
ابن أمه اتجوزني وأنا عندي 18 سنة، وبابا اتفق معاه نكتب رسمي بعد ما تنتهي فترة معينة بالاتفاق، وكتبنا ورقة عرفي. دخلت البيت ده وأنا لسه صغيرة مش فاهمة حاجة في الدنيا، لقيت حماتي هي الآمرة الناهية، وممشية ابنها بكلمة منها. من ثاني يوم جواز، نزلتني أخدم البيت كله من الفجر، وكنت دايماً أشوف في عينها نظرة القلة والاستحقار. كانت دايماً تبعد ابنها عني وتملى دماغه ضدي، وتدخل سلايفي المطبخ وتقولهم قدامي بمنتهى القسوة: “أنا بدل ما أجيب خدامة بفلوس كل شهر، روحت جوّزت ابني عيلة بكلمتين وبورقة عرفي! تقف تخدمكم وتكنس تحت رجليكم وهي ساكتة!”.
كلامها ده سمّم أفكارهم، وخلاهم يكرهوني ويبعدوا عني وما يتعاملوش معايا غير كأني شغالة عندهم. وكل ما كنت أحاول أقرب من واحدة منهم، كانت تكسفني وتقل مني عشان ترضي حماتى وتورّيها إنها مقتنعة بكلامها. ومع ذلك، لما سلفتها الصغيره ولدت، طلعتلها ومسحتلها الشقة وكنت شبه الخدامة عندها، أعملها الأكل وأشيل بنتها عشان تنام وتصحى تلاقي الأكل معمول والشقة رايقة، حتى أهلها لما جم أنا اللي كنت بخدمهم عشان بس ما أكونش منبوذة وسطهم.
ولما سلفتها الكبيرة عملت الزايدة، سبت ولادي لأمي وروحت قعدت معاها في المستشفى أخدمها، وقبل ما تروح من المستشفى طلعت مسحتلها الشقة وغسلتلها السجاجيد وعملت لها أكل أسبوع كامل يمكن ترضى عني وتتعامل معايا بآدمية.. بس كلام حماتي ليهم إني أقل منهم وإني مالكيش صفة رسمية، خلى الخدمة دي في نظرهم فرض وواجب عليّ، وبقوا يطلبوا مني التنضيف والمسح بقلة ذوق كأني خدامة بفلوسهم. وما كفهاش إنها كسرت نفسي قدامهم ونزلت دمعتي حارقة على خدي، دي كملت قسوتها وراحت ملّت دماغ ابنها ضدّي.
ابن أمه اللي دخلت بيته وأنا عندي 18 سنة، بدل ما يجي يحضنني ولا يطيّب خاطري ويجيبلي حقي وحق كرامتي اللي اتداس عليها، دخل عليا الشقة وعينه مليانة قرف واستحقار. بقى يبصلي وكأنه شايف الخدامة اللي أمه حكتله عنها، مش الزوجة اللي صانته وصانت بيته. بقيت لما أطلب منه كلمة حنينة أو أقوله “حقك عليا لو زعلتك”، يقفز من مكانه ويقولي ببرود: “أنا مش شايف فيكي ست أساساً عشان أتعامل معاكي! أنتِ أختي وأمي هما اللي مأكلينك بلقمتك!”.
بقى يسيب الشقة وينزل ينام تحت عند أمه بالشهور، يقضي معاها السهرة وياكل عندها، ويطلعلي بس عشان يديني الأوامر: “انزلي اغسلي لأمي”، “اطلعي امسحي لسلفتك”. بقيت بالنسبة له مجرد ظل في البيت، لا لِيّ كلمة ولا خاطر، ينام عند أمه ومايفكرش حتى يسأل عليا إن كنت أكلت ولا تعبت ولا اتخنق بيا المكان. كنت أقعد في أركان الشقة بالليل لوحدي، أتفرج على ألعابي القديمة ودفتري اللي سبتهم في بيت أبوي، وأسأل نفسي: هو أنا ذنبي إيه؟
ذنبي إني اتجوزت عرفي؟ ولا ذنبي إننا اتفقنا نكتب رسمي ومكنش فيه ضمان غير الكلمة؟ بقيت عايشة بين أربع حيطان زي الميتة، أخدمهم النهار كله بالوجع والقهر، ولما يجي الليل أرجع لشقتي الفاضية، لا زوج يشيل عني ولا حنية تسندني، وهو نازل تحت غرقان في أحضان أمه اللي نجحت إنها تخليه يكرهني ويقرف مني ومن وشي. فضلت مستحملة القهر والذل وخدمة البيت كله، وجوزي اللي نايم عند أمه وقارف مني وشايفني مجرد خدامة.. كل ده وكنت بأصّبر نفسي بحلم واحد ساكن في قلبي: “معلش يا بت استحملي.. كلها كم سنة ونكتب رسمي، وأول ما يتكتب الكتاب على يد مأذون، أطلب الطلاق وأمشي مرفوعة الراس وأخد حقوقي كاملة”.
كنت ببلع الإهانة وأسكت، وأعد الأيام والشهور والمصائب بتنزل على دماغي، وأقول لنفسي: بكرة نكتب رسمي، بكرة السلسلة دي تتفك من رقبتي، وبابا يتدخل لو فكروا يلعبوا معايا، وأخلص من السجن ده وأطوي صفحة الذل والخدمة للأبد. فضل الحلم ده هو القشة اللي ماسكة فيها عشان ما أقعش.. لحد ما جِه اليوم اللي اتفقنا نكتب فيه رسمي بالتمام والكمال..
