روايات وقصص

حكايات زهره الربيع 1

ابني عنده سبع سنين وكل ما تيجي سيرة ابوه يصرخ وتجيله حاله غريبه ، لدرجة ان ابوه اضطر يسيب البيت ، حاولنا نفهم ايه السبب بس مكانش بيرد ولا يفهمنا ، لحد يوم عيد ميلاده لما فتحنا علب الهدايا لقينا السبب في هديه منهم واللي عرفناه كان كارثه بكل المقاييس!!!!!

أنا أم لولد عنده سبع سنين، ماليش غيره في الدنيا هو وأبوه. ابني ده كان روحه في أبوه، تعلق مش طبيعي.. كان يستناه على الباب بالساعات عشان أول ما يدخل يترمى في حضنه. أبوه كان مستعد يجيبله نجمه من السما لو طلب. أي لعبة يطلبها، أي حاجة يشاور عليها، تكون عنده في نفس اليوم. كنت ساعات أقول لجوزي: “يا اسعد أنت كده بتدلعه زيادة عن اللزوم، الولد هيطلع متدلع!”، كان يبتسم ويقولي: “لو مأدلعش ابني وحبيبي، هأدلع مين يعني؟ ده فرحة عمري كله.”
​كنا عايشين مبسوطين جدا، لحد ​من سنة بالظبط، الولد كان قاعد في الصالة بيلعب بألعابه وهادي جداً ومفيش أي حاجة غريبة. فجأة، سمع صوت مفتاح أبوه في الباب. الطبيعي إنه كان بيجري على الباب، بس المرة دي حصل العكس تماماً! الولد أول ما شاف أبوه داخل، وشه اتخطف، وعينيه اتملت برعب أنا عمري ما شفته في حياتي. صرخ، وجري عليا استخبى في ضهري وهو بينفض وركبه بتخبط في بعضها، وبكى بكاء هستيري يقطع القلب.
​أنا وجوزي اتخضينا وجرينا عليه وبنحاول نفهم في ايه، بس كل ما أبوه يقرب منه خطوة، الولد يدفع إيد أبوه بخوف، ويتنفض أكتر وأكتر، وللأسف من كثر الرعب عمل حمام على نفسه وهو ماسك في جلابيتي وبيصرخ ويقول… أبعدوه عني! خليه يسيبني، قوليله يمشي !”
​أبوه اتصدم صدمة عمره. وقف مكانة زي المشلول، عينيه دمّعت ومش فاهم حاجة.. ده ابنه اللي كان لسه الصبح بيبوسه! وقف هيتجنن وأنا أخدت الولد في حضني ودخلت بيه الأوضة بسرعة، غيرتله هدومه وقعدت أهدي فيه وأطبطب عليه وأقرأ عليه قرآن لحد ما عينيه غمضت ونام وهو ماسك في إيدي جامد وكأنه خايف يصحى يلاقيني مشيت.
​طلعت لجوزي بره، لقيته قاعد على الكنبة حاطط إيده على وشه وقاللي: “هو أنا عملتله إيه؟ هو فيه إيه يا ناديه؟”، قلتله وأنا بحاول أطمنه وأطمن نفسي: “يمكن مخضوض من حاجة في التلفزيون، أو حلم كابوس وصحي مش مركز.. بكره يقوم ويبقى زي الفل.”
​لكن الكابوس ما انتهاش. الولد صحي الصبح عادي جداً، بيلعب وبيضحك معايا ويحضن فيا، وبمجرد ما أبوه دخل الأوضة عشان يطمن عليه، الولد رجع يصرخ بنفس حالة الرعب. كنا هنتجنن! الأيام بتعدي والحال بيسوأ، وكل ما احاول اساله ايه السبب مبيدنيش فرصه اول ما يسمع بس اسم أبوه أو سيرة القعدة معاه، تجيله حالة غريبة، يحط إيديه الاثنين على ودانه ويغمض عينيه ويفضل يبكي ويصرخ ويقول: “مش عايز اقول حاجه مش عايز أسمع! مش عايز أشوفه!”
​أخدناه عند أكبر دكاترة نفسيين وأطفال. الدكتور قعد معاه يحاول يستدرجه، يخليه يرسم، يخليه يتكلم.. مفيش فايدة! الولد قافل تماماً ومش راضي ينطق بكلمة واحدة. أخيرًا الدكتور قالنا: “الحالة دي حالة صدمة شديده وجود الأب حالياً بيزود الضغط على عقله الصغير. الأفضل الأب يسيب البيت فترة مؤقتة عشان الولد يهدى ونعرف نوصل للسبب.”
​القرار ده كان زي السكينة اللي اتغرست في قلبنا. أبوه أخد شنطة هدومه وخرج من بيته مكسور، أخد شقة صغيرة في العمارة اللي قبالنا عشان بس يلمحنا من البلكونة. كان يرن عليا كل نص ساعة، ويطلب أفتح السبيكر عشان يسمع ضحكة ابنه أو نفسه من بعيد.. كنت بتقطع عليه وعلى ابني اللي بيضيع مني وأنا مش فاهمة حاجة.
​مرت الأيام والشهور والحال هو الحال.. لحد ما جيه يوم عيد ميلاد الولد. يومها قلت لكل القرايب والضيوف اللي جايين الحفلة: “كل واحد يلبس قناع كرتوني على وشه، الحفلة هتبقى تنكرية للأطفال.”
