:
* سامحيني يا ماما.. أنا كنت شيطنة.. أنا كنت طماعة.. سامحيني عشان خاطر ابنك!
وكنت ساكتة وبدعي ربنا بكل خفقة في قلبي إنه يرجعلي أحمد سليمان معافى، ومكنش فارق معايا فلوس ولا ملايين الدنيا كلها قصاد ضحكة واحدة منه.
بعد ست ساعات طويلة، اتفتح باب العمليات، وطلع الدكتور وابتسامة خفيفة على شفايفه وقال:
* الحمد لله.. العملية نجحت بصعوبة بالغة، وربنا ستر وعدينا مرحلة الخطر.. بس محتاج يفضل تحت الملاحظة المشددة في العناية لغاية ما يسترد وعيه تماماً.
حسيت إن روحي رجعت لجسمي، سجدت على الأرض شكر لله، وحمدت ربنا ألف مرة.
**بعد أيام، وفي غرفة العناية العادية..**
فتح أحمد عينه ببطء شديد، وبص حواليه بتعب. أول ما شافني قاعدة جنبه على الكرسي وماسكة إيديه وبقرأ له قرآن، دمعت عينه وضعف صوته وباس إيدي وهو بيقول بصوت مكسور:
* أمي.. إنتي لسه بتحبيني؟ بعد كل اللي عملته معاكي.. لسه جيتي وقفتي جنبي وأنقذتني بفلوسك؟
* سكت، وحطيت إيدي على راسه وقلت بدموع حانية:
* يا غبي.. الأم عمرها ما تكره ابنها، ولا تحوش عنه الخير حتى لو ظلمها. إنت ابني يا أحمد، ومهما حصل، ضلعي اللي استندت عليه طول عمري. بس عاهدني.. عاهدني إنك تعلمت الدرس، وإن كرامة أمك عندك أغلى من أي كنز في الدنيا.
بكى أحمد بحرقة على إيدي وقال:
* عهد عليّ يا أمي.. طول ما أنا عايش، إتي هتبقي الملكة بتاعة البيت، وتاج فوق راسنا كلنا، ومراتي وعيالي خدامين تحت رجليكي!
بصيت له وابتسمت، وحسيت أخيرًا إن العاصفة خلصت، وإن ربنا أراد يجمعنا تاني، بس المرة دي.. على أصولها الصح، بكرامة محفوظة، وقلوب صافية، وعيلة رجعت لبعضها بعد ما كانت على حفرة الموت.
وفت الأيام، ورجعت المياة لمجاريها، بس بشكل تاني خالص.. شكل فيه احترام متبادل، وتقدير حقيقي، وعشرة مايهدهاش ريح.
أحمد خرج من المستشفى ورجع البيت، ولقيت داليا مراته واقفة على باب الشقة مستنيانا، وأول ما دخلنا نزلت على ركبينا الاتنين، وبقت تبوس إيدي وتقولي:
* يا ماما، ربنا كتبلي عمر جديد أنا وأحمد عشان أشوف بعيني إنتي إزاي ست عظيمة. سامحيني على كل كلمة وجعتك، واعتبريني من اللحظة دي خدامة تحت رجليكي.
بصيت لها بحنية، ومسكت إيدها وقومتها وقلت لها:
* قومي يا بنتي.. اللي فات مات، والميت مبيرجعش، وإحنا صفحة جديدة وبنفتحها مع ولادنا، المهم العبرة وإن الواحد يتعلم من قسوته.
ومن يومها، بقا بيت أحمد بالنسبة لي حاجة تانية خالص. أحمد مبقاش يستخسر فيا كلمة حلوة، وبقى كل ما يدخل من الباب ينادي بأعلي صوته: “فين ست الكل؟”، ويروح يبوس رأسي وإيدي، ويقعد جنبي بالساعات يسمعني ويطمني. حتى أحفادي اتغيروا، وبقوا يجروا عليّ أول ما يدخلوا، ويعرفوا إن تيته دي أغلى حاجة في الوجود.
أما عن الملايين.. فالحمد لله، جزء كبير منها اتحط في حسابات باسم أحفادي عشان أؤمن مستقبلهم وتعليمهم، والجزء التاني استثمرته في حاجات تضمن لي عائد ثابت كريم يخليني دائمًا مرفوعة الراس، لا محتاجة لحد ولا مظلومة من حد.
رجعت لبيتي القديم أحياناً لما أبقى عاوزة أقعد مع نفسي شوية ذكريات، بس بقيت أقضي معظم وقتي مع ابني اللي حس بقيمتي بجد بعد ما كاد يضيع مني.
ساعتها عرفت حكمة ربنا في كل اللي جرى.. إن ساعات الكسر الكبير، بيكون هو البداية الحقيقية للحياة الصح، وإن غالية الأم عمرها ما تتقدر بفلوس.. وإن الكرامة هي رأس مال الإنسان اللي مفيش مكسب في الدنيا يعوضه لو ضاع.
وفي يوم من الأيام، وأنا قاعدة في الصالة بشرب كوباية الشاي، لقيت أحمد وداليا داخلين عليا وبشوشهم ابتسامة واسعة كأنهم مخبئين مفاجأة.
أحمد قرب مني وقعد جنبي، ومسك إيدي وقال بحماس:
* يا أمي.. جهزي نفسك، وارجعي لمي هدومك في الشنطة، بس المرة دي مش عشان تسبينا، دي عشان رحلة العمر!
بصيتله باستغراب وقلت:
* رحلة إيه يا ابني وعلى فين؟
داليا ضحكت وقالت بسرعة:
* أنا وأحمد اتفقنا.. الفلوس اللي ربنا رزقك بيها، والتيار اللي حصل خ让我们 نفوق، خلانا نعمل حاجة تانية خالص. إحنا بعنا الشقة القديمة بتاعتكم، وحجزنا لحضرتك أحلى رحلة عمرة في أطهر بقاع الأرض، وبعد ما ترجعی بالسلامة، مش هتعدي في شقتنا الضيقة دي تاني.. إحنا اشترينا بيت واسع كبير، في الدور الارضي عشان رجليكي، وكل ركن فيه متصمم لراحة ست الكل!
حسيت بغصة في زلقي ودموع الفرحة نزلت من عيني من غير إرادة. بصيت لصور جو الله يرحمه، ولقيت قلبي مرتاح أخيرًا وحاسس إن كل شقا العمر وتعب السنين ما راحش هدر. ربنا بيكرمني في آخر عمري بأحسن تعويض.
حضنت أحمد وداليا وأحفادي، وعرفت وقتها إن العيلة الحقيقية مش اللي تجمعنا بينهم الحيطان، دي اللي تجمعنا فيهم المحبة، والوجع اللي بيعلم، والقلوب اللي بتصفى.
وهنا.. قفلت كتاب الحكاية، وأنا حاسة إن أحلى سنين عمري لسه بادئة حالا.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