واللي حصل ساعتها نزل عليا زي الصاعقة وشقلب دنيتي، وهدّ الحلم الوحيد اللي كنت عايشة عليه ومصبّرة بيه نفسي طول السنين اللي فاتت.. في اليوم الموعود، قمت من الصبح، قلبي بيفط من الفرحة، حاسة إن السلسلة المقفولة على رقبتي خلاص هتتفك وهنتجوز رسمي. جربت لأول مرة أرفع رأسي، ورفضت أنزل أخدم في المطبخ أو أمسح السلالم. جريت كلمت أبوي في التليفون وصوتي بيترعش من اللهفة: “الحقني يا بوي.. النهارده ميعادنا مع المأذون، تعال عشان نكتب رسمي، وحسبي الله ونعم الوكيل، أنا مش قادرة أكمل معاهم ثانية واحدة، أول ما يتكتب الكتاب هطلب الطلاق ونخلص من الكابوس ده!”.
رد عليا أبوي بسكوت يرعب.. سكت فترة طويلة لدرجة إني افتكرت الخط اتصلح أو قطع، لحد ما سمعت منه تنهيدة مكسورة وهدّت حيله، وقال بصوت واطي وموجوع: “يا بنيتي.. الجواز الرسمي إيه وطلاق إيه بس اللي بتتكلمي عنه؟.. الورقة العرفي اللي كانت مع المأذون.. ضاعت!”. الدنيا دارت بيا، والسقف كان هيقع على دماغي.. صرخت بصوت مكتوم: “يعني إيه ضاع يا بوي؟! ضاع كيف يعني؟!”.
قال وهو بيعيط: “النسخة اللي كانت مع المأذون العرفي، المأذون مات من سنة، وأهله لما قلبوا في دفاتره وورقه ما لقوش حاجة، والنسخة اللي كانت معايا وقعت مني ولا اتسرقت لما كنت في المستشفى بنقل دم.. أنا ما حبتش أقولك عشان ما أكسرس خاطرك يا بنيتي، بس إحنا معاناش ولا ورقة رسمية نثبت بيها جوازنا أصلاً!”.
السما اتطبقت على الأرض في عيني.. الحلم اللي صبّرت بيه نفسي سنين اتحول لسراب. خرجت من الأوضة وأنا ماشية زي المجنونة، مش حاسة برجليا.. ولقيت حماتي واقفة في الصالة، وحاطة إيدها في وسطها، وجوزي واقف وراها زي الخيال. بصتلي بمنتهى التشفي والقسوة، وضحكت ضحكة سمّت عروقي، وقالتلي: “إيه يا حلوة؟ فاكرة إنكم هتلوي دراعنا وتكتبوا رسمي؟ أصلك فاكرة إننا مجانين ومش عارفين إن الورقة راحت وبقت تراب؟ إحنا عارفين من سنة! وعارفين إن مالكيش عندنا لا حق ولا مستحق، ولا ليكي قبالنا أوراق نثبت بيها إنك دخلتي البيت ده أساساً!”.
كلامها نزل عليا كأنه مية نار.. بصيت لجوزي، لابن أمه اللي صنت بيته وخدمته، ومنتظرة منه كلمة واحدة تشد أزري، لقيته بصلي بقرف ورفع حاجبه وقال بمنتهى البرود وندالة ابن الأصول: “أمي بتتكلم صح.. أنتِ هنا لا مراتي ولا أعرفك، أنتِ كنتِ مجرد واحدة جابتها البلد وقعدت في البيت بكلمتين، ورقتك وبُلّت.. وإن كان عاجبك تقعدي تخدمي وتحمدي ربنا إننا مأكلينك شاربينك وقافلين عليكِ باب، أهلاً وسهلاً.. مش عاجبك، الباب يفوت جمل، غوري لبيت أبويكي حافية من غير ولا مليم، ورّينا هتاخدي حقك بأنهي ورقة يا شاطرة!”.
ساعتها بس فهمت ليه كان بينزل ينام عند أمه، وليه كانوا بيتعاملوا معايا بمنتهى الفجر والافتراء.. هما كانوا ضامنين إن ماليش ظهر، وإن الحلم اللي عايشة عليه مقتول من سنة من غير ما أعرَف. وقفت في نص الصالة، دموعي جفت في عيني، والكسرة اللي كانت في قلبي أتحولت لنار شرار. أدركت إن الضعف والرجا في ناس ما بتعرفش ربنا مش هيجيب غير الذل. مسحت وشي بطرف طرحتي، وبصيت في عين حماتي وجوزي بثبات وقسوة عمري ما عرفتها في نفسي قبل كده، وقولتلهم بصوت هادي وزي الموس: “حق الورق ممكن يضيع.. بس حق ربنا ما بيموتش. وأنتم فاكرين إنكم كسرتوني عشان معيش ورقة رسمية؟ ورب العرش، لأخليكم تدوروا عليا وتترجوني عشان أسامحكم.. والبيت ده مش هخرجه مهزومة، أنا اللي ههدّه على دماغكم باللي فيه!”.
ونـزلت على بيت أبويا وأنا حاسة إن الأرض بتتهز تحت رجليّ.. مسكت نفسي بالعافية لحد ما دخلت من الباب، ولقيت أبوي قاعد على الدكة مقهور، حاطط إيده على وشه وبيعيط، وخايف يبص في عيني بعد ما خذلني وسابني عايشة في وهم. قربت منه، وطيت على إيده بستها، وقولتله بصوت حاسم ثابت عمري ما طلع مني قبل كده: “ارفع رأسك يا بوي.. دموعك دي غالية، وورقتهم اللي فاكرين إنهم كسروني بيها أنا هطلعها من عينهم بالقانون وبالشرع”.