​طبعاً أنا عملت كده عشان أبوه يقدر يدخل الحفلة بزي تنكري وقناع، ويحضر عيد ميلاد ابنه من غير ما الولد يعرفه ولا يخاف. وفعلاً، أبوه جه وهو لابس قناع وشخصية كرتونية، وكان طاير من الفرحة.. مسك إيد ابنه، وشاله، وضمه لصدره بحسرة وحب، والولد كان فرحان وبيضحك وميعرفش إن الشخص اللي حاضنه ده هو نفسه أبوه اللي بيترعب منه!
​وبعد ما طفينا الشمع، جيه وقت فتح الهدايا. الولد كان قاعد في النُص فرحان ومتحمس، وحواليه علب هدايا كتيرة جداً من كل الناس. بدأ يفتح علبة ورا علبة، ويضحك ويشكُر، لحد ما مسك علبة غريبة، متغلفة بتغليف فاخر، بس مفيش عليها ولا كارت ولا اسم ولا أي حاجة تقول دي بتاعة مين.
​أنا استغربت وقلت في بالي: “دي بتاعة مين دي؟ أنا ماشفتش حد جاب العلبة دي بالتحديد!”
الولد بدأ يفك الشريط ببطء، والكل واقف بيتفرج ومستني.. أول ما فتح الغطاء وبص جواه، الضحكة اختفت من على وشه
انا وابوه اول ما شوفنا اللي فيها اتجمدنا والكل حوالينا كان مصدوم ومحدش قدر يستوعب البشاعة اللي كانت جواها…
بدأ الولد يبعد العلبة عنه ببطء، ويديه الاثنين بيترعشوا بشكل هستيري. العلبة كانت بطانتها من القطن الأسود، وفي وسطها، كان فيه مجسم صغير معمول بدقة مرعبة.. مجسم بالصلصال الحراري والتفاصيل الدقيقة لولدي وهو واصل لسريره، وجنبه مجسم تاني لشخص ملامحه مشوهة وممسوحة، ماسك في إيده سكين صغير وجنبه تسجيل صوتي صغير زي اللي بيبقى جوه العرائس المتكلمة.
قبل ما حد ينا يلحق يتحرك أو يفهم في إيه، الولد من كتر الخوف صباعه ضغط بالغطاء على زار التسجيل الموجود جوه العلبة.
صوت صفير واطي طلع من العلبة، وبعدها جه صوت همس مرعب، صوت راجل مخنوق ومغير نبرته، كان بيقول بالبطيء:
“لو حد عرف السِر.. لو فكرت تقرب من أبوك أو تحضنه تاني.. هيحصل في أمك زي ما اتفقنا. أنت فاكر أنا أقدر أعمل إيه في أمك وأنت نايم؟ خليه يبعد عن البيت.. وإلا أمك مش هتشوف الشمس تاني.”
المكان كله اتسحب منه الهواء. الضيوف وقفوا زي الأصنام، الصدمة كانت قطعت لسان كل واحد واقف في الصالة. أنا حسيت بركبي بتتسحب من تحتيا، والولد اترعش بشكل كامل، ودموعه نزلوا في صمت رهيب من غير ما يطلع صوت.. عينيه كانت متثبتة عليا أنا، مش على العلبة، كان بيبصلي بصرخة مكتومة في عينيه، صرخة طفل بقاله سنة كاملة شايل هم موت أمه على كتافه الصغيرين وهو مش قادر ينطق بحرف!
في اللحظة دي، جوزي -اللي كان لابس القناع التنكري- صرخ صرخة وجع هزت الحيطان. شد القناع من على وشه ورمى القناع على الأرض وهو بيبكي وشهقاته مسموعة في الصالة كلها. الولد لما شاف وش أبوه تحت القناع، المرة دي مامرعش.. المرة دي مانهربش!
الولد رمى نفسه في حضن أبوه واستخبى في صدره بقوة، وبدأ يصرخ بصوت عالي جداً كان بيطلّع بيه وجع سنة كاملة من الخوف والرعب: “بابا! أنا آسف يا بابا! أنا كنت خايف عليهم يقتلو بابا.. قالي لو قربت منك هيقتلوا ماما! قالي لو اتكلمت هيجيلي وأنا نايم!”
أبوه مسكه بكل قوته، ضمه لدرجة إنه كان هيدخله بين ضلوعه، وبيعيط بأعلى صوته وبيقوله: “سامحني يا ابني.. سامحني يا حبيبي، أنا الأسف.. حقك عليا، أنا فكرتك كرهتني.. أقسم بالله ما حد يقدر يمسكم ولا يلمس شعر منكم!”
الغموض اللي خنق حياتنا سنة كاملة انزاح في ثواني، بس حل مكانه كابوس أشد وأمر: مين اللي يعمل كده؟ مين الشخص اللي دخل بيت طبيعي، ووصل لأوضة طفل عنده سبع سنين، وهدده بأمه ولعّب في عقله بالطريقة البشعة دي؟ ومين اللي جاب العلبة دي بالتحديد في اليوم ده وحطها وسط هدايا عيد الميلاد من غير ما حد يحس؟
أنا وقفت وسط الصالة وجسمي كله بيلف. افتكرت الليلة اللي الحالة بدأت فيها من سنة.. الليلة اللي الولد كان قاعد بيلعب في الصالة، وأبوه فتح الباب بالكباس..

السابق1 من 2
تابع المقال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى