
أبوي بصلي بذهول، وقال بصوت بيترعش: “كيف يا بنيتي؟ والورق ضاع والمأذون مات! هنسوي إيه قدام القاضي؟”. قولتله تعالى نروح لمحامي وأكيد هو هفيدنا يا ابويا… تاني يوم، أخدت أبوي ورحنا للمحامي. قعدت قدامه وسردتله القصة كلها بالحرف. المحامي ابتسم وقال: “هما فاكرين إن الجواز العرفي لما ورقتين منه يضيعوا يبقى خلاص؟ إحنا هنرفع دعوى إثبات زوجية، وهنطلب الشهود اللي حضروا الفرح، وهنستشهد برسايل الواتساب والتليفونات، وأهل المنطق كلهم يشهدوا إنك كنتِ عايشة في البيت ده سنين بصفة زوجة. وعشان القضايا دي بتاخد وقت، إحنا هنعملهم محضر تمكين من شقة الزوجية لأنك كنتِ مقيمة فيها بالكامل!”.
ما كملناش أسبوع، وكانت القضية مرفوعة، وقوة من الشرطة نازلة للبيت عشان تعمل معاينة وتحريات المباحث عن إقامتي في الشقة! أول ما المباحث نزلت وسألت أهل الشارع والجيران، الكل شهد وقال: “أيوه، دي مراته وعايشة معاه من سنين وبتخدم في البيت من الصبح للمغرب!”. الجيران اللي كانوا شايفين قسوتهم وظلمهم ليا، ما ترددوا ولا ثانية، والكل وقف معايا وردوا اعتباري قدام الناس.
وفي نفس الوقت، المحامي بعتلهم إنذار رسمياً على يد محضر بدعوى إثبات الزوجية، ومعاها نفقة بنوعيها، وأول ما يثبت الجواز بالمحكمة، هيكون القاضي هو اللي بيطلقني طلاق للضرر مع التحفظ على كل حقوقي الشرعية والمالية! لما نزلت القوة عشان تتأكد من المحضر، حماتي طلعت تصرخ وتولول في الشارع فاكرة إنها بالصوت العالي هترهبنا، بس الظابط وقفها عند حدها وقالها: “القانون ما بيمشيش بالأذرع يا حجة، والقضاة هي اللي هتحكم في التحريات والشهود”.
جوزي، ابن أمه، طلع يطري ورا المحامي قدام العمارة، وشه أصفر زي الليمونة، ولسانه اللي كان بيطول عليا ويقولي كلام قاسي بقا بيتلعثم وبيترجاني قدام الجيران: “يا بنت الحلال تعالي نتفاهم بالود، بلاش تفضحينا في المحاكم والنيابات!”. بصيتله بعين ملانة قرف واستحقار، ورجعتله نفس الكلمة اللي قالهالي في الصالة: “الود ده كان يوم ما صنتك وصنت بيتك بالخدمة والدموع، أما دلوقت.. القانون بيني وبينكم، وحق السنين اللي أكلتوا فيها شبابي هيطلع من عينكم بالقانون ورجليكم فوق رقابكم!”.
وسبتهم واقفين في الشارع، والناس كلها بتبص عليهم، ودخلت بيت أبوي وأنا مرفوعة الرأس، عارفة إن الحق جاي جاي، وإن ربنا ما بيسيبش ظالم. ودارت الأيام.. وحماتي وابنها اللي كانوا فاكرين إنهم فوق القانون، وبيمسحوا بيّ الأرض لأن ما معييش الورقة الرسمية، بقوا هما اللي بيدوروا في أروقة المحاكم، ووشهم في الأرض قدام القرايب والجيران. المحكمة جابت شهدائها؛ الجيران اللي شافوني بخدم في البيت، والناس اللي حضرت الفرح، والشهود اللي بصموا وشهدوا على تحريات المباحث. كل حاجة صرخت في وجههم وقالت: “دي كانت زوجته شرعاً وأمام الله والناس جميعاً!”.
وفي يوم الجلسة الحاسمة، وقفت أنا وأبوي في قاعة المحكمة، رافعة رأسي بثبات، لابسة توبي النضيف وشخصيتي الجديدة اللي اتولدت من رحم القهر. دخل جوزي وأمه ورا بعض، وجوههم زي الليمون الملموم، خايفين من الفضيحة ومن المبالغ والتعويضات اللي هتتنزل على دماغهم. وقف القاضي، وبص في أوراق القضية، وبعد التحريات والشهادات الثابتة، نطق بالحكم اللي هز أركان القاعة وأثلج صدري: “حكمت المحكمة أولاً: بإثبات زوجية المدعية للمدعى عليه.. وثانياً: تطليق المدعية طلاقاً بائناً للضرر الشديد، مع إلزام المدعى عليه بسداد كافة مستحقاتها الشرعية والمالية من نفقة ومتعة ومؤخر صداق، وإلزامه بالمصاريف!”.
أول ما القاضي نطق الحكم ودق بالمطرقة، حسيت بكابوس السنين بيتزاح عن صدري، وتنهيدة حارة خرجت من جوفي غسلت كل الدموع اللي نزلت مني. حماتي وقفت في قاعة المحكمة مصدومة، مش مصدقة إن العيلة اللي استقووا عليها خرجت من تحت أيدهم بالقانون، وخدت حقها بالقوة والشرع!
قرب ابن أمه مني، وشه مليان ندم وذل، وقال بصوت خافت وبيترعش: “سامحيني يا بنت الحلال.. أمي هي اللي عبت رأسي، وأنا كنت أعمى.. ارجعيلي ونكتب رسمي ونعملك اللي أنتِ عايزاه!”. بصيتله بنفس العين اللي كان يبصلي بيها وأنا بترجاه يكلمني كلمة حنينة، وابتسمت ابتسامة هادية وباردة، وقولتله: “تكتب رسمي لمين؟ أنا أطهر وأكبر من إن اسمي يتربط باسمك ثانية واحدة. أنت وأمك فاكرين إنكم كسرتوني، لكنكم صنعتوا مني ست مش هتعرفوا تبصوا في وشها ثاني.. فلوسكم وحق الشرع هاخده بالقانون لحد آخر مليم، وكرامتي أخدتها خلاص يوم ما القاضي أداني حريتي ورميتكم ورا ضهري!”.
مسكت إيد أبوي المرفوعة، وخرجنا من باب المحكمة، والشمس طالعة بتنور دنيتي الجديدة.. سبتهم غرقانين في ديونهم وفضيحتهم، ومشيت وأنا عارفة إن حق ربنا ما بيموتش، وأن الظلم لو طال ليلة.. فالعدل جاي جاي مع طلوع النهار. ومرت السنين.. والدنيا دارت دورتها اللي ما بتظلمش حد.
أنا أخدت كل حقوقي المادية والشرعية لحد آخر مليم، وفلوس المتعة والمؤخر ونفقة السنين نزلت على دماغهم زي الصاعقة، واضطر ابن أمه يبيع حتة أرض كانت حيلته عشان يدفع المستحقات، وأمه اللي كانت فاكرة نفسها هانم وبستصغر الناس، بقوا الجيران يتقفلوا في وشها بعد ما الفضيحة ملأت الناحية كلها، وعِرف الكل إنهم ظلموا واستقووا على بنت الناس.
أما أنا.. فكملت تعليمي، وكافحت لحد ما نجحت وجبت مجموع، ودخلت الجامعة واستقلت بذاتي. عوّضت السنين اللي ضاعت مني، وبقت البنت المكسورة ست متعلمة، فاهمة حقوقها، وواقفة على رجليها بصلابة ومستقلة بحياتها. وفي يوم من الأيام، وأنا نازلة من الشركة اللي بشتغل فيها وراكبة عربيتي، لمحته بالصدفة واقف على أول الشارع.. كان شكله كبر سنين، هدومه مبهدلة ووشه شايل هموم الدنيا، واقف جنب أمه اللي بقت تمشي على عكاز وما حدش من سلايفي الكبار راضي يخدمها ولا يعبرها، بعد ما طمعهم وحقدهم اتقلب عليهم، وبقوا هما الاثنين يشيلوا خدمة بعض ويدوقوا من نفس الكأس.
أول ما عيني جت في عينه، وقف مكانه واتسمّر، والبصّة في عينه كانت مليانة ندم وكسرة وتمني لثانية واحدة من الأيام القديمة.. بس أنا ما وقفتش، ولا حتى قلبي دق. تبسمت لنفسي ابتسامة رضا، ودست بنزين ومشيت في طريقي.. سبتهم ورايا للندم وللذكرى اللي هتفضل تطارد الذمة والضمير، وأنا معادية للمستقبل بقلب أبيض وروح مرفوعة الراس، عارفة إن اللي يسلم أمره لربنا ويصبر على الظلم.. ربنا ببدّل قهرته عزّ، وكسرته جبر يجبر بيه خاطر الصابرين.
“هذه القصة من وحي خيال الكاتب، وأي تشابه بينها وبين الواقع في الأسماء أو الأحداث هو محض صدفة غير مقصودة.”



